ترجمة : أ. نوره الدوسري
تُعدّ الاضطرابات النفسية من أبرز التحديات الصحية التي تواجه المجتمعات حول العالم، لما لها من تأثير مباشر على جودة الحياة والأداء اليومي للأفراد. وتشمل هذه الاضطرابات حالات مثل الاكتئاب، والقلق، والضغوط النفسية، والتي قد تؤدي إلى تدهور الصحة العامة إذا لم يتم التعامل معها بشكل مبكر وفعّال. وفي المجتمع السعودي، تبرز هذه المشكلة بشكل خاص لدى الرجال، حيث تتداخل العوامل الثقافية والاجتماعية لتؤثر على طريقة فهمهم للصحة النفسية وتعاملهم معها.
في هذا السياق، هدفت دراسة حديثة إلى التعرف على مدى انتشار الاكتئاب والقلق والضغط النفسي بين الرجال في المملكة العربية السعودية، بالإضافة إلى قياس مستوى ما يُعرف بـ”الوصمة الذاتية”، أي شعور الفرد بالخجل أو النقص بسبب معاناته النفسية. كما سعت الدراسة إلى فهم العلاقة بين هذه الحالات النفسية وبعض الخصائص الاجتماعية مثل العمر، والحالة الاجتماعية، والدخل.
ما المقصود بالاضطرابات النفسية؟
تُعرّف الاضطرابات النفسية بأنها تغيّرات ملحوظة في التفكير أو المشاعر أو السلوك، تؤدي إلى صعوبة في أداء المهام اليومية أو التفاعل مع الآخرين. فالاكتئاب، على سبيل المثال، يتمثل في الشعور المستمر بالحزن وفقدان الاهتمام بالأشياء، إضافة إلى اضطرابات في النوم أو الشهية. أما القلق، فيظهر على شكل خوف مفرط وتوتر دائم قد يعيق حياة الفرد. بينما يُعد الضغط النفسي استجابة طبيعية للتحديات، لكنه يصبح مشكلة عندما يستمر لفترات طويلة ويؤثر سلبًا على الصحة الجسدية والنفسية.
واقع الصحة النفسية بين الرجال في السعودية
أظهرت نتائج الدراسة أن نسب انتشار هذه الاضطرابات بين الرجال مرتفعة نسبيًا. حيث تبيّن أن حوالي نصف المشاركين يعانون من أعراض الاكتئاب، ونسبة مشابهة تعاني من القلق، بينما يعاني أكثر من ثلثهم من الضغوط النفسية. هذه الأرقام تعكس وجود عبء نفسي ملحوظ، خاصة إذا أخذنا في الاعتبار أن بعض الأفراد قد لا يصرّحون بمعاناتهم بسبب الخجل أو الخوف من نظرة المجتمع.
ومن الملاحظ أن المجتمع السعودي، مثل العديد من المجتمعات، يضع توقعات معينة على الرجال، مثل ضرورة التحمل وعدم إظهار الضعف. هذه التوقعات قد تجعل الرجل يتردد في طلب المساعدة النفسية، ويشعر بأن الاعتراف بالمشكلة يُعد ضعفًا، مما يؤدي إلى تفاقم الحالة.
ما هي الوصمة الذاتية؟ ولماذا تُعد خطيرة؟
الوصمة الذاتية هي شعور داخلي سلبي يتبناه الفرد تجاه نفسه بسبب معاناته من مشكلة نفسية. وقد يظهر هذا الشعور على شكل خجل، أو لوم الذات، أو الإحساس بعدم الكفاءة، أو تجنب طلب المساعدة. وتشير الدراسة إلى أن أكثر من نصف المشاركين يعانون من هذا النوع من الوصمة.
تكمن خطورة الوصمة الذاتية في أنها لا تقتصر على الشعور فقط، بل تؤثر بشكل مباشر على السلوك. فالشخص الذي يشعر بالخجل من حالته قد يرفض الذهاب إلى مختص، أو يخفي معاناته عن أسرته، مما يؤدي إلى تأخر العلاج وتدهور الحالة. كما قد تؤدي هذه المشاعر إلى العزلة الاجتماعية وفقدان الفرص الوظيفية، وفي بعض الحالات قد ترتبط بأفكار إيذاء النفس.
العلاقة بين شدة الأعراض والوصمة الذاتية
من النتائج اللافتة في الدراسة وجود علاقة بين شدة الأعراض النفسية ومستوى الوصمة الذاتية. حيث تبيّن أن الأفراد الذين يعانون من مستويات أعلى من الاكتئاب أو القلق أو الضغط النفسي، يكون لديهم مستوى أعلى من الوصمة الذاتية. بمعنى آخر، كلما زادت معاناة الشخص، زاد شعوره بالخجل أو اللوم تجاه نفسه.
كما أظهرت النتائج أن الحالة الاجتماعية تلعب دورًا مهمًا، حيث كان الأشخاص المتزوجون أقل شعورًا بالوصمة مقارنة بغيرهم. وقد يُفسّر ذلك بوجود دعم اجتماعي وعاطفي من الشريك، مما يساعد على التخفيف من المشاعر السلبية.
عوامل أخرى مرتبطة بالصحة النفسية
شملت الدراسة أيضًا مجموعة من العوامل الأخرى مثل مكان السكن، والتدخين، ومؤشر كتلة الجسم. ورغم أن بعض هذه العوامل لم يظهر ارتباط قوي مع الوصمة الذاتية، إلا أن الإقامة في المدن كانت مرتبطة بدرجة معينة بانخفاض مستوى الشعور الإيجابي تجاه الذات. كما أن نسبة من المشاركين كانوا من المدخنين، وهو عامل قد يرتبط أحيانًا بمحاولات التعامل مع التوتر.
أهمية التوعية والتدخل المبكر
تشير نتائج هذه الدراسة إلى ضرورة تعزيز الوعي بالصحة النفسية، خاصة بين الرجال، وتغيير المفاهيم الخاطئة المرتبطة بطلب المساعدة. فالصحة النفسية لا تقل أهمية عن الصحة الجسدية، والاعتراف بالمشكلة هو الخطوة الأولى نحو العلاج.
من المهم أيضًا توفير خدمات نفسية ميسّرة وسرية، بحيث يشعر الأفراد بالأمان عند طلب الدعم. كما يمكن أن تلعب حملات التوعية دورًا كبيرًا في تقليل الوصمة، من خلال نشر معلومات صحيحة وتشجيع الحوار المفتوح حول هذه القضايا.
دور المجتمع والأسرة
لا يقتصر التعامل مع هذه المشكلة على الفرد فقط، بل يشمل الأسرة والمجتمع ككل. فالدعم الأسري يُعد عاملًا أساسيًا في تحسين الحالة النفسية، حيث يساعد الفرد على التعبير عن مشاعره دون خوف من الحكم عليه. كما أن المؤسسات التعليمية والدينية يمكن أن تساهم في نشر ثقافة تقبل الصحة النفسية والتعامل معها بشكل إيجابي.
خلاصة
تكشف هذه الدراسة عن واقع مهم يتعلق بالصحة النفسية للرجال في المملكة العربية السعودية، حيث تنتشر حالات الاكتئاب والقلق والضغط النفسي بنسب ملحوظة، وتترافق مع مستويات عالية من الوصمة الذاتية. هذه النتائج تسلط الضوء على الحاجة الملحّة لتطوير برامج توعوية وخدمات علاجية تراعي الخصوصية الثقافية، وتستهدف تقليل الوصمة وتشجيع الأفراد على طلب المساعدة.
إن تحسين الصحة النفسية لا يتحقق فقط من خلال العلاج، بل يبدأ بتغيير طريقة التفكير والنظر إلى هذه القضايا، سواء على مستوى الفرد أو المجتمع. وكلما زاد الوعي، زادت فرص الوقاية والتعافي، وتحسّنت جودة الحياة بشكل عام.
المرجع
Common Mental Health Conditions and Self-Stigma Among Saudi Male Adults: Implications for Promotion and Intervention https://pmc.ncbi.nlm.nih.gov/articles/PMC12569501/





