ترجمة : أ. نوره الدوسري
التعاطف عملية تتشكّل تدريجيًا عبر الطفولة والمراهقة، وليس مهارة مكتملة تظهر دفعة واحدة.
“طفلي عمره 3 سنوات ولا يبدو متعاطفًا جدًا. هل هذا يعني أن هناك خطبًا ما؟”
“قيل لي إن الأطفال لا يستطيعون ممارسة التعاطف قبل سن التاسعة. هل هذا صحيح؟”
هذه أمثلة على الأسئلة التي يطرحها الآباء كثيرًا. ويعود سبب هذا الالتباس إلى أن التعاطف، رغم أهميته الواضحة في بناء العلاقات الاجتماعية الصحية وتنمية صفات مثل الرعاية واللطف، ليس مهارة يمتلكها الطفل أو لا يمتلكها عند عمر محدد. لا توجد قائمة واضحة من المؤشرات يمكن وضع علامة عليها، ولا اختبار حاسم يضمن أن الطفل يسير في المسار الصحيح لتطوير التعاطف.
عند مراقبة طفل في مرحلة ما قبل المدرسة عن كثب — خاصة إذا كنا نبحث عن مظاهر “ناضجة” من الاستجابات المتعاطفة — قد نشعر أحيانًا بالارتباك أو حتى القلق. صحيح أن التعاطف قد يظهر أحيانًا بوضوح لا لبس فيه. فقد يشعر أحد الوالدين بالفخر عندما يرى طفله يحتضن زميلة له في الروضة كانت تمر بيوم صعب. في تلك اللحظة، يبدو التعاطف واضحًا وجليًا.
لكن بعد ساعات قليلة، قد يُظهر الطفل نفسه استجابة مختلفة تمامًا عندما يرى أخاه الصغير يسقط ويبكي، فيضحك أو يركض دون أن يبدو عليه أي تعاطف. هذا التناقض قد يكون مربكًا للوالدين.
ومع ذلك، إذا تجاوزنا دهشتنا ونظرنا بعمق أكبر، سنجد أنه في كلتا الحالتين كان لدى الطفل استجابة انفعالية تجاه ضيق شخص آخر. وهنا تبدأ جذور التعاطف. غير أن تعلّم كيفية التعامل مع هذه المشاعر القوية وتحويلها إلى سلوك يخدم الآخر فعلًا هو مهمة أكثر تعقيدًا، تتطلب نضجًا وممارسة مستمرة.
ماذا يعني التعاطف؟
يعني التعاطف أن الطفل:
يفهم أنه شخص مستقل عن الآخرين، وأن للناس مشاعر ووجهات نظر قد تختلف عن مشاعره ووجهة نظره.
يستطيع التعرّف على المشاعر في نفسه وفي الآخرين وتسميتها.
يتمكّن من تنظيم استجاباته الانفعالية الخاصة.
يضع نفسه مكان الآخر ويتخيّل كيف قد يشعر.
يتخيّل نوع الفعل أو الاستجابة التي قد تساعد الشخص الآخر على الشعور بتحسّن.
وهذا يتطلب جهدًا كبيرًا. فالتعاطف مهارة تتطوّر تدريجيًا عبر سنوات الطفولة والمراهقة، وتتأثر بعوامل متعددة تشمل الجينات، والطبع الشخصي، والسياق، والبيئة.
ومع أننا نولد بقدرة فطرية على التعاطف، إلا أن تطوره لا يحدث تلقائيًا؛ بل يحتاج إلى خبرة وتجربة وممارسة.
الأسس الانفعالية للتعاطف
التعاطف تجربة انفعالية ومعرفية في آن واحد. وتظهر مكوناته الانفعالية أولًا.
يبدأ الرضّع في عكس الحالات الانفعالية والتعبيرات لمن حولهم منذ وقت مبكر جدًا. وبفضل ما يُعرف بالخلايا العصبية المرآتية، قد يُظهر الرضيع بعمر 18 ساعة فقط استجابة لضيق رضيع آخر. لا نعلّم الأطفال الرضّع هذه الاستجابة؛ فهم يولدون مهيئين عصبيًا لتمثيل تجارب الآخرين في أدمغتهم وأجسامهم.
تُعد التجارب الانفعالية المبكرة بين الرضيع ومقدّم الرعاية أساسية في بناء التعاطف. عندما يعتني الوالدان بالرضيع ويستجيبان لاحتياجاته، يبدأ الطفل في تكوين ارتباطات مهمة بين التفاعل الإنساني الإيجابي، ونظام المكافأة في الدماغ، والشعور بالهدوء والأمان.
الأطفال الذين يشعرون بالأمان والحب والاستقرار يصبحون لاحقًا أكثر حساسية لاحتياجات الآخرين الانفعالية. ويُطلق علماء النفس على هذه العلاقة بين الرضيع ومقدّم الرعاية مصطلح “التعلّق”، وقد أظهرت الدراسات أن جودة التعلّق في الطفولة المبكرة تُعد مؤشرًا على مستوى التعاطف والشفقة في مراحل لاحقة من الحياة.
بين الشعور والتفكير
مع تقدّم الأطفال في العمر، تبدأ الجوانب المعرفية للتعاطف في الظهور، وتكمل الأسس الانفعالية التي تشكّلت في السنوات الأولى.
بحلول مرحلة ما قبل المدرسة، يصبح الأطفال أكثر وعيًا بأن للآخرين أجسادًا ومشاعر وتجارب مستقلة عنهم. ويطوّرون ما يُعرف بـ”نظرية العقل”، وهي القدرة على فهم أن للآخرين أفكارًا ومشاعر تختلف عن أفكارهم ومشاعرهم. تُعد هذه القدرة أساسًا مبكرًا لما يُسمى “أخذ منظور الآخر”، أي القدرة على وضع النفس مكان شخص آخر.
ينمو التمييز بين الذات والآخر بسرعة خلال الطفولة المبكرة. فعلى سبيل المثال، إذا رأى طفل في عمر سنة صديقًا له منزعجًا، فقد يذهب لإحضار أمه هو لتهدئته. أما طفل بعمر سنتين ونصف تقريبًا، فقد يتوجه لإحضار أم صديقه، لأنه أصبح يفهم أن صديقه قد يرغب في وجود والدته هو عند الشعور بالضيق.
بطبيعة الحال، تبقى هذه الاستجابات في مراحلها الأولى من التطور، وغالبًا ما تكون محدودة بالمواقف التي اختبرها الطفل بنفسه، ومتأثرة بالسلوكيات التي شاهدها من البالغين المحيطين به.
تتطور الجوانب المعرفية للتعاطف بشكل أوضح في عمر السادسة أو السابعة تقريبًا، عندما يصبح الطفل أكثر قدرة على فهم منظور الآخر، واقتراح حلول أو تقديم مساعدة عند ملاحظة ضيق شخص ما. ومع نضج مهارات الوظائف التنفيذية لديه — مثل ضبط النفس وتنظيم الانفعال — يصبح الطفل أكثر قدرة على إدارة مشاعره الخاصة، مما يمنحه “المساحة المعرفية” اللازمة للتواصل مع تجربة الآخر دون أن يغمره شعوره الشخصي بالكامل.
كل هذه الخبرات تُشكّل الأساس للقضايا الأخلاقية المعقدة التي يبدأ اليافعون في التعامل معها لاحقًا، مثل التنمر، وعدم المساواة، والتمييز.
التعاطف يُكتسب بالملاحظة لا بالتلقين
تختلف وتيرة تطوّر التعاطف من طفل لآخر، كما يتأثر بالسياق. فقد يكون طفل في الروضة، بعد مرور أشهر على بدء العام الدراسي وشعوره بالأمان، مستعدًا ليكون صديقًا متعاطفًا. أما في اليوم الأول من المدرسة، فقد لا يكون كذلك.
كل موقف يومي يُعد فرصة لتهيئة الظروف التي تعزز التعاطف وزرع بذوره. لا يمكننا تقديم دروس رسمية مباشرة في التعاطف. بل تتكوّن الاستجابات المتعاطفة تدريجيًا في سياق العلاقات الداعمة، والنمذجة الإيجابية من الكبار، والقصص، والحوار، واللعب، وتدريب الأطفال على فهم مشاعرهم، والكثير من الصبر.
وكما تقول ماري غوردون، مؤسسة برنامج “جذور التعاطف”:
“التعاطف يُلتقط ولا يُلقّن.”
المرجع
How Children Develop Empathy





