الأبعاد السبعة لخدمات تحليل السلوك التطبيقي

المرونة المعرفية ودورها في خفض السلوكيات الصعبة لدى الأطفال ذوي الاضطرابات النمائية

 

ترجمة: أ. سما خالد

 

تُعد المرونة المعرفية من أهم الوظائف التنفيذية التي تمكّن الأطفال من تعديل أفكارهم واستجاباتهم وفقًا لتغيّر المواقف والظروف. وهي مهارة أساسية تسمح بالانتقال السلس بين الأنشطة، وتقبّل التغييرات غير المتوقعة، والتعامل مع المواقف الجديدة دون تصاعد انفعالي. لدى الأطفال المشخّصين باضطرابات نمائية، تمثل هذه المهارة تحديًا محوريًا ينعكس مباشرة على سلوكهم اليومي، وعلى قدرتهم في التفاعل الاجتماعي، والتعلم، وتحمل الإحباط، والتكيف مع البيئة المحيطة.

عندما تضعف المرونة المعرفية، يصبح الروتين الصارم ضرورة نفسية تمنح شعورًا بالأمان. وأي تغيير بسيط في التسلسل المعتاد للأحداث قد يثير قلقًا شديدًا يظهر على شكل صراخ، رفض، سلوكيات عدوانية، أو انسحاب مفاجئ. هذه الاستجابات لا تعبّر عن عناد بقدر ما تعبّر عن عجز حقيقي في إعادة تنظيم الأفكار بسرعة لمواكبة التغيير.

تظهر آثار ضعف المرونة المعرفية في تفاصيل الحياة اليومية، مثل تغيير مكان الجلوس، تبديل نوع الطعام، تأخر موعد نشاط مفضل، أو الانتقال من نشاط محبب إلى نشاط مطلوب. هذه التغييرات تمثل عبئًا معرفيًا وانفعاليًا، لأن الأطفال يحتاجون وقتًا أطول لإعادة ترتيب توقعاتهم الذهنية. لذلك، فإن كثيرًا من السلوكيات الصعبة ترتبط بمواقف انتقالية تتطلب مرونة معرفية عالية.

من منظور علم النفس العصبي، ترتبط المرونة المعرفية بوظائف الفص الجبهي المسؤول عن التخطيط والتنظيم وضبط الاستجابات. وتشير الأدلة إلى أن الأطفال المشخّصين باضطرابات نمائية يواجهون تحديات في هذه الوظائف التنفيذية، مما يفسر الميل إلى التكرار، والتمسك بالروتين، وصعوبة الانتقال بين المهام. وعندما يُطلب منهم التغيير دون تمهيد، يدخل الجهاز العصبي في حالة إنذار تؤدي إلى تصاعد سلوكي.

في سياق تحليل السلوك التطبيقي، يمكن فهم هذه السلوكيات من خلال وظيفتها؛ إذ قد يظهر الرفض أو الصراخ كوسيلة للهروب من موقف يتطلب مرونة معرفية لا يمتلكها الأطفال بعد. هذا الفهم يوجّه التدخل نحو تعليم المهارة المفقودة بدلًا من محاولة إيقاف السلوك بالقوة، مما يجعل التدخل أكثر إنسانية وفعالية.

بناء المرونة المعرفية لا يعني التخلي عن الروتين، بل يعني تدريب الأطفال على تحمّل تغييرات بسيطة بصورة تدريجية. يبدأ التدريب بإدخال تغييرات يمكن التنبؤ بها، مع تقديم تمهيد بصري ولفظي يتيح الاستعداد الذهني. فعلى سبيل المثال، يمكن تبديل ترتيب نشاطين مألوفين مع استخدام جدول مصور يوضح التغيير مسبقًا.

تلعب الوسائل البصرية دورًا مهمًا في دعم هذه المهارة، مثل الجداول المصورة، وبطاقات “تغيير الخطة”، والمؤقتات الزمنية. هذه الأدوات تساعد الأطفال على رؤية التغيير بشكل ملموس، مما يقلل من شدته الانفعالية. وعندما يصبح التغيير مرئيًا ومتوقعًا، تزداد القدرة على تقبّله.

كما أن تعليم مهارات التنظيم الانفعالي يتكامل مع تنمية المرونة المعرفية. فالأطفال الذين يتعلمون استراتيجيات التهدئة الذاتية، مثل التنفس العميق أو الضغط الحسي أو الجلوس في زاوية هادئة، يصبحون أكثر قدرة على تحمل التغيير. التنظيم الانفعالي هنا يعمل كجسر يسمح بحدوث المرونة المعرفية دون انهيار.

تظهر أهمية المرونة المعرفية بوضوح في البيئة التعليمية، حيث تتطلب المدرسة انتقالات متكررة بين الأنشطة، وتغييرات في الجداول، وتفاعلات اجتماعية غير متوقعة. الأطفال الذين يفتقرون إلى هذه المهارة يواجهون صعوبات في التكيف المدرسي، مما ينعكس على سلوكهم وتحصيلهم الأكاديمي. دعم هذه المهارة يسهم مباشرة في تحسين التكيف داخل الصف.

تلعب الأسر دورًا محوريًا في تنمية المرونة المعرفية من خلال ممارسات يومية بسيطة، مثل إدخال تغييرات صغيرة في الروتين، وتدريب الأطفال على تقبّل البدائل، وعدم الاستجابة الفورية لكل رغبة بهدف منع الانزعاج. هذه الممارسات، عندما تُطبق تدريجيًا، تبني قدرة حقيقية على التكيف.

من المهم تجنب المفاجآت غير الضرورية، لأن الهدف ليس تعريض الأطفال للضغط، بل تدريبهم على التكيف بأمان. التمهيد المسبق للتغييرات، واستخدام عبارات واضحة، وتقديم وقت كافٍ للانتقال، كلها عوامل تقلل من احتمال التصاعد السلوكي. طريقة تقديم التغيير قد تكون أهم من التغيير نفسه.

تُظهر الخبرة الإكلينيكية أن كثيرًا من السلوكيات التكرارية ترتبط بمحاولة خلق بيئة يمكن التنبؤ بها. وعندما تنمو المرونة المعرفية، يقل الاعتماد على هذه السلوكيات بوصفها وسيلة للشعور بالأمان. هذا يفسر انخفاض بعض السلوكيات تلقائيًا مع تحسن القدرة على التكيف.

تعزيز مهارات حل المشكلات يسهم أيضًا في تطوير المرونة المعرفية. فعندما يتعلم الأطفال التفكير في أكثر من حل للموقف، يصبحون أقل تعلقًا بخيار واحد. يمكن تدريبهم على ذلك من خلال اللعب الموجّه، والقصص الاجتماعية، والمواقف التمثيلية التي تعرض بدائل متعددة.

إن فهم العلاقة بين المرونة المعرفية والسلوكيات الصعبة يغير طريقة التدخل بالكامل. فبدلًا من التركيز على ضبط السلوك الظاهر، يتم العمل على المهارة العميقة التي تقف خلفه. هذا النوع من التدخل يكون أكثر استدامة لأنه يعالج السبب لا العرض.

كما أن التعاون بين الأخصائيين والأسر ضروري لضمان تعميم هذه المهارة في مختلف البيئات. عندما تُستخدم نفس الاستراتيجيات في المنزل والمدرسة، يصبح التعلم أكثر ثباتًا، ويزداد شعور الأطفال بالأمان عبر السياقات المختلفة.

تدريب الأطفال على تقبّل الخطأ والتجربة يعزز المرونة المعرفية أيضًا. فالأطفال الذين يُسمح لهم بالمحاولة دون خوف من الفشل يصبحون أكثر استعدادًا لتجربة بدائل جديدة. هذا المناخ الداعم يقلل من التمسك الصارم بطريقة واحدة.

في الختام، تبرز المرونة المعرفية كعنصر محوري لفهم السلوكيات اليومية للأطفال المشخّصين باضطرابات نمائية، إذ تُعد مفتاحًا لتعزيز التكيف والحد من التصاعد السلوكي في مواقف الحياة المتغيرة. إن ضعف هذه المهارة يؤدي إلى تمسك صارم بالروتين، وصعوبة في التعامل مع التغيير، مما يزيد من احتمالية ظهور السلوكيات الصعبة مثل العدوانية أو الانسحاب المفاجئ. ومن منظور علم النفس العصبي وعلم السلوك التطبيقي، يصبح واضحًا أن هذه السلوكيات ليست مجرد عناد، بل هي انعكاس لحاجات معرفية وانفعالية غير مُلبّاة، تُستدعى الحاجة للتدخل المهاري بدلًا من العقاب أو السيطرة.

إن تعزيز المرونة المعرفية يتطلب نهجًا متعدد المستويات يشمل البيئة التعليمية والأسرة، ويستند إلى استراتيجيات تدريجية تتيح إدخال تغييرات متوقعة مع دعم بصري وانفعالي مستمر. كما أن تدريب الأطفال على التنظيم الانفعالي، وحل المشكلات، وتجربة البدائل المختلفة، يعزز قدرتهم على التعامل مع المواقف الجديدة بثقة وأمان. بالتالي، يصبح التركيز على تنمية هذه المهارات العميقة هو السبيل الأكثر فاعلية لاستدامة التكيف، وتحسين الأداء الاجتماعي والتعليمي، والحد من السلوكيات الصعبة. وفي النهاية، تُؤكّد الأدلة والخبرة الإكلينيكية أن المرونة المعرفية ليست مجرد مهارة، بل حجر أساس لتمكين الأطفال المشخّصين باضطرابات نمائية من عيش حياة أكثر توازنًا واستقلالية.





المراجع:

 

Diamond, A. (2013). Executive functions. Annual Review of Psychology, 64, 135–168. https://doi.org/10.1146/annurev-psych-113011-143750

  • يناقش دور المرونة المعرفية ووظائف الفص الجبهي في تنظيم السلوك والتكيف.

Gioia, G. A., Isquith, P. K., Guy, S. C., & Kenworthy, L. (2000). Behavior Rating Inventory of Executive Function (BRIEF). Psychological Assessment Resources.

  • أداة تقييم توضح صعوبات الأطفال في المرونة المعرفية ووظائف تنفيذية أخرى.

Landa, R. J., & Kalb, L. G. (2012). Long-term outcomes of toddlers with autism spectrum disorders: Early predictors of social, cognitive, and adaptive functioning. Journal of Autism and Developmental Disorders, 42(12), 2620–2630. https://doi.org/10.1007/s10803-012-1551-6

  • يربط بين مهارات المرونة المعرفية والتكيف اليومي لدى الأطفال المشخّصين باضطرابات نمائية.

Leaf, R., McEachin, J., & Taubman, M. (2017). Applied behavior analysis: Beyond discrete trial teaching. Behavior Analysis in Practice, 10, 1–12. https://doi.org/10.1007/s40617-016-0151-3

  • يوضح كيف يمكن لتحليل السلوك التطبيقي دعم المرونة المعرفية وتقليل السلوكيات الصعبة.

Kenworthy, L., Yerys, B. E., Anthony, L. G., & Wallace, G. L. (2008). Understanding executive control in autism spectrum disorders in the lab and in the real world. Neuropsychology Review, 18, 320–338. https://doi.org/10.1007/s11065-008-9077-7

  • يوضح العلاقة بين ضعف المرونة المعرفية والسلوكيات التكيفية والاجتماعية للأطفال المشخّصين باضطرابات نمائية.