ترجمة: أ. نوره الدوسري
كيف يمكن لفهم الذاكرة أن يساعدنا على تذكر الأشياء بشكل أفضل
يمرّ معظمنا بمواقف يومية ننسى فيها أشياء مهمة مثل مكان المفاتيح أو اسم شخص التقينا به للتو. وعلى الرغم من أن النسيان قد يبدو أحيانًا علامة على ضعف الذاكرة، فإن علم النفس المعرفي يوضح أن الذاكرة البشرية تعمل وفق آليات معقدة يمكن تحسينها باستخدام استراتيجيات بسيطة وفعالة.
إن فهم الطريقة التي تعمل بها الذاكرة يساعدنا على تطوير وسائل مساعدة للذاكرة تجعل تذكر المعلومات أسهل وأكثر دقة. فالبحوث في علم النفس تشير إلى أن الذكريات تتشكل وتقوى من خلال عدة عمليات مثل الترميز والتخزين والاسترجاع، ويمكن تعزيز هذه العمليات باستخدام استراتيجيات محددة.
توجد عشرات الطرق التي تساعد على تقوية الذاكرة، لكن هناك أربع استراتيجيات بسيطة وسهلة التطبيق يمكن لأي شخص استخدامها في حياته اليومية.
قصة الذاكرة الاستثنائية
في عشرينيات القرن الماضي، اشتهر صحفي روسي يدعى Solomon Shereshevsky بامتلاكه ذاكرة مذهلة للغاية. فقد كان قادرًا على حفظ ما يصل إلى 70 كلمة غير مرتبطة ببعضها ثم إعادة ترديدها بدقة، بشرط أن تُقرأ الكلمات بفاصل زمني يقارب ثلاث ثوانٍ في غرفة هادئة.
لم يكن الأمر يقتصر على تذكر الكلمات بالترتيب نفسه، بل كان يستطيع أيضًا تذكرها بالعكس بسهولة. والأكثر إثارة للدهشة أن الاختبارات التي أجريت عليه بعد سنوات أظهرت أنه لا يزال قادرًا على تذكر معظم تلك الكلمات بالترتيب الصحيح.
فكيف تمكن من تحقيق هذا الإنجاز المذهل؟
الإجابة تكمن في استخدامه استراتيجيات ذهنية خاصة تساعد على تثبيت المعلومات في الذاكرة طويلة المدى واسترجاعها بسهولة.
كيف تعمل الذاكرة طويلة المدى؟
كل يوم ينتقل آلاف من أجزاء المعلومات من الذاكرة قصيرة المدى إلى الذاكرة طويلة المدى. ومع ذلك، فإن معظم هذه المعلومات الجديدة لا تبقى لفترة طويلة. فالذكريات الجديدة غالبًا ما تكون هشة وضعيفة في البداية، وتمثل إشارات عصبية غير مستقرة في الدماغ.
إذا لم يتم تعزيز هذه الذكريات، فإنها تميل إلى التلاشي بسرعة.
يطلق علماء النفس المعرفيون على عملية تثبيت الذكريات اسم التدعيم أو الترسخ (Consolidation). وتعني هذه العملية أن الذكرى الجديدة تصبح أكثر استقرارًا وقوة، ويتم دمجها داخل شبكة من الذكريات المرتبطة بها في الدماغ.
ومن أفضل الطرق لتعزيز الذاكرة الجديدة استرجاعها بشكل متكرر. فكل مرة نحاول فيها تذكر معلومة ما، فإننا نقوي المسارات العصبية المرتبطة بها.
ولهذا السبب، يكون من السهل تذكر أرقام مهمة مثل رقم الهوية أو رقم الهاتف الذي نستخدمه كثيرًا، مقارنةً بتذكر اسم شخص قرأناه مرة واحدة فقط.
لكن حتى بعد تثبيت الذكرى في الذاكرة طويلة المدى، نحتاج إلى إشارة استرجاع تساعدنا على الوصول إليها. هذه الإشارة قد تكون كلمة أو صورة أو رائحة أو مكانًا معينًا يذكّرنا بالمعلومة المخزنة.
وهنا تأتي أهمية الاستراتيجيات التالية.
الاستراتيجية الأولى
اجعل لكل شيء مكانًا محددًا
كم مرة ضاعت منك مفاتيح السيارة أو الهاتف المحمول؟ هذه المشكلة شائعة جدًا وتسبب الإزعاج خاصة عندما نكون في عجلة من أمرنا.
لكن دعنا نفكر في سؤال بسيط:
هل سبق أن نسيت مكان فرشاة الأسنان؟
غالبًا لا.
والسبب بسيط: لأن فرشاة الأسنان لها مكان ثابت في المنزل. فهي عادة توضع في كوب أو حامل بجانب المغسلة في الحمام. لذلك إذا لم تكن هناك، فهي غالبًا في يدك.
يمكن تطبيق المبدأ نفسه على الأشياء المهمة الأخرى.
القاعدة بسيطة:
اجعل لكل غرض مهم مكانًا محددًا، وضعه دائمًا في المكان نفسه.
على سبيل المثال، يمكن وضع المفاتيح في وعاء صغير بالقرب من الباب أو فوق طاولة معينة في الغرفة. وإذا لم تكن المفاتيح في ذلك المكان، فهناك احتمالات محدودة جدًا: إما في الجيب أو داخل السيارة.
هذه الطريقة البسيطة تقلل من الفوضى الذهنية وتوفر إشارة استرجاع ثابتة تساعد الدماغ على تحديد مكان الشيء بسرعة.
الاستراتيجية الثانية
إعادة خلق السياق الأصلي للذكرى
في إحدى المرات، زار أحد الباحثين مدرسته الابتدائية القديمة بعد سنوات طويلة. وبينما كان يتجول في الممرات وينظر إلى الفصول ولوحات الإعلانات، حدث أمر مدهش.
فجأة تدفقت إلى ذهنه ذكريات كثيرة من الماضي: أسماء زملائه، وجوه معلميه، ومواقف عاشها قبل عقود.
هذا المثال يوضح مبدأ مهمًا في علم الذاكرة. فقد أظهرت دراسات عديدة أن الذكريات ترتبط بالظروف التي تشكلت فيها (Smith, 2013).
ولهذا السبب يكون من الأسهل تذكر المعلومات عندما نحاول إعادة إنشاء السياق الأصلي الذي تعلمنا فيه تلك المعلومات. وتُعرف هذه الظاهرة باسم إعادة تنشيط السياق.
ولهذا المبدأ تطبيقات عملية كثيرة.
فعلى سبيل المثال، قد يأخذ رجال الشرطة الشهود إلى مكان وقوع الجريمة لمساعدتهم على تذكر تفاصيل إضافية.
كما يمكن للطلاب الاستفادة من هذه الفكرة عند الاستعداد للاختبارات. فإذا درست في مكان معين أو كنت تجلس في مقعد محدد أثناء التعلم، فقد يساعدك الجلوس في المكان نفسه أثناء الاختبار على استرجاع المعلومات بسهولة أكبر.
حتى الروائح أو المشروبات قد تلعب دورًا صغيرًا في تحسين التذكر. فإذا كنت تشرب القهوة أثناء الدراسة، فقد يساعدك شربها أثناء الاختبار على تنشيط بعض الذكريات المرتبطة بعملية التعلم.
الاستراتيجية الثالثة
استخدم الصور الذهنية الغريبة والمبالغ فيها
الدماغ البشري يميل إلى تذكر الأشياء غير المألوفة أو الغريبة أكثر من الأشياء العادية. فالصور الغريبة تكون أكثر تميزًا في الإدراك، وبالتالي أقل عرضة للخلط مع ذكريات أخرى.
لنفترض أنك قابلت شخصًا جديدًا اسمه “هارولد شومان”، وتريد أن تتذكر اسمه لاحقًا.
يمكنك أن تتخيل صورة ذهنية طريفة:
تخيل هذا الرجل كأنه بائع أحذية عجوز ومكسو بالشعر ويحمل كومة كبيرة من صناديق الأحذية المتمايلة.
هذه الصورة الغريبة ستخلق رابطًا بين الاسم والمعنى. وفي المرة القادمة التي ترى فيها هذا الشخص، قد تستحضر تلك الصورة فورًا، وبالتالي تتذكر اسمه بسهولة.
هذه الاستراتيجية تعتمد على قوة الخيال البصري في الدماغ. فالصور الذهنية الغريبة تترك أثرًا أقوى في الذاكرة مقارنة بالمعلومات المجردة.
الاستراتيجية الرابعة
طريقة المواقع أو “قصر الذاكرة”
لحفظ القوائم الطويلة من الكلمات، استخدم شيريشيفسكي استراتيجية قديمة تُعرف باسم طريقة المواقع أو Method of Loci.
كلمة “Loci” في اللغة اللاتينية تعني الأماكن.
تعتمد هذه الطريقة على ربط المعلومات بأماكن مألوفة في البيئة المحيطة. فقد نشأ شيريشيفسكي في قرية صغيرة وكان يعرف كل شوارعها ومنازلها ومتاجرها.
وعندما أراد حفظ قائمة من الكلمات، كان يتخيل نفسه يسير في شوارع قريته ويضع كل كلمة في مكان معين.
فمثلًا:
كلمة “خبز” على عتبة المنزل
كلمة “مطرقة” على السياج
كلمة أخرى بجانب متجر معين
وعندما يحين وقت التذكر، يقوم بجولة ذهنية في تلك الأماكن ويسترجع ما وضعه فيها من كلمات.
يمكن تطبيق هذه الطريقة في الحياة اليومية أيضًا.
فمثلًا، إذا أردت إلقاء خطاب قصير دون ملاحظات مكتوبة، يمكنك ربط كل فكرة بمكان معين أو بجزء من جسمك.
قد تتخيل فكرة معينة فوق رأسك، وأخرى على كتفك، وثالثة عند قدميك. وعند الحديث، تقوم ببساطة بالانتقال ذهنيًا بين هذه المواقع لاسترجاع الأفكار بالترتيب.
الخلاصة
تحسين الذاكرة لا يتطلب قدرات خارقة مثل تلك التي امتلكها شيريشيفسكي. فمعظم الناس يمكنهم تعزيز قدرتهم على التذكر باستخدام استراتيجيات بسيطة مبنية على فهم علمي لكيفية عمل الدماغ.
ومن أهم هذه الاستراتيجيات:
تخصيص مكان ثابت للأشياء المهمة.
إعادة خلق السياق الذي تعلمت فيه المعلومات.
استخدام الصور الذهنية الغريبة والمميزة.
ربط المعلومات بأماكن مألوفة باستخدام طريقة المواقع.
هذه الاستراتيجيات قد تبدو بسيطة، لكنها تعتمد على مبادئ أساسية في علم النفس المعرفي، وقد أثبتت الدراسات فعاليتها في تحسين عملية التذكر.
لذلك، جرّب تطبيق هذه الطرق في حياتك اليومية، وستلاحظ على الأرجح تحسنًا ملحوظًا في قدرتك على تذكر المعلومات والأحداث.
المرجع
Four Simple Techniques to Improve Your Memory Understanding how memory works can help us devise effective memory aids





