ترجمة: أ. رزان بن دهر
هل يمكن أن يخفف المشي على الشاطئ، أو رحلة تخييم في عطلة نهاية الأسبوع، أو أي علاج بديل آخر من أعراض اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه؟
تقدم الدراسات التي قادتها الباحثة فرانسيس كو (Ph.D.) من جامعة إلينوي أدلة قوية تربط بين قضاء الوقت في البيئات الطبيعية وزيادة القدرة على التركيز لدى الأشخاص المشخصين بـ ADHD.
وقد أجرى الدكتور كارل شيرمان، المساهم في مجلة ADDitude، حوارًا مع الدكتورة كو حول نتائج أبحاثها وما تعنيه للأشخاص الذين يعانون من هذا الاضطراب.
ما الذي ألهمك فكرة أن الطبيعة قد تكون مفيدة للأشخاص المشخصين بـ ADHD؟
أظهرت عدة دراسات أن البالغين غير المشخصين بـ ADHD يتمتعون بقدرة تركيز أفضل عندما يكون لديهم وصول منتظم إلى البيئات الطبيعية، ففي هذه الدراسات سُئل المشاركون عن مقدار الوقت الذي يقضونه في الحدائق والمتنزهات والمساحات الخضراء الأخرى، ثم سُئلوا عن مستوى انتباههم، وتركيزهم في العمل، ومدى ميلهم لفقدان الأشياء أو نسيانها.
وأظهرت النتائج أنه كلما زاد التعرض للطبيعة، ارتفع مستوى الانتباه، وقد تأكدت هذه النتائج أيضًا من خلال مقاييس موضوعية للتركيز، أما الأبحاث حول الأطفال فهي أقل عددًا، لكنها تشير إلى الاتجاه نفسه.
برأيك، ما التفسير وراء ذلك؟
النظرية تقول إنه عند بذل جهد مستمر للحفاظ على التركيز — كما يحدث عند الانشغال بالكتابة أو إجراء الحسابات — فإن الناقلات العصبية في قشرة الفص الجبهي من الدماغ تُستنزف تدريجيًا، وإذا استمر هذا الجهد لفترة طويلة من دون توقف، تظهر حالة يمكن وصفها بـ “إرهاق الانتباه” وهنا يحتاج الدماغ إلى فرصة للتجديد، ويبدو أن التواجد في بيئة طبيعية يساعد على إعادة شحن هذا النظام.
ومن هنا يمكن الربط مع ADHD، الذي يُعتبر في جوهره شكلًا مزمنًا من إرهاق الانتباه، والسؤال الأهم هو: هل التأثير الإيجابي للتعرض للطبيعة كافي لإحداث تحسن ملموس في الأعراض؟
ماذا تشير نتائج أبحاثك؟
تشير نتائجنا إلى أن التأثير كبير بما يكفي ليُحدث فرقًا ففي إحدى دراساتنا، سألنا ما يقارب 500 من أولياء أمور الأطفال المشخصين باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه (تتراوح أعمارهم بين 5 و18 عامًا) عن تأثير الأنشطة المختلفة بعد المدرسة وفي عطلة نهاية الأسبوع.
هل كانت هناك أنشطة معينة تُحسّن القدرة على التركيز؟
أفاد الأهالي أن مستوى تركيز أطفالهم كان أفضل بعد الأنشطة الخارجية مقارنة بالأنشطة الداخلية، وأن الأنشطة التي تتم في بيئات طبيعية مليئة بالأشجار والعشب حققت أكبر تحسن في الانتباه من بين جميع الأنشطة الخارجية.
ربما السبب هو نوع الأنشطة التي تُمارس عادةً في الهواء الطلق بعبارة أخرى، هل يمكن أن تكون لعبة مثل البيسبول أكثر فاعلية في تعزيز التركيز من القراءة مثلًا؟
لا أعتقد ذلك، فقد قارنا النشاط نفسه في ثلاثة أماكن مختلفة — على سبيل المثال، لعب كرة السلة في صالة مغلقة، أو في ساحة مرصوفة بالإسفلت، أو في حديقة — وكانت النتيجة دائمًا لصالح البيئة الأكثر طبيعية.
كما سألنا الأهالي عن المكان الذي يلعب فيه أطفالهم عادةً — في قبو بلا نوافذ، أو في المطبخ المطل على الحديقة، أو في الشارع خارج المنزل، أو في مكان تحيط به الأشجار والعشب، وكانت النتيجة متشابهة: كلما كان المكان أكثر خضرة، زادت القدرة على التركيز — أي أن أعراض ADHD كانت تحت السيطرة بشكل أفضل.
هل تساعد البيئات الخضراء في الحد من فرط الحركة كما تفعل مع تشتت الانتباه؟
هناك ما يدعو للاعتقاد بذلك، فقد أظهرت دراسة أُجريت على أطفال أصحاء يعيشون في مساكن عامة أن الذين كانوا يسكنون شققًا تطل على مناظر طبيعية خضراء يتمتعون بقدرة أفضل على ضبط الاندفاع مقارنةً بمن يطلون على مناظر خالية من الطبيعة، وهناك بعض النتائج المشابهة لدى البالغين، لكننا لم نختبر ذلك بشكل مباشر بعد.
هل تشير هذه الدراسات إلى أنه ينبغي على أولياء أمور الأطفال المشخصين بـ ADHD تشجيع أبنائهم على قضاء وقت أطول في الهواء الطلق؟
ما المخاطر المحتملة؟ لا نعرف مخاطر حقيقية — باستثناء بعض الأمور البسيطة مثل الشظايا أو لسعات الحشرات، لذلك يبدو أن منحهم وقتًا أطول في الخارج يستحق التجربة، إن الاتساق الكبير في تقارير الأهالي ضمن دراساتنا يجعلني أثق بقدرتهم على ملاحظة ما يحدث مع أطفالهم، فلماذا لا نشجع على أنشطة أكثر ارتباطًا بالطبيعة ونرى النتائج؟ أظن أنه إن كان هناك تأثير، فسيكون واضحًا إلى حد كبير.
هل لديك اقتراحات عملية محددة؟
إذا كان هناك أكثر من طريق للذهاب إلى المدرسة أو العودة منها، فجرّبوا اختيار الطريق الأكثر خضرة، وقبل البدء في أداء الواجبات المدرسية، قد يكون من المفيد أن يتناول الطفل وجبة خفيفة ثم يلعب في الخارج لمدة 20 دقيقة، كثير من الأهالي لديهم ميل معاكس: أن ينجز الطفل واجباته أولًا ثم يخرج للعب.
أعتقد أن بإمكان الأهل محاولة منح أطفالهم بعض الوقت في الطبيعة قبل أي نشاط يتطلب تركيزًا على سبيل المثال، إذا كان طفلك يجد صعوبة في الجلوس بهدوء في مكان، دعيه يلعب بالكرة على العشب لمدة 20 دقيقة قبل الذهاب، وإذا كان لديكم حديقة، يمكنك إشراك طفلك في أعمال البستنة، كما يمكن القيام بزيارة عائلية إلى الحديقة أو محمية طبيعية في عطلة نهاية الأسبوع.
قد يكون من المثير للاهتمام أيضًا اختبار ما إذا كان جلوس الطفل لأداء واجباته أمام نافذة تطل على منظر طبيعي جميل سيُحدث فرقًا مقارنة بأداء الواجب في غرفة بلا إطلالة بالنسبة لمعظم الأطفال، فإن المناظر الطبيعية ليست مُشتتة كثيرًا، لكن ردود الفعل تختلف من طفل لآخر، لذلك أنصح بتجربة ذلك لبضعة أيام لمعرفة النتيجة.
وماذا عن العطلات؟
لم ندرس هذا الجانب علميًا، لكن الآباء الذين تحدثنا إليهم كانوا متفائلين جدًا بشأن قضاء عطلات “طبيعية” وكان تعليقي المفضل من أحدهم: “ذهبنا إلى ديزني وكانت التجربة كارثة، لكن عندما نذهب للتخييم يختفي كل أثر للأعراض عند طفلي!”
وبالطبع، إذا كنت تكره الغابات، فلن يكون منطقيًا اصطحاب طفلك إلى التخييم لكن إذا كان الخيار بين “الذهاب إلى ديزني أو الذهاب للتخييم”، فسأميل إلى اختيار التخييم.
وماذا عن سكان المدن؟ هل ينبغي أن ينتقلوا للريف من أجل أطفالهم؟
بصفتي عالمة، عليّ أن أقول إن البيانات المتوفرة قليلة جدًا ولا تكفي للتوصية بذلك، لكن بصفتي أمًّا مطّلعة على هذه الأبحاث، أستطيع القول إنه لو كان لدي طفل مشخص بـ ADHD، فإن عامل “البيئة الخضراء” سيكون مهمًا جدًا في قراري بشأن مكان السكن، لقد جعلتني أبحاثي أكثر وعيًا بكمية الوقت الذي يقضيه ابني — البالغ من العمر سبع سنوات — داخل المنزل، وأكثر إصرارًا على تشجيعه للخروج واللعب في الخارج.
وهل يفيد “قضاء الوقت في الطبيعة” البالغين المشخصين بـ ADHD أيضًا؟
سأكون مندهشة جدًا إن لم يكن كذلك، فنحن نرى الأثر الإيجابي للطبيعة على البالغين والأطفال غير المشخصين بـ ADHD، وكذلك على الأطفال المشخصين بالاضطراب، فلماذا يكون الأمر مختلفًا مع البالغين الذين لديهم ADHD؟
المرجع:
How Green Time Promotes Better Focus
https://www.additudemag.com/green-time-natural-adhd-remedy/





