الأبعاد السبعة لخدمات تحليل السلوك التطبيقي

هوايات الجدّات: هل يمكن أن تكون سرًا لتحسين الصحة النفسية؟

 

 ترجمة : أ. نوره الدوسري

 

خلال سنوات الدراسة الجامعية، قد يبدو مشهد إحضار أدوات الحياكة إلى قاعة المحاضرات أمرًا غريبًا. إلا أن هذا المشهد أصبح مألوفًا في بعض الجامعات، حيث بدأ عدد من الطلبة بممارسة الحياكة أثناء الشرح، ثم ازداد العدد تدريجيًا. ما بدا في البداية سلوكًا غير معتاد، اتضح لاحقًا أنه يعكس توجهًا أوسع نحو ما يُعرف اليوم بـ “هوايات الجدّات”؛ وهي أنشطة تقليدية مثل الحياكة، الكروشيه، مراقبة الطيور، الزراعة المنزلية، الخَبز، وأعمال الفخار والرسم.

هذه الهوايات، رغم بساطتها، أصبحت محل اهتمام في الأوساط النفسية والبحثية، ليس من باب الحنين إلى الماضي، بل لما تشير إليه الدراسات من آثار إيجابية على الدماغ والصحة النفسية.

تعلّم مهارة جديدة وتأثيره على الدماغ

عندما يبدأ الإنسان بتعلّم مهارة جديدة، فإن الدماغ يدخل في حالة من النشاط المكثف. الحياكة، على سبيل المثال، تتطلب تركيزًا في العدّ، وانتباهًا للتناسق بين الغرز، وتنسيقًا بين العين واليد. هذه العمليات مجتمعة تحفّز مناطق متعددة في الدماغ، مما يعزز ما يُعرف بالمرونة العصبية، وهي قدرة الدماغ على تكوين وصلات عصبية جديدة وإعادة تنظيم نفسه استجابةً للتجارب.

تشير أبحاث في علم النفس المعرفي إلى أن تعلّم مهارات جديدة يرتبط بتحسّن في الذاكرة والانتباه. كما أظهرت دراسات أن الانخراط المنتظم في أنشطة ذهنية أو يدوية يرتبط بانخفاض احتمالية التدهور المعرفي لدى كبار السن. ولا يقتصر الأثر على فئة عمرية محددة؛ فالأشخاص في مختلف المراحل العمرية أظهروا تحسنًا في القدرة على التركيز عند ممارسة هوايات تتطلب تكرارًا وانتباهًا مستمرًا.

الحياكة والكروشيه، على سبيل المثال، توفّران إيقاعًا حركيًا متكررًا، ما يساهم في تهدئة النشاط الذهني المفرط. وقد أفاد العديد من الممارسين بأن هذه الأنشطة تساعدهم على تنظيم أفكارهم وحل المشكلات بصورة أكثر هدوءًا.

العلاقة بين الحركة الثنائية وتنظيم الانفعال

من المثير للاهتمام أن بعض الباحثين أشاروا إلى وجود تشابه بين الحركات المتكررة في الحياكة وبين أساليب علاجية حديثة تعتمد على تحفيز جانبي الدماغ. أحد هذه الأساليب هو العلاج بإزالة التحسس وإعادة المعالجة عبر حركات العين، والذي يقوم على تحفيز نصفي الدماغ بالتناوب للمساعدة في معالجة الخبرات الصادمة.

رغم أن الحياكة ليست أسلوبًا علاجيًا رسميًا، فإن الحركات الثنائية المتكررة فيها قد تسهم في مساعدة الدماغ على معالجة الضغوط اليومية بطريقة غير مباشرة. التكرار المنتظم للحركة، مع تركيز معتدل، قد يخلق حالة ذهنية تساعد على تهدئة الجهاز العصبي وخفض مستويات التوتر.

حالة “التدفّق” وتأثيرها في تخفيف القلق

أحد المفاهيم الأساسية المرتبطة بالهوايات هو مفهوم “التدفّق”، وهي حالة نفسية يكون فيها الفرد مندمجًا بالكامل في النشاط الذي يؤديه، بحيث يختفي الشعور بالوقت ويقلّ التفكير في مصادر القلق. هذه الحالة ترتبط بارتفاع مستويات الرضا النفسي وتحسّن المزاج.

عند الانخراط في نشاط مثل الزراعة المنزلية أو الرسم أو تشكيل الطين، يتركز الانتباه في اللحظة الحالية. هذا التركيز يقلل من الاجترار الفكري، وهو أحد العوامل المرتبطة بالقلق والاكتئاب. الدخول في حالة التدفّق لا يتطلب مهارة احترافية، بل يكفي أن يكون النشاط مناسبًا لقدرات الشخص، بحيث يشكل تحديًا بسيطًا دون أن يكون مرهقًا.

 

الإحساس بالإنجاز وتعزيز تقدير الذات

إكمال مشروع يدوي، مهما كان بسيطًا، يمنح شعورًا واضحًا بالإنجاز. هذا الشعور يرتبط بإفراز مواد كيميائية في الدماغ تعزز الإحساس بالرضا. عندما يضع الفرد هدفًا، مثل إنهاء قطعة كروشيه أو زراعة نبتة حتى تنمو، فإنه يمر بسلسلة من الخطوات الصغيرة التي تقوده نحو نتيجة ملموسة.

تشير أبحاث في علم النفس الإيجابي إلى أن وجود أهداف قابلة للتحقيق يعزز الشعور بالمعنى ويقوي تقدير الذات. الهوايات التقليدية توفر بيئة مناسبة لهذا النوع من الأهداف، حيث يمكن تقسيم العمل إلى مراحل واضحة، وملاحظة التقدم بشكل مباشر.

بناء شبكات اجتماعية داعمة

رغم أن بعض هذه الهوايات يمكن ممارستها بشكل فردي، فإنها غالبًا ما تخلق فرصًا للتواصل الاجتماعي. مجموعات الحياكة، أندية الزراعة، ورش الرسم، وحتى المجتمعات الإلكترونية المتخصصة، توفر مساحات للتفاعل بين أشخاص يشتركون في الاهتمام نفسه.

تشير دراسات إلى أن الأشخاص الذين يمارسون هوايات ضمن مجموعات أفادوا بشعور أكبر بالهدوء والسعادة مقارنة بمن يمارسونها بشكل فردي فقط. التفاعل الاجتماعي القائم على اهتمام مشترك يعزز الإحساس بالانتماء، وهو عنصر أساسي في الصحة النفسية.

كما أن ممارسة الهوايات قد تقلل من الوقت الذي يقضيه الفرد في التصفح المفرط لوسائل التواصل الاجتماعي، وهو سلوك ارتبط في بعض الدراسات بارتفاع مستويات القلق والمقارنة الاجتماعية السلبية.

نتائج دراسات حول بعض الهوايات التقليدية

الدعم العلمي لفوائد هذه الهوايات لا يقتصر على الانطباعات الشخصية. فقد أظهرت دراسة نُشرت عام 2022 أن رؤية الطيور وسماع أصواتها في الحياة اليومية يرتبط بتحسن ملحوظ في الحالة النفسية، سواء لدى الأشخاص المشخصين بالاكتئاب أو غير المشخصين به.

وفي مجال الفنون التشكيلية، أشارت أبحاث إلى أن العلاج بالفخار ساهم في خفض أعراض الاكتئاب لدى البالغين، وتقليل القلق لدى طلبة الجامعات. كما وجدت دراسة عام 2021 أن الكروشيه يُعد نشاطًا منخفض التكلفة وسهل الحمل، وله دور في تعزيز الرفاه النفسي لدى عامة السكان.

أما الرسم، فقد بيّنت دراسة عام 2019 أن ممارسة الرسم لمدة عشر دقائق يوميًا كافية لإحداث تحسن في المزاج، وأن الاستمرار لمدة شهر يعزز هذا الأثر. وفيما يتعلق بالزراعة المنزلية، أظهرت دراسة من جامعة برينستون عام 2020 أن الزراعة تمنح مستوى من السعادة يماثل أنشطة مثل المشي أو ركوب الدراجة. كما أشارت دراسة من جامعة كانساس إلى أن الزراعة تساعد كبار السن على تحسين قوة اليد وتعزيز تقدير الذات في الوقت نفسه.

بين البساطة والفعالية

ما يميز هوايات الجدّات هو بساطتها. فهي لا تتطلب تجهيزات معقدة أو تكاليف مرتفعة، ولا تعتمد على تقنيات حديثة. ومع ذلك، فإن تأثيرها يتجاوز كونها وسيلة لتمضية الوقت. هي أنشطة تجمع بين الحركة والتركيز والإنجاز والتواصل الاجتماعي، وهي عناصر ثبت ارتباطها بالصحة النفسية الجيدة.

ليس من الضروري أن يصل الشخص إلى مستوى احترافي ليستفيد من هذه الأنشطة. الفائدة قد تكمن في العملية نفسها، لا في النتيجة النهائية. رؤية بذرة تنمو، أو قطعة فنية تكتمل، أو حتى مجرد قضاء وقت هادئ في نشاط يدوي، يمكن أن يمنح شعورًا بالاستقرار الداخلي.

الخلاصة

تشير الأدلة البحثية إلى أن ما يُعرف بهوايات الجدّات ليس مجرد أنشطة تقليدية، بل أدوات بسيطة قد تسهم في تعزيز الصحة النفسية وتحفيز الدماغ. من خلال تحفيز المرونة العصبية، وتعزيز التركيز، وتوفير حالة من التدفّق، وتقوية الروابط الاجتماعية، تقدم هذه الهوايات نموذجًا عمليًا للعناية بالذات بعيدًا عن التعقيد.

في عالم يتسم بالإيقاع السريع وكثرة المشتتات، قد تكون العودة إلى أنشطة يدوية بسيطة خطوة واقعية نحو توازن نفسي أفضل.

المرجع 

Why “Grandma Hobbies” Could Be the Secret to Better Mental Health

https://www.goodhousekeeping.com/life/a70107362/grandma-hobbies-mental-health/