الأبعاد السبعة لخدمات تحليل السلوك التطبيقي

الفترة الحرجة في نمو الدماغ: التعريف والأهمية

 

ترجمة: أ. نورة الدوسري

 

الفترة الحرجة في نمو الدماغ هي إطار زمني بالغ الأهمية ومحدد بدقة، يكون فيه الدماغ أكثر قابلية للتأثر بالمحفزات البيئية، ويمر خلاله بسلسلة من التغيرات السريعة.

هذه التغيرات تترك آثارًا تمتد مدى الحياة، إذ يتم خلال هذه الفترة تأسيس الروابط العصبية والمسارات الأساسية التي تؤدي دورًا محوريًا في التطور المعرفي والعاطفي والاجتماعي.

يتناول هذا المقال الخط الزمني لهذه الفترة، والأحداث المؤثرة خلالها، والنتائج المترتبة عليها، كما يستعرض الفرق بين الفترات الحرجة والفترات الحساسة، وما يحدث للدماغ بعد انتهاء الفترة الحرجة.

 

متى تبدأ الفترة الحرجة ومتى تنتهي؟

البداية الفعلية للفترة الحرجة تكون منذ لحظة التخصيب (الحمل). فالدماغ يبدأ في التشكل والتطور منذ اللحظة الأولى لتكوّن الجنين. خلال فترة الحمل، يكون دماغ الطفل قد بدأ بالفعل في تهيئة نفسه للعالم الخارجي، حيث يستعد لامتصاص كمية هائلة من المعلومات بعد الولادة.

السنوات الأولى من حياة الطفل

بمجرد ولادة الطفل، يدخل الدماغ في مرحلة نشاط متسارع. وتُعتبر السنوات الأولى من عمر الطفل – أي من الولادة وحتى حوالي سن الخامسة – جوهر الفترة الحرجة. ففي هذه المرحلة يكون الدماغ شديد الامتصاص، يلتقط المعلومات بسرعة كبيرة، وتُبنى خلالها أسس التعلم والذاكرة والسلوك.

خلال هذه السنوات، يتم تعلم ومعالجة كل شيء تقريبًا: من اللغة، إلى المهارات الحركية، وصولاً إلى الإشارات الاجتماعية والتفاعلات العاطفية.

ومع ذلك، يجب الانتباه إلى أن جوانب التعلم المختلفة تمتلك فترات حرجة متباينة. فعلى سبيل المثال، الفترة الحرجة لاكتساب اللغة تمتد إلى مرحلة المراهقة المبكرة. وهذا يعني أن الدماغ يكون في قمة استعداده لاكتساب اللغات خلال الطفولة المبكرة، لكنه يظل قادرًا نسبيًا على التعلم اللغوي حتى سن المراهقة.

في المقابل، بعض القدرات الحسية مثل البصر لها فترة حرجة أقصر بكثير. فالدماغ يكون أكثر استعدادًا لتطوير القدرات البصرية في السنوات الأولى، وبعدها يصبح من الصعب بدرجة كبيرة إحداث تحسينات أو تغييرات جذرية.

 

فرضية الفترة الحرجة – ماذا تقول؟

تنص هذه الفرضية على أن الدماغ يمتلك نافذة زمنية محددة يكون فيها استثنائيًا في قدرته على التعلم، وخاصة تعلم اللغات. هذه النافذة الزمنية يُطلق عليها اسم “الفترة الحرجة”.

الصغار يتعلمون أسرع من الكبار

عرّف عالم النفس العصبي إريك لينبرغ هذه الفرضية بعد ملاحظاته التي أظهرت أن الأطفال أكثر قدرة من البالغين على تعلم اللغات. فقد لاحظ أن صغار السن يكتسبون المهارات اللغوية بسرعة وسهولة مقارنة بالكبار، مما دفعه إلى القول إن هناك فترة زمنية محددة يصبح فيها الدماغ شديد الكفاءة في امتصاص اللغات.



مع التقدم في العمر يصبح التعلم أصعب

إذا شبّهنا الفترة الحرجة بنافذة مفتوحة على مصراعيها في الطفولة، فإن هذه النافذة تبدأ تدريجيًا بالانغلاق مع التقدم في العمر. ومع تضييقها، تقل قدرة الدماغ على امتصاص المعلومات واللغات بكفاءة.

لكن هذا لا يعني أن التعلم مستحيل لاحقًا؛ بل إن المقصود أن السهولة والسرعة والفاعلية التي يمتلكها الدماغ في الطفولة لا تبقى على حالها مع مرور الوقت.

 

ماذا يحدث للدماغ في الفترة الحرجة؟

خلال هذه المرحلة، يمر الدماغ بمرحلة نمو انفجاري. وفيما يلي بعض التغيرات المهمة:

تكوين الروابط العصبية (المشابك)

في البداية، تبدأ الخلايا العصبية بتكوين وصلات تُعرف بـ المشابك العصبية (Synapses). هذه المشابك بمثابة الجسور التي تسمح لأجزاء الدماغ المختلفة بالتواصل مع بعضها البعض. وخلال الفترة الحرجة، تُبنى هذه الجسور بوتيرة هائلة.

اللدونة العصبية وتقوية الروابط

عندما يتفاعل الطفل مع العالم، تُقوَّى بعض الروابط بينما تضعف أخرى. فإذا تعرض الطفل مثلًا لسماع الموسيقى بكثرة، فإن المناطق الدماغية المرتبطة بالصوت والموسيقى تُصبح أقوى. هذه العملية تُعرف باسم اللدونة العصبية (Neuroplasticity)، حيث يقوم الدماغ بتشكيل نفسه استجابة للتجارب.

 

الارتباط بمقدمي الرعاية

جانب أساسي آخر خلال هذه المرحلة هو تكوين الارتباط العاطفي مع مقدمي الرعاية (الأم، الأب، أو من يتولى الاهتمام بالطفل). هذه الروابط تعد حاسمة للنمو العاطفي، إذ تؤسس لثقة الطفل بعالمه. عندما يتلقى الرضيع استجابة دافئة وحنونة لاحتياجاته، فإنه يتعلم تكوين ارتباط آمن، مما يشكل قاعدة لعلاقات صحية مستقبلًا.

 

ماذا يحدث إذا لم يُمنح الطفل الانتباه الكافي؟

إذا لم يتلقَ الطفل الرعاية والتحفيز المطلوبين خلال الفترة الحرجة، فإن الدماغ لا يتطور بالشكل الأمثل. فقد لا تُبنى الروابط العصبية بالصورة الصحيحة، مما يؤدي إلى صعوبات لاحقة مثل:

  • ضعف تكوين العلاقات.

  • مشاكل عاطفية.

  • صعوبات تعليمية.

في المقابل، عندما يحظى الطفل بالرعاية الكافية، والتحفيز المناسب، والاهتمام العاطفي، فإن دماغه يزدهر، وتتكون الروابط بقوة وسرعة، مما يضع أساسًا متينًا للتعلم والقدرة على التنظيم الانفعالي وبناء العلاقات.



ما نوع الأحداث التي تؤثر في الدماغ خلال الفترة الحرجة؟

  • البيئة الغنية بالتحفيز: اللعب، الاستكشاف، القراءة، والتفاعل الاجتماعي الإيجابي كلها عوامل تُنشط الدماغ وتدعم نموه.

  • العلاقات الداعمة: وجود مقدمي رعاية داعمين يساهم بشكل كبير في التطور العصبي السليم.

  • التجارب السلبية (ACEs): مثل الإهمال، الإساءة، الصدمات، أو الضغوط الشديدة، كلها قد تعيق بناء الروابط العصبية وتؤدي إلى صعوبات معرفية وعاطفية وسلوكية لاحقًا.

بحسب ما يشير إليه الدكتور هارولد هونغ (طبيب نفسي معتمد)، فإن الإهمال أو الفقر أو سوء التغذية في السنوات الأولى يمكن أن يترك أثرًا مدمرًا على نمو الدماغ، بينما التغذية الجيدة والتحفيز والدعم الأسري يمكن أن يقي من تأخر النمو.

 

ما الفرق بين الفترات الحرجة والفترات الحساسة؟

  • الفترة الحرجة: نافذة زمنية ضيقة وحاسمة يجب خلالها حدوث نوع معين من النمو أو التعلم، وإلا يصبح تحقيقه لاحقًا بالغ الصعوبة.

  • الفترة الحساسة: مرحلة زمنية يكون خلالها الدماغ أكثر تقبلاً لأنواع معينة من التعلم، لكن فواتها لا يجعل التعلم مستحيلًا لاحقًا، بل فقط أصعب وأقل كفاءة.

 

على سبيل المثال:

  • هناك فترة حرجة لاكتساب النطق السليم للغة.

  • وهناك فترة حساسة لتعلم اللغات بشكل عام.

ماذا يحدث بعد انتهاء الفترة الحرجة؟

انتهاء الفترة الحرجة لا يعني توقف الدماغ عن النمو أو التعلم، بل يعني أن آلية التعلم تتغير.

  • الدماغ يصبح أكثر تخصصًا في المهارات التي اكتسبها سابقًا.

  • يظل الدماغ محتفظًا بدرجة من اللدونة العصبية لدى البالغين، لكنه أقل مرونة مقارنة بالطفولة.

  • يمكن للإنسان أن يواصل التعلم، مثل تعلم لغة جديدة أو اكتساب مهارة، لكن ذلك يتطلب جهدًا أكبر ووقتًا أطول.

ويشير بعض العلماء مثل الدكتور ريان سلطان (أستاذ الطب النفسي بجامعة كولومبيا) إلى أن الفترات الحرجة لا تُغلق بشكل محكم تمامًا، بل تُشبه الأبواب التي تُغلق دون أن تُقفل. أي أن الدماغ يظل قادرًا على التكيف بدرجة ما، وهذا ما يُعرف بـ ما وراء اللدونة (Metaplasticity).




المرجع : 

Critical Period in Brain Development: Definition, Importance: 

https://www.verywellmind.com/critical-period-in-brain-development-definition-importance-7556041