الأبعاد السبعة لخدمات تحليل السلوك التطبيقي

اضطراب الهوية النمائية: حين يفقد الأطفال تصورهم عن ذواتهم

 

ترجمة: أ. سما خالد

 

مقدمة

الهوية ليست مسألة حصرية للمراهقين، بل تبدأ جذورها في الطفولة المبكرة وتتأثر بعوامل نمائية وبيئية ونفسية معقدة. بعض الأطفال قد يواجهون اضطرابًا في تشكّل الهوية، يُضعف قدرتهم على فهم أنفسهم، ورؤية دورهم في العالم، ويؤثر في علاقتهم بالآخرين. هذا ما يُعرف باضطراب الهوية النمائية، وهو اضطراب لا يزال تحت البحث، لكنه يظهر بوضوح لدى بعض الأطفال ذوي الاضطرابات النمائية العصبية مثل اضطراب طيف التوحد أو اضطرابات التعلق.

في هذه المقالة، نستعرض مفهوم اضطراب الهوية النمائية، علاقته بالتطور العصبي والسلوكي، علاماته المبكرة، وأبرز التدخلات العلاجية الممكنة.

أولًا: ما هو اضطراب الهوية النمائية؟

اضطراب الهوية النمائية هو حالة نفسية-نمائية يعاني فيها الأطفال من صعوبة في بناء مفهوم متماسك لذواتهم، ما يؤدي إلى مشكلات في اتخاذ القرار، وتحديد القيم، وبناء علاقات مستقرة. ينعكس هذا الاضطراب في نمط التفكير والانفعال والسلوك، وقد يترافق مع ضعف في تقدير الذات، أو تبدّل سريع في الأدوار والهوايات والانتماءات.

ثانيًا: كيف تتكوّن الهوية لدى الأطفال؟

تتشكّل الهوية في مراحل الطفولة المبكرة من خلال التفاعل بين العوامل التالية:

  • النمو العصبي: يشمل نضوج مناطق الدماغ المسؤولة عن التفكير الذاتي، كالقشرة الجبهية.

  • التفاعل الاجتماعي: من خلال الملاحظات، والمقارنات، وردود فعل البيئة المحيطة.

  • اللغة والتعبير: تمكّن الطفل من وصف مشاعره وتصوراته الذاتية.

  • التجارب الشعورية: كالنجاح، الفشل، التقبل، الرفض… كلها تؤثر في صورة الذات.

عندما تتعطّل هذه العوامل، يُصبح الطفل عرضة لتشوهات في الهوية قد تظهر في مراحل لاحقة بشكل اضطراب نفسي.

ثالثًا: الارتباط بالاضطرابات النمائية

يشير الباحثون إلى أن اضطراب الهوية النمائية لا يظهر غالبًا بشكل مستقل، بل يرتبط بحالات أخرى، منها:

1. اضطراب طيف التوحد (ASD):

  • الأطفال ذوو اضطراب طيف التوحد قد يواجهون صعوبات في فهم مشاعرهم أو التعبير عنها.

  • يفتقدون أحيانًا إلى مفهوم “الذات الاجتماعية”، ما يؤثر في تطور الهوية.

2. اضطرابات التعلق:

  • الأطفال الذين عاشوا تجارب فقد، إهمال، أو تبديل الرعاية قد يطورون هوية مشوشة وغير مستقرة.

  • يُلاحظ لديهم صعوبة في وصف أنفسهم أو معرفة ما يحبونه فعلًا.

3. اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه (ADHD):

  • بسبب الت impulsivity وتغير الاهتمامات، قد يظهر عند بعض الأطفال تبدّل سريع في الانتماء أو التوجهات الشخصية.

  • كذلك، ضعف التنظيم الذاتي يؤثر في بناء تصور ثابت للذات.

رابعًا: العلامات المبكرة لاضطراب الهوية عند الأطفال

قد تظهر ملامح اضطراب الهوية النمائية من خلال:

  • صعوبة في وصف الذات (الصفات، الميول، القيم).

  • محاكاة مفرطة للآخرين دون وعي بالذات.

  • تبدل مستمر في الأدوار أو التوجهات.

  • تناقض في السلوك بين بيئات مختلفة (المنزل، المدرسة).

  • مشاعر متكررة من “الفراغ الداخلي”.

  • حساسية مفرطة تجاه التقييم الخارجي أو الرفض.

خامسًا: كيف نتعامل مع اضطراب الهوية؟

مع أن اضطراب الهوية النمائية لا يرد حاليًا كتشخيص رسمي في DSM-5، إلا أن الأدبيات النفسية الحديثة تؤكد أهمية التدخل المبكر من خلال:

1. العلاج النفسي الديناميكي للأطفال:

يساعد الأطفال على اكتشاف مشاعرهم وتاريخهم الذاتي، وبناء سرد شخصي متماسك.

2. العلاج السلوكي المعرفي (CBT):

يدرب الأطفال على التعرف على أفكارهم السلبية عن الذات وتغييرها، وبناء هوية إيجابية مدعومة بالدليل.

3. العلاج بالفن والسرد:

تشجيع الأطفال على استخدام الرسم والكتابة والتعبير الرمزي لتكوين صورة أوضح عن الذات.

4. دعم الوالدين:

تعليم الأهل كيف يدعمون الهوية الناشئة لدى أطفالهم من خلال منح مساحة للتعبير، وتشجيع الخيارات، وتعزيز قيم التقبل الذاتي.

الخاتمة

اضطراب الهوية النمائية هو باب مهم لفهم كيف تؤثر الصدمات، والاضطرابات العصبية، والتجارب المبكرة على تصوّر الأطفال لذواتهم. وفي عالم متغير، يبقى دور الأهل والمختصين محوريًا في دعم رحلة بناء هوية صحية ومتوازنة لدى الأطفال. فهم الطفل لذاته هو اللبنة الأولى في صحته النفسية المستقبلية.

المراجع بصيغة APA:



American Psychiatric Association. (2022). Diagnostic and statistical manual of mental disorders (5th ed., text rev.; DSM-5-TR). Washington, DC: Author.
https://www.psychiatry.org/psychiatrists/practice/dsm

Cicchetti, D., & Toth, S. L. (2009). A developmental psychopathology perspective on adolescent identity. Development and Psychopathology, 21(2), 341–365.
https://doi.org/10.1017/S0954579409000195

Fonagy, P., & Allison, E. (2014). The role of mentalizing and epistemic trust in the therapeutic relationship. Psychotherapy, 51(3), 372–380.
https://doi.org/10.1037/a0036505

National Institute of Mental Health. (2018). Child and adolescent mental health.
https://www.nimh.nih.gov/health/topics/child-and-adolescent-mental-health

Steinberg, L. (2017). Adolescence (11th ed.). McGraw-Hill Education.
(كتاب متخصص في تطور الهوية خلال المراهقة مع إشارات للطفولة المبكرة)

Kroger, J. (2007). Identity development: Adolescence through adulthood (2nd ed.). Sage Publications.
(مرجع أساسي في فهم مراحل تطور الهوية بشكل نمائي)