ترجمة: أ. رزان بن دهر
“أنا فاشل.”
“لا أستطيع حتى إنجاز أبسط المهام.”
“أي شخص طبيعي يمكنه القيام بهذا بسهولة.”
هذه بعض الجمل التي أسمعها كثيرًا من عملائي المشخصين باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه، ولمساعدتهم على رؤية أنفسهم بالطريقة التي أراهم بها وعلى إدراك كل الجوانب التي ينجحون فيها أستخدم تقنية علاجية تُعرف بـ إعادة الهيكلة المعرفية.
ما المقصود بإعادة الهيكلة المعرفية؟
إعادة الهيكلة المعرفية هي من الأساليب الأساسية في العلاج السلوكي المعرفي (CBT) تقوم هذه المقاربة العلاجية على فكرة أن أفكارنا ومعتقداتنا تشكل مشاعرنا، وهذه المشاعر تؤثر بدورها في سلوكياتنا، بمعنى آخر، عندما نؤمن بأفكار سلبية عن أنفسنا، نشعر بالسوء ونفقد القدرة على التصرف بطريقة تساعدنا على التعامل مع ADHD بشكل جيد، إعادة الهيكلة المعرفية ببساطة تعني: “غيّر طريقة تفكيرك.”
كيف نغيّر طريقة تفكيرنا؟ يمكنك البدء بمحاولة تبنّي أفكار معاكسة لتلك السلبية، مثل: “أنا شخص ناجح.” “أنا قادر على تحقيق ما أطمح إليه.” “أنا طبيعي مثل غيري.” مثل هذه العبارات التحفيزية لها دور في تعزيز التفكير الإيجابي، لكنها في الغالب تصطدم بصوت داخلي ساخر يقول: “آه طبعًا، كلام جميل!”
نصيحة لإعادة الهيكلة المعرفية رقم 1: ابحث عن منظور مختلف
أحد أساليب تغيير طريقة تفكيرك هو أن تسعى بوعي لرؤية الأمور من منظور مختلف، اسأل نفسك: “هل هناك طريقة أخرى لفهم ما يحدث؟” رجل قابلته ذات مرة في حفلة قال لي: “كل الناس لديهم مشاكل، كلهم.” بالطبع، جادلته (فنحن الأشخاص المشخصين بـ ADHD بارعون في الجدال!) لكنني لم أستطع أن أذكر له شخصًا واحدًا لا يعاني من مشكلة ما، ومنذ ذلك الحين أصبحت هذه العبارة إحدى الشعارات التي أكررها لنفسي عندما أشعر بالإحباط، إنها تذكرني أنني لست وحدي، وأنني لست ضحية.
يمكنك أيضًا استخدام ما يُعرف بـجمع الأدلة، وهي من الأدوات الأساسية في العلاج السلوكي المعرفي، فكّر في جميع المواقف التي نجحتَ فيها، والتي لم تفشل خلالها، كلما استحضرت المزيد من الأمثلة، زاد اقتناعك بأن فكرة “أنا أفشل في كل شيء” غير صحيحة، ستبدأ تدريجيًا في تصديق أنك تحقق النجاح أحيانًا.
نصيحة لإعادة الهيكلة المعرفية رقم 2: استخدم الاستعارات
استخدام الاستعارات في العلاج السلوكي المعرفي هو أسلوب أحبّه بشكل خاص — وقد أثبت فعاليته مع عملائي، الدكتور آرون تي. بيك، مؤسس العلاج السلوكي المعرفي، شجّع على استخدام الاستعارة منذ بدايات هذا النهج العلاجي، لقد اعتبرها وسيلة قوية لتوليد طرق بديلة للتفكير،الاستعارة ببساطة تأخذ مفهوماً مألوفًا وتُسقِطه على شيء أكثر تعقيدًا أو غموضًا، بطريقة حيّة ولا تُنسى، والاستعارة الجيدة قادرة على تغيير زاوية الرؤية بالكامل — فبمجرد أن تراها، لا يمكنك أن “لا تراها” مجددًا.
لكي تكون الاستعارة فعالة من الناحية العلاجية، ينبغي أن تكون مبنية على نقاط القوة، يمكنك مثلاً تشبيه اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه برمال متحركة، لكن هذا النوع من التشبيه من المحتمل أن يجعلك تشعر بأنك عالق، ما تحتاجه هو استعارة تفتح لك أفقًا جديدًا وتمنحك طريقة إيجابية للنظر إلى الموقف.
الدكتور إدوارد هالويل، أحد أبرز الخبراء في ADHD والمؤلف المشارك للكتاب الشهير Driven to Distraction، يشبّه ADHD بامتلاك دماغ سيارة سباق ومكابح دراجة هوائية، فهو يشرح لمَن تم تشخيصهم حديثًا أن أدمغتهم قوية جدًا، وقادرة على “الفوز بالسباقات” — أي النجاح في الحياة — لكنها مزودة بمكابح ضعيفة، فلا يمكنها التوقف بسهولة؛ ولهذا فإنهم يتصرفون باندفاع في كثير من المواقف، ويصف نفسه بـ”أخصائي المكابح”.
نصيحة لإعادة الهيكلة المعرفية رقم 3: أعد صياغة مفهوم التشتت
أحب أن أشارك عملائي بـ”استعارة ثقّالات الأوراق” (Paperweight Metaphor)، تخيل أنك وزميل لك قررتما الذهاب إلى الحديقة لإنجاز بعض العمل، كل منكما جلس على طاولة نزهة ونشر أوراقه (لا وجود للإلكترونيات في هذه الاستعارة) رتبت أوراقك في أكوام منظمة، ثم نظرت إلى زميلك ولاحظت أنه فعل الشيء نفسه، لكنّه وضع ثقّالة على كل كومة من أوراقه.
فكرت: “يا لها من فكرة عبقرية!” لكنك لا تملك أي ثقّالات، تهب الرياح وتطير أوراقك، زميلك يرفع رأسه للحظة، يبتسم للنسيم، ثم يعود للعمل، بينما أوراقه ثابتة في مكانها، أما أنت، فعليك أن تجري خلف أوراقك وتجمعها وبعد جهد، تنجح في ترتيبها مجددًا وتبدأ بالعمل، لكن الريح تهب مرة أخرى، وتعود إلى مطاردة الأوراق، لأنك لا تملك ثقّالات.
أنت وزميلك ذكيان بنفس القدر، موهوبان بنفس القدر، لكنه ينجز أكثر منك لأنه لا يتأثر بالرياح — أي عوامل التشتت، أنت لست أقل قيمة لمجرد أنك لم تولد ومعك “ثقّالات أوراق” مثل 95٪ من الناس.
نصيحة لإعادة الهيكلة المعرفية رقم 4: تأكد من أن مفتاح التشغيل لديك لم يُطفأ
استعارة أخرى أحب أن أستخدمها مع عملائي المشخصين باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه هي الدائرة الكهربائية والمفتاح، كل شخص، سواء كان عصبيًا نموذجيًا أو لا، يمكن تشبيهه بدائرة كهربائية بسيطة، تمر الطاقة عبر هذه الدائرة وتُشغّل شيئًا ما — مثل المصباح الكهربائي، كل دائرة لها مفتاح تشغيل إذا قمت بتشغيل المفتاح، يضيء المصباح وإذا أطفأته، تنطفئ الإضاءة، عند الأشخاص المشخصين بـADHD، التيار قوي مثل أي شخص آخر، والمصباح يضيء بنفس الشدة، لكن المشكلة أن المفتاح غير ثابت — قد ينطفئ من تلقاء نفسه عندما نتعرض للتشتت أو الإرهاق، وينطفئ معه النور.
ولذلك علينا أن نراقب المفتاح دائمًا، ونكون مستعدين لإعادة تشغيله، وهذا يعني أننا بحاجة دائمة لتطبيق استراتيجيات التأقلم دون تهاون: تنظيم الحياة، نوم جيد، تغذية صحية، ممارسة الرياضة — هذه هي العوامل التي تُبقي المفتاح في وضع التشغيل، قد يبدو من غير العادل أن بعض الناس لديهم مفاتيح أكثر استقرارًا، لكن في النهاية، هي مجرد مسألة مفتاح، دائرتنا الأساسية — أي جوهر قدراتنا — سليمة تمامًا، وهذه هي الفكرة الأساسية التي أحرص على أن يدركها عملائي.
من خلال الاستعارات، يمكننا الانتقال من التفكير بـ “من البديهي أنني (أدخل هنا معتقدًا سلبيًا عن نفسك)” إلى القدرة على تحدي هذا الافتراض، وخلق مساحة للأمل، الاستعارة تساعدنا على فهم المشكلة بشكل أوضح، نخرج من تلك الحالة المظلمة التي نشعر فيها بالوحدة وسوء الفهم، ونصل إلى لحظة إدراك: “آه، الآن أصبحت الأمور مفهومة.”
ميزة أخرى رائعة للاستعارات في العلاج النفسي هي أنها تجعل ما يُقال في الجلسة أسهل في التذكّر، فالرسائل والمعلومات التي ترتبط بصور ذهنية حية يكون احتمال تذكّرها أعلى بكثير.
بعض العملاء يستخدمون الاستعارات لمساعدة المعالج على فهم تجربتهم بالكامل، فهي تُستخدم لوصف شعور، أو فكرة، أو معتقد يصعب التعبير عنه بجمل مباشرة، هذا الفهم المشترك يُحسّن العلاقة بين العميل والمعالج، ويُقوّي التعاون العلاجي، والاستعارات التي تأتي من العميل نفسه عادةً ما تتردد صداها داخله بشكل أعمق، لذا أشجعهم دائمًا على استخدامها.
أحيانًا، أثناء الجلسات، أجد نفسي والعميل نتبادل استعارة ما ونتوسع فيها مع كل لحظة وضوح، نبدأ باستخدامها كنوع من الاختزال اللغوي المفهوم بيننا: “ماذا حدث لمفتاح التشغيل لديك؟” “ما الشيء الذي ستستخدمه كثقالة للأوراق هذه المرة؟” أو “ها هي مكابح الدراجة تتعطل من جديد.” مجتمع الأشخاص المشخصين بـADHD غالبًا ما يشعر بأنه غير مفهوم، لكن الاستعارات المشتركة تُشعرهم بأنهم مفهومون، ومقبولون، وذو قيمة.
المرجع:
How Cognitive Restructuring Reframes Failure and Erases ADHD Self-Doubt
https://www.additudemag.com/cognitive-restructuring-adhd-cbt-negative-thinking/





