الأبعاد السبعة لخدمات تحليل السلوك التطبيقي

الحزن، الفقد، الوفرة، الفرح: إيجاد ملاذ في الأوقات القاسية

 

ترجمة : أ. نوره الدوسري

 

تؤكد الأبحاث بشكل متزايد مقدار ما يمكن للطبيعة أن تقدّمه لنا

 

في هذه الأيام، وبينما يغمر عالمنا سيلٌ متواصل من قصص الحزن والفقد، أتذكّر قصة تعليمية بوذية شهيرة: في أحد الأيام، جاءت امرأة لم تستطع تقبّل الموت المفاجئ لطفلها إلى بوذا، حاملةً جسد ابنها بين يديها. توسّلت إلى المستنير أن يعيد الحياة لطفلها. أدرك بوذا معاناة الأم وعمق أزمتها، فأخبرها أنه يستطيع مساعدتها، ولكن بشرط واحد: أن تحضر له حبّة خردل من منزلٍ لم يفقد فيه أحدٌ عزيزًا.

مدفوعةً بيأسها ورغبتها الشديدة في استعادة طفلها، بدأت الأم تطرق الأبواب بيتًا بعد بيت، تسأل عن طلبها. في المنزل الأول، قيل لها إن شيخًا قد توفي، وفي الثاني كان هناك طفل قد رحل. ومع مرور الوقت وتكرار الإجابة ذاتها، أدركت المرأة المفجوعة حقيقة مؤلمة: أن الموتى أكثر عددًا من الأحياء، وأن الفقد لا يستثني أحدًا. كان هذا الإدراك بداية طريقها نحو الاستيقاظ الداخلي، وبداية تقبّلها لحقيقة الفناء.

بصفتنا بشرًا، نحن نحب بعمق، ونتألم حين نفقد من نحب. ولكن كيف يمكننا أن نحتضن هاتين الحقيقتين العميقتين—الحب والمعاناة—وفي الوقت ذاته نحافظ على توازننا الانفعالي؟ كيف نستطيع أن نبقي جذوة الإيمان بالمستقبل متقدة، بينما تعيقنا تقلبات الحياة غير المتوقعة؟

إن عدم اليقين يزرع القلق في نفوسنا. فالمراكز الانفعالية في الدماغ تستجيب لحالات عدم اليقين كما لو كانت تهديدًا مباشرًا. وعندما نواجه المجهول، تعمل آليات التطور البيولوجي على إطلاق هرمونات التوتر في جهازنا العصبي. وعلى مستوى غير واعٍ، يثير عدم اليقين مخاوف البقاء، ويُضعف ثقتنا في استقرار العالم من حولنا.

نحن نعيش في زمن يتسم بهشاشة الاستقرار. في مختلف أنحاء العالم، تعيش العائلات والمجتمعات والدول حالة من الفوضى والاضطراب. ومع ذلك، وعلى الرغم من هذه التحديات المتزايدة، فإن لدينا القدرة على اكتشاف مساحات من الأمان النفسي—ملاذات داخلية تمنحنا بعض السكينة. بل ربما يكون لدينا ميل فطري يدفعنا نحو جمال وغموض العالم الطبيعي كوسيلة لتخفيف ضغوطنا.

عندما نحول منظورنا من القلق إلى الفضول، ومن الانشغال بمخاوف المستقبل إلى الحضور الواعي في اللحظة الراهنة، يحدث تحول داخلي ملحوظ؛ وكأن شيئًا في داخلنا يتنفس الصعداء. إن هذا التحول البسيط في طريقة إدراكنا يمكن أن يفتح لنا بابًا نحو الهدوء النفسي.

وقد أفاد جنود في مناطق النزاع، وكذلك مدنيون يعيشون في ظروف صراعات، بأن الطبيعة كانت مصدر عزاء لهم حتى في خضم الحروب. فمشهد قمرٍ أحمر فوق جبال كونار، أو الألوان المتلألئة للشفق القطبي، أو دربٍ صامت في غابة، أو بحيرة تتلألأ تحت ضوء الشمس—كلها لحظات تمنح شعورًا بالسكينة وتغذي القدرة على الصمود وسط الدمار.

وقد عبّر ناثانيال فيك عن هذا المعنى في مذكراته عن خدمته في أفغانستان، حيث قال:
“كنا نتوقف أحيانًا، ونكتفي بالنظر إلى التضاريس من حولنا… إلى حواف الجبال، والوديان، والمسافات الممتدة. في تلك اللحظة، كان كل شيء يبطؤ.”

وفي الوقت الحاضر، أصبحت التدخلات القائمة على الطبيعة جزءًا من برامج علاج اضطراب ما بعد الصدمة لدى الجنود بعد عودتهم من الخدمة.

وخلال جائحة كوفيد-19، ازداد عدد الأشخاص الذين مارسوا مراقبة الطيور في العديد من البلدان. ووفقًا لمسح أُجري في المملكة المتحدة، أفاد ما يقارب نصف البالغين في إنجلترا بأنهم قضوا وقتًا أطول في الهواء الطلق مقارنة بما قبل الجائحة. كما أشار نحو 40% منهم إلى أن الطبيعة والحياة البرية أصبحت أكثر أهمية من أي وقت مضى لرفاههم النفسي.

واليوم، تشير الأبحاث إلى أن قضاء الوقت في التعرف على الطيور وأصواتها يمكن أن يساهم في خفض ضغط الدم ومستويات هرمون الكورتيزول، إضافة إلى تعزيز مراكز التعرف والذاكرة في الدماغ.

إن موضع انتباهنا له تأثير بالغ الأهمية. فما نركز عليه—سواء كان خبرًا مقلقًا أو فراشة جميلة—يؤثر بشكل مباشر على استجاباتنا الفسيولوجية وعلى مشاعرنا تجاه أنفسنا والعالم. إن العالم الحسي من حولنا غني بالعطاء، ولكن إن لم نوجه انتباهنا إليه، فإننا نفقد فرصة الاستفادة من هذا الثراء، ونغفل عن قدرته العلاجية الكامنة في لحظات البهجة البسيطة.

وقد تكون هذه اللحظات بسيطة للغاية: نسيم يحمل رائحة أشجار الصنوبر، دفء أشعة الشمس على الذراع، صوت الماء وهو ينساب فوق الصخور. فكل هذه التفاصيل الصغيرة يمكن أن تتحول إلى مصدر دهشة ينعش حيويتنا ويعيد إلينا الإحساس بالحياة. وما نغفله أحيانًا هو مدى التعقيد والجمال اللامحدود في الكون الذي نعيش فيه.

يشير الشاعر والمعلم الزنّي والمترجم بيتر ليفيت، في كتابه “الرسم بالأصابع على القمر: الكتابة والإبداع كطريق إلى الحرية”، إلى فكرة مهمة، حيث يقول:
“لقد عشنا بما يكفي لندرك أن أحد أبواب الحرية يعتمد على قدرتنا على تغيير الطريقة التي ننظر بها إلى ما هو أمامنا مباشرة. وعندما نفعل ذلك، فإن ما كان يبدو عائقًا في طريقنا يبدأ في الانفتاح، كما لو كان ذلك بفعل سحر خفي. وكما جاء في سوترا القلب، التي تُتلى في معابد الزن حول العالم: عندما لا يكون هناك عائق في الذهن، لا يكون هناك عائق على الإطلاق، وبالتالي لا يوجد خوف. يا لها من سعادة حين ينهار الجدار، أو يذوب ما كان يبدو غير قابل للاختراق.”

إن رقعة صغيرة من الحديقة خلف المنزل، أو شجرة مفضلة، أو متنزه عام، أو حتى نزهة على ضفاف نهر—كلها يمكن أن تكون مصادر ترميم لأذهاننا المثقلة. إن السماح لأنفسنا بالانغماس في مشهد زهرة تنمو من شق في الرصيف، أو مراقبة غراب من نافذة المطبخ، قد يكون تجربة تحوّلية.

ورغم أن هذا قد يبدو تبسيطًا ساذجًا في ظل ثقل الأعباء التي نحملها، إلا أن الأبحاث تشير إلى عكس ذلك تمامًا.

لعل لدى الكثيرين ذكرى من الطفولة عاشوا فيها حالة “التدفق”، وهي لحظة يختفي فيها الإحساس بالوقت والهموم، بينما ينشغل الشخص بسعادة في مراقبة السحب أو متابعة نملة تحمل فتات خبز. هذه اللحظات تمثل حالات من النعمة والتواصل العميق مع العالم.

ولو لبضع دقائق فقط يوميًا، يمكننا أن نمنح أنفسنا فرصة للانخراط الحسي العميق مع الطبيعة. وعندما نفعل ذلك، يحدث شيء من السكون داخلنا. ندرك أننا جزء من كونٍ وُجد قبل الحروب والكوارث البشرية، وسيستمر في الوجود بعد رحيلنا.

نشعر حينها بقوة الحياة التي تسري فينا. وعندما يحدث هذا، يتدفق الفرح في داخلنا، ليحل محل الخوف.

المرجع

Grief, Loss, Abundance, Joy: Finding Refuge in Harsh Times

https://www.psychologytoday.com/us/blog/transcending-the-past/202603/grief-loss-abundance-joy-finding-refuge-in-harsh-times