الأبعاد السبعة لخدمات تحليل السلوك التطبيقي

الغفران ليس دائمًا سهلًا، لكن الدراسات تشير إلى أنه قد يساعدك على الازدهار

 

 ترجمة : أ. نوره الدوسري

 

يُعد التعرّض للأذى من الآخرين تجربة شائعة في حياة البشر، وقد يكون هذا الأذى مؤلمًا للغاية على المستوى النفسي والعاطفي. فالكلمات الجارحة، أو الخيانة، أو الظلم، أو سوء الفهم، جميعها مواقف قد تترك أثرًا عميقًا في نفس الإنسان. والطريقة التي يستجيب بها الأفراد لمثل هذه التجارب لا تؤثر فقط في صحتهم النفسية، بل قد تمتد آثارها لتشمل رفاهية المجتمع ككل. ومن هنا يبرز سؤال مهم في علم النفس والحياة الاجتماعية: كيف نتعامل مع الأذى؟ وهل يمكن أن يكون الغفران جزءًا من الإجابة؟

خلال العقود القليلة الماضية، سعى الباحثون في علم النفس والعلوم الاجتماعية إلى فهم تجربة الغفران بشكل أعمق، وكيف يؤثر هذا السلوك في حياة الأفراد والمجتمعات. ومن بين المبادرات البحثية الحديثة التي تهدف إلى توسيع هذا الفهم تأتي دراسة الازدهار العالمية (Global Flourishing Study)، التي تسعى إلى تقديم رؤية أوسع حول العوامل التي تسهم في حياة إنسانية مزدهرة عبر ثقافات وسياقات مختلفة.

انطلقت هذه الدراسة في عام 2021، وهي دراسة طويلة المدى تتابع المشاركين مع مرور الوقت بهدف فهم ما الذي يجعل الحياة “جيدة” في مناطق مختلفة من العالم. ولا يقتصر مفهوم الحياة الجيدة في هذه الدراسة على جانب واحد فقط، بل يشمل مجموعة من الأبعاد الأساسية مثل الصحة الجسدية والنفسية، والسعادة، والشعور بالمعنى في الحياة، وجودة العلاقات الاجتماعية، وبناء الشخصية والقيم الأخلاقية، إضافة إلى الاستقرار والأمان المالي.

وتُعد هذه الدراسة الأولى من نوعها التي تقيس مفهوم الغفران باستخدام عينات وطنية واسعة من عدة دول وثقافات مختلفة. وهذا ما يمنح الباحثين فرصة فريدة لفهم كيف ينظر الناس في مختلف أنحاء العالم إلى الغفران، وكيف يمارسونه في حياتهم اليومية.

كجزء من عملي الأكاديمي في مجال علم النفس، أركز كثيرًا على دراسة مفهوم الازدهار الإنساني، وهو مفهوم يشير إلى الحالة التي يعيش فيها الإنسان حياة ذات معنى وصحة ورفاهية. وقد اعتمدت في هذا العمل على بيانات دراسة الازدهار العالمية، التي وفرت معلومات واسعة من مشاركين حول العالم.

في الموجة الأولى من بيانات هذه الدراسة، شارك أكثر من 200 ألف شخص من 22 دولة مختلفة. وقد أظهرت النتائج أن نحو 75% من المشاركين أفادوا بأنهم “غالبًا” أو “دائمًا” يغفرون للأشخاص الذين تسببوا لهم بالأذى. ورغم أن هذه النسبة تبدو مرتفعة نسبيًا، فإنها تختلف من دولة إلى أخرى بشكل ملحوظ.

فعلى سبيل المثال، بلغت نسبة الأشخاص الذين يميلون إلى الغفران 41% في تركيا، بينما وصلت إلى 92% في نيجيريا. ويعكس هذا التفاوت الاختلافات الثقافية والاجتماعية التي قد تؤثر في كيفية فهم الناس للغفران وممارستهم له.

ومن النتائج اللافتة أيضًا أن الدول الأفريقية الخمس التي شملتها الدراسة – وهي مصر وكينيا ونيجيريا وجنوب أفريقيا وتنزانيا – جاءت جميعها ضمن أعلى ستة مراكز من حيث مستويات الغفران. ومع ذلك، ينبغي عدم تفسير هذه النتيجة على أنها تعني أن منطقة معينة “أفضل” في الغفران من غيرها، بل يمكن فهمها على أنها مؤشر إلى الدور المهم الذي يلعبه الغفران كقيمة إنسانية في العديد من المجتمعات الأفريقية.

كما تشير الاختلافات بين الدول إلى أن الغفران ليس مجرد سلوك فردي، بل يتأثر أيضًا بعوامل ثقافية واجتماعية ودينية. فبعض الثقافات تشجع بقوة على الحفاظ على الانسجام الاجتماعي والعلاقات الجماعية، وهو ما قد يعزز الميل إلى الغفران. كذلك تلعب التعاليم الدينية في كثير من المجتمعات دورًا مهمًا في توجيه الأفراد نحو التسامح والتعامل مع الأخطاء والظلم بطريقة متوازنة.

وفي تحليل علمي جديد اعتمد على بيانات من مرحلتين مختلفتين من دراسة الازدهار العالمية، جُمعت بينهما فترة تقارب عامًا واحدًا، حاول الباحثون الإجابة عن سؤال مهم: هل الأشخاص الذين يميلون إلى الغفران يتمتعون بقدر أكبر من الرفاهية لاحقًا؟

وقد أظهرت النتائج أن الأفراد الذين وصفوا أنفسهم بأنهم أكثر ميلًا إلى الغفران كانوا يميلون بعد عام إلى الإبلاغ عن مستويات أعلى من الرفاهية في العديد من المؤشرات المختلفة. وشملت هذه المؤشرات الصحة النفسية، والشعور بالهدف والمعنى في الحياة، والرضا عن العلاقات الاجتماعية، ومستوى الأمل والتفاؤل.

في الواقع، تدعم هذه النتائج ما توصلت إليه عقود طويلة من الأبحاث النفسية التي أشارت إلى وجود علاقة إيجابية بين الغفران والصحة النفسية. لكن ما يميز هذا التحليل الجديد هو نطاقه الواسع، إذ يشمل مشاركين من دول متعددة، إضافة إلى اعتماده على عدد كبير من مؤشرات الرفاهية التي بلغ عددها 56 مؤشرًا مختلفًا. وهذا يجعله واحدًا من أكثر الاختبارات شمولًا للعلاقة بين الغفران والازدهار الإنساني.

الغفران مهارة يمكن تنميتها

كثيرًا ما تجذبنا القصص الاستثنائية عن الغفران، خاصة عندما نقرأ في الأخبار عن أشخاص سامحوا من ارتكبوا بحقهم أفعالًا عنيفة أو مؤلمة للغاية. هذه القصص قد تبدو ملهمة ومؤثرة، لكنها ليست بالضرورة تجربة يعيشها الجميع.

فالواقع أن الغفران قد يكون صعبًا للغاية بالنسبة لكثير من الناس، خاصة عندما يكون الأذى عميقًا أو متكررًا. ومع ذلك، فإن الأخبار المشجعة التي تقدمها الأبحاث العلمية هي أن الغفران ليس صفة نادرة يمتلكها بعض الأشخاص فقط، بل هو مهارة يمكن تطويرها مع الوقت.

تشير الدراسات إلى أن الغفران يشبه إلى حد كبير العضلة؛ فكلما مارس الإنسان مهاراته المرتبطة بالتسامح والتعاطف والتفهم، أصبح أكثر قدرة على الغفران في المواقف المختلفة.

وفي إحدى الدراسات التجريبية الكبيرة التي أُجريت في عدة مواقع حول العالم، شارك أكثر من 4500 شخص من دول مثل كولومبيا وإندونيسيا وهونغ كونغ وجنوب أفريقيا وأوكرانيا. استخدم الباحثون في هذه الدراسة دفتر عمل خاص بالغفران يستغرق نحو ثلاث ساعات لإكماله.

تضمن هذا الدفتر مجموعة من الأنشطة والتمارين، مثل تمارين التأمل والتفكير، والكتابة التعبيرية، والمواد التعليمية التي تساعد المشاركين على معالجة تجربة أذى محددة والعمل تدريجيًا نحو الغفران.

وقد أظهرت نتائج الدراسة أن استخدام هذا الدفتر ساعد المشاركين على زيادة مستوى الغفران لديهم، كما ساهم في تقليل أعراض القلق والاكتئاب وتحسين مستوى الرفاهية العامة.

وبالرغم من أن بعض الحالات المعقدة قد تحتاج إلى دعم مهني من مختصين في الصحة النفسية، فإن هذه النتائج تشير إلى أن حتى التدخلات البسيطة نسبيًا يمكن أن تساعد كثيرًا من الأشخاص الذين يعانون من مشاعر أذى غير معالجة.

يعتمد هذا الدفتر على نموذج معروف في أبحاث الغفران يُسمى نموذج REACH للغفران، وهو نموذج تم اختباره في العديد من الدراسات العلمية. ومن المميزات المهمة لهذا البرنامج أنه متاح للتنزيل مجانًا، كما أنه متوفر بعدة لغات، مما يتيح لعدد أكبر من الناس استخدامه باللغة التي يشعرون بالراحة معها.

الغفران عملية نفسية تدريجية

في بعض الأحيان يقاوم الناس فكرة الغفران، لأنهم يعتقدون أن الغفران يعني تبرير الخطأ أو التغاضي عن الظلم أو التخلي عن حقهم في العدالة. وقد يخشى البعض أيضًا أن الغفران قد يؤدي إلى إعادة فتح علاقة غير آمنة أو مؤذية.

لكن في الواقع، الغفران لا يعني أيًا من ذلك.

فالغفران هو عملية نفسية داخلية تتضمن اختيار عدم السعي إلى الانتقام، والعمل على تحرير النفس من مشاعر الغضب والمرارة، والتوجه تدريجيًا نحو قدر أكبر من التعاطف أو التفهم تجاه الشخص الذي تسبب في الأذى.

تشير نتائج الموجة الأولى من دراسة الازدهار العالمية إلى أنه رغم أن غالبية الناس يميلون إلى الغفران، فإن حوالي 25% من المشاركين أفادوا بأنهم “نادرًا” أو “لم يغفروا أبدًا” للأشخاص الذين أساؤوا إليهم.

وتشير هذه النتائج إلى أهمية توفير موارد وأدوات تساعد الأشخاص الذين يرغبون في الغفران لكنهم يجدونه صعبًا. فمثل هذه الموارد قد تمكّن الأفراد من التعامل مع تجارب الأذى بطريقة صحية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على حدودهم الشخصية وسلامتهم.

وقد أُطلقت بالفعل بعض المبادرات العالمية التي تهدف إلى نشر ثقافة الغفران وتوفير الأدوات اللازمة لذلك، مثل حركة الغفران العالمية. ومع ذلك، فإن توسيع نطاق الوصول إلى هذه الموارد يتطلب تعاونًا بين العديد من الجهات، مثل الأنظمة الصحية، وأماكن العمل، والمدارس، والمؤسسات الدينية، والمنظمات المجتمعية.

ويصبح هذا الأمر أكثر أهمية في المجتمعات التي تكون فيها خدمات الصحة النفسية محدودة أو صعبة الوصول، حيث يمكن أن تلعب البرامج المجتمعية دورًا مهمًا في دعم الأفراد.

وفي النهاية، إذا استطعنا توسيع الفرص أمام الناس للتعرف إلى أدوات الغفران واستخدامها بطرق تحترم الاستقلالية الشخصية والسلامة والعدالة، فإن الفوائد قد لا تقتصر على الأفراد فقط، بل قد تمتد لتؤثر في المجتمعات بأكملها.

فحين يصبح الغفران خيارًا متاحًا وصحيًا للأفراد، قد تنتشر آثاره الإيجابية في العلاقات الإنسانية، مما يساهم في بناء عالم أكثر تعاطفًا وتفاهمًا وازدهارًا.

وهذا الاحتمال يدعونا جميعًا إلى التفكير في سؤال بسيط لكنه عميق:
كيف يمكن لكل واحد منا أن يساهم في جعل العالم مكانًا أكثر تسامحًا وإنسانية؟

المرجع 

Forgiveness isn’t always easy, but studies show it can help you flourish

https://theconversation.com/forgiveness-isnt-always-easy-but-studies-show-it-can-help-you-flourish-275868