ترجمة: أ. نوره الدوسري
يعد الحزن تجربة إنسانية عميقة وشخصية للغاية، إلا أنّه كثيرًا ما يتسلّل إلى حياتنا المهنية دون استئذان، ويترك أثرًا سلبيًا على أدائنا الوظيفي، ومستوى انتباهنا، وقدرتنا على الانخراط في العمل. إنّ الموظفين الذين يمرّون بتجربة الفقد أثناء وجودهم في بيئة العمل، ولا سيّما ضمن مسيرتهم المهنية، يمكن أن يتلقّوا دعمًا كبيرًا يساعدهم على مواجهة هذه المرحلة الصعبة. وتُعدّ الخطوة الأولى، والأكثر أهمية، هي إدراك أنّ الحزن ليس علامة ضعف ولا مرضًا نفسيًا، بل هو استجابة إنسانية طبيعية لفقدان شخص كنّا نحبّه ونقدّره.
يمس الحزن كل فرد بطريقة مختلفة، وخلال هذه الفترات الحسّاسة، يمكن لدعم فريق متفهّم ومتعاطف أن يُحدث فارقًا حقيقيًا. ففي لحظات الفقد، قد تكون الأفعال الهادئة التي تعبّر عن التضامن، والحساسية الصادقة لمشاعر الآخرين، مصدرًا للراحة والدعم، في أوقات تعجز فيها الكلمات وحدها عن تقديم العزاء.
إتاحة المساحة للحزن في بيئة العمل
يجد بعض الأشخاص عزاءً وطمأنينة في طقوس شخصية بسيطة تساعدهم على البقاء على تواصل مع ذكريات أحبّتهم الراحلين. فقد شاركت إحدى الموظفات تجربتها، حيث أوضحت أنّ قيامها بنزهات منتظمة في إحدى الحدائق، التي كانت تقضي فيها وقتًا سابقًا مع جدّها، يتبادلان خلالها الأحاديث حول حبّهما المشترك للطعام والحيوانات والطبيعة، أصبح وسيلة لطيفة وهادئة لإحياء تلك الحوارات والذكريات العزيزة.
لا يُعدّ الحزن دليلًا على الضعف، بل هو شكل من أشكال الاحتفاظ بالحبّ والرعاية والمودّة التي نشعر بها تجاه من نحبّهم ونعتزّ بهم. كما أنّ الحزن ليس مرضًا يحتاج إلى علاج بحدّ ذاته، بل هو استجابة طبيعية للفقد والموت. ولا يأتي الحزن مصحوبًا بدليل إرشادي، أو جدول زمني محدّد، أو حدود واضحة يمكن التنبؤ بها.
قد تكون تجربة الحزن شديدة التأثير، وقد تؤدي إلى تداخل الحدود بين الحياة الشخصية والحياة المهنية. ولذلك، يصبح من الضروري الاعتراف بالحزن وإتاحة المساحة المناسبة له داخل بيئة العمل. فقد تناولت النماذج والفهمات التقليدية للحزن هذه التجربة من منظور مرضي وسريري صارم، حيث ساد الاعتقاد بأنّ الحزن حالة يجب “علاجها” أو “التعافي منها”، وغالبًا ما تمّ النظر إليه من زاوية فردية تركز على قدرة الشخص وحده على التكيّف مع الحزن.
إلا أنّ الحزن يتجاوز كونه تجربة فردية بحتة؛ فهو في كثير من الأحيان يتطلّب منظورًا علائقيًا وجماعيًا. فالعلاقة مع الأشخاص الذين فقدناهم لا تنتهي بوفاتهم، بل تستمر من خلال القصص التي نرويها، والحوارات التي نتذكّرها، والذكريات الجميلة، والتعلّم المشترك، والمذكّرات، والطقوس ذات المعنى، أو الممارسات الرمزية المرتبطة بمراحل الحياة. إنّ عملية الحزن قد تحتاج إلى مجتمع داعم يقدّم الرعاية والمساندة من الأصدقاء، وأفراد الأسرة، وكذلك من سياق العمل نفسه.
كيف يمكن للموظفين الوصول إلى الدعم أثناء التعامل مع الحزن؟
على الرغم من أنّ الحزن تجربة شخصية، فإنّ الوصول إلى الدعم داخل مكان العمل يمكن أن يكون عاملًا شافيًا وممكّنًا في آنٍ واحد. ويمكن للموظفين اتّخاذ عدّة خطوات للحصول على الرعاية والتفهّم في بيئة العمل.
الاعتراف بالحزن
يُعدّ الاعتراف بالحزن وإتاحة المساحة للمشاعر والتجارب المرتبطة به الخطوة الأولى في هذه الرحلة. فقد يظهر الحزن من خلال استجابات جسدية، أو عاطفية، أو معرفية، تختلف حدّتها من شخص إلى آخر.
وقد ينعكس الحزن في سياق العمل على شكل تغيّرات في مستوى الإنتاجية، أو القدرة على الوفاء بالالتزامات، أو العمليات المعرفية، أو حتى في المشاعر العامة التي يعيشها الموظف. ومن المهم أن يتحلّى الفرد باللطف تجاه نفسه، وألّا يجلد ذاته بسبب حزنه، وأن يسمح لنفسه بالوقت الكافي للحزن دون شعور بالذنب أو الخجل.
التواصل مع المدير وأعضاء الفريق
يمكن لمشاركة خبر الفقد مع المدير وزملاء العمل أن تساعدهم على تفهّم التجربة العاطفية التي يمرّ بها الموظف، وإتاحة مساحة مناسبة لمشاعره خلال هذه الفترة الصعبة.
كما قد يسهم هذا التواصل في تهيئة ترتيبات مرنة أو تسهيلات تتناسب مع احتياجات الموظف المفجوع. إنّ توفير المرونة فيما يتعلّق بعبء العمل أو الإجازات يمكن أن يكون وسيلة ذات معنى للدعم. كذلك، فإنّ الدعم العاطفي، والإصغاء المتعاطف، وتقاسم المسؤوليات مع أعضاء الفريق الآخرين، قد يخفّف من وطأة هذه المرحلة.
احترام وتيرة الحزن
لا تنطبق فكرة “حلّ واحد يناسب الجميع” على تجربة الحزن. فمن الضروري أن يعترف كل فرد بالشكل الذي يتّخذه الحزن في حياته، ونوع الدعم الذي قد يكون مفيدًا له ضمن سياق العمل.
إنّ التواصل الصريح والشفاف مع المدير حول المهام أو المشاريع التي يشعر الموظف بالاستعداد للقيام بها، أو تلك التي لا يشعر بالجاهزية لتحمّلها في الوقت الراهن، يمكن أن يكون خطوة بنّاءة. ويساعد ذلك على التخطيط الواقعي للدور الوظيفي ومستوى الانخراط في العمل خلال الأسابيع أو الأشهر التالية للفقد.
طلب الدعم والمساعدة المتخصصة
إنّ الوصول إلى الدعم وطلبه يُعدّ علامة على المرونة النفسية وليس العكس. ويمكن للموظف الذي يمرّ بالحزن أن يستفيد من دعم أفراد الأسرة، أو الأصدقاء، أو الجيران، أو الزملاء، أو مجموعات دعم الحزن، أو المجتمع بشكل عام.
كما أنّ التواصل مع أشخاص مرّوا بتجربة الفقد، أو يمرّون بها حاليًا، قد يوفّر شعورًا بالتآزر والتضامن، ويتيح تبادل طرق مفيدة للتكيّف مع الخسارة.
وفي الحالات التي يجد فيها الفرد صعوبة كبيرة في التعامل مع الحزن وتأثيراته على مجالات الحياة الأخرى، مثل العمل أو العلاقات الاجتماعية، يصبح من الضروري طلب المساعدة المهنية من خلال زيارة أخصائي نفسي أو طبيب نفسي موثوق.
أخذ فترات استراحة
وجد بعض الموظفين الذين يمرّون بالحزن أنّ أخذ فترات استراحة من العمل، أو خلاله، كان أمرًا مفيدًا لهم. ويمكن أن تشمل هذه الاستراحات أي نشاط يجد فيه الموظف قدرًا من الراحة أو الطمأنينة، مثل:
تناول وجبات صحية ومتكاملة
شرب كميات كافية من الماء
التوقّف لالتقاط الأنفاس
الخروج في نزهة قصيرة
التحدّث مع زميل في العمل
تمنح هذه الاستراحات الفرد لحظة يتيح فيها مساحة لمشاعره وتجربته وذكرياته، دون ضغط أو إنكار.
إحياء ذكرى الأحبّة والاحتفاء بحياتهم
إنّ تذكّر حياة الشخص الراحل والاحتفاء بها يمكن أن يساعد الفرد المفجوع على الاحتفاظ بالقصص والذكريات المشتركة، وتعزيز الروابط التي تكرّم حياة ذلك الشخص وإرثه.
كما أنّ الانخراط في طقوس شخصية أو تقاليد نابعة من القلب يتيح لتلك الروابط أن تستمر. ومن خلال هذه اللحظات، يمكن لصوت أحبّتنا وحضورهم المعنوي أن يظلّ حاضرًا في حياتنا اليومية.
مواجهة الحزن معًا في بيئة العمل
لا يمكن اختزال رحلة الحزن ضمن إطار زمني صارم أو نموذج موحّد ينطبق على الجميع. وكما عبّر كلّ من لورين هيدتك وجون وينسلاد عن ذلك بقولهم:
“لقد تمسّكنا بالاعتقاد بأنّ أفضل طريقة لعبور ألم الحزن لا تكمن في اتّباع نموذج جاهز، بل في صياغة استجاباتنا الخاصة.”
تُعدّ بيئة العمل مساحة أساسية يمكن من خلالها تمكين الموظفين من مواجهة الحزن بطريقة صحية وداعمة. ويمكن للمؤسسات أن تدعم الموظفين المفجوعين من خلال خلق مساحة للحوار المفتوح، وتقديم المرونة فيما يتعلّق بساعات العمل، وتشجيع فترات الاستراحة، وربط الأفراد بالموارد الداعمة المتاحة. إنّ هذه الممارسات تُظهر أنّ الحزن يُقابل بالرعاية والتفهّم، لا بالتجاهل أو الضغط.
إنّ الحزن جزء لا يتجزّأ من التجربة الإنسانية. ومع الدعم، والصبر، والتفهّم، يمكن لعبء الحزن أن يصبح أخفّ وطأة، حتى في الأماكن التي نعمل فيها، ونسعى من خلالها، ونتواصل وننمو معًا.
المرجع
Coping with Grief: How Can Employees Access Support?
https://www.shyrohealth.com/resources/article/coping-with-grief-how-can-employees-access-support





