الأبعاد السبعة لخدمات تحليل السلوك التطبيقي

السلوك هو وسيلة تواصل

 

ترجمة: أ. نوره الدوسري

مقدمة

يُعد السلوك الإنساني أحد أهم وسائل التواصل، سواء كان هذا التواصل لفظيًا أو غير لفظي. فكل سلوك يصدر عن الفرد يحمل في طياته رسالة ما، حتى وإن لم يكن الشخص واعيًا بذلك. الأطفال، على وجه الخصوص، يعتمدون على السلوك كوسيلة أساسية للتعبير عن احتياجاتهم، مشاعرهم، وصعوباتهم، خاصة في المواقف التي يعجزون فيها عن التعبير اللفظي. من هذا المنطلق، فإن فهم السلوك بوصفه لغة تواصل يساعد الأهل، الأخصائيين، والمعلمين على الاستجابة للأطفال بشكل أكثر إنسانية وفاعلية.

كل سلوك هو شكل من أشكال التواصل

جميع البشر يتواصلون من خلال السلوك. فالرضيع قد يبكي عندما يشعر بالجوع أو الانزعاج، تمامًا كما قد يتثاءب الشخص البالغ عندما يشعر بالملل في مكان العمل. وخلال كل لحظة من اليوم، يعبّر الأطفال والبالغون عن شيء ما من خلال سلوكهم، سواء أدركوا ذلك أم لا. وعندما يظهر الطفل سلوكًا يُنظر إليه على أنه غير مناسب أو صعب، فإن هذا السلوك غالبًا ما يكون مؤشرًا على وجود ضيق أو احتياج غير مُلبّى.

يوجد دائمًا سبب وراء كل سلوك

السلوك لا يحدث من فراغ، بل توجد دائمًا أسباب تقف خلفه. قد يواجه الأطفال صعوبة في التواصل اللفظي، إما لعدم امتلاكهم المهارات اللغوية الكافية، أو لعدم قدرتهم على وصف ما يشعرون به أو ما يحتاجون إليه في موقف معين. في مثل هذه الحالات، يلجأ الأطفال إلى التعبير عن احتياجاتهم أو مشاعرهم من خلال السلوك. قد يكون الهدف من السلوك هو الحصول على الانتباه، أو الهروب من نشاط غير مفضل، أو تلبية احتياجات حسية معينة. لكن في جميع الأحوال، يوجد سبب واضح أو خفي يقف وراء السلوك.

تعدد الأسباب وراء السلوك الواحد

قد يحمل السلوك الواحد عدة دلالات مختلفة. فالأطفال الذين يُظهرون سلوكيات صعبة يبعثون برسالة مفادها أن شيئًا ما ليس على ما يرام، أو أن احتياجاتهم لم تُلبَّ بعد. قد يكون السبب شعور الطفل بالجوع، الخوف، الألم، التعب، الملل، الحزن أو الغضب. بعض الأطفال قد يُظهرون سلوكيات تبدو تخريبية لأنهم يستمتعون بالإحساس الجسدي الناتج عنها، مثل نزع الخيوط من الملابس. وفي حالات أخرى، قد يشعر الطفل بعدم الأمان أو بفقدان السيطرة، فيحاول فرض السيطرة على الأمور التي يستطيع التحكم بها، مثل دفع الآخرين أو ركلهم.

عندما يحاول الطفل مرارًا إيصال احتياجاته للبالغين دون أن يتم الاستجابة له، فإنه قد يلجأ إلى السلوكيات الصعبة كوسيلة لإيصال رسالة قوية وواضحة.

دور البالغين في فهم السلوكيات الصعبة

يمكن للبالغين تعلم كيفية فهم وتفسير السلوكيات الصعبة لدى الأطفال. وبما أن الأطفال يستخدمون السلوك للتعبير عن احتياجاتهم، فإن مسؤولية البالغين تكمن في البحث عن المعنى الكامن خلف السلوك، بدل التركيز على السلوك الظاهري فقط. جميع الأطفال، وخاصة الأطفال المشخّصين باضطراب طيف التوحد أو ذوي الإعاقة، يحتاجون إلى وجود بالغ داعم، متسق، وموثوق، يقدم لهم التوجيه والمساندة، لا سيما في الأوقات الصعبة.



تقليل السلوكيات الصعبة من خلال الدعم لا العقاب

عندما يفهم البالغون ما الذي يحاول الطفل التعبير عنه من خلال سلوكه، يصبح بإمكانهم الاستجابة بطريقة أفضل وأكثر فاعلية. وعندما يشعر الأطفال بالاحترام ويتم تلبية احتياجاتهم، تقل الحاجة لاستخدام السلوكيات الصعبة كوسيلة للتواصل. إن معاقبة الطفل قد توقف السلوك مؤقتًا، لكنها لا تعلّمه بدائل إيجابية ولا توفر له الدعم اللازم للتعامل مع المواقف الصعبة. أما عندما يتم تعليم الأطفال طرقًا إيجابية للتعبير عن احتياجاتهم، فإنهم يكتسبون مهارات اجتماعية ومهارات حل المشكلات التي تفيدهم على المدى الطويل.

السلوك مرتبط بالسياق

السلوك لا يقتصر على ما يفعله الفرد فقط، بل يتأثر بتفاعل عدة عوامل، مثل خصائص الشخص، الموقف الذي يمر به، البيئة المحيطة، والأشخاص الموجودين من حوله. لذلك، فإن فهم السلوك يتطلب النظر إلى ما هو أبعد من المظاهر السطحية. من المهم التأكيد على أن الصعوبات الكامنة قد تسهم في ظهور السلوكيات الصعبة، إلا أن هذه السلوكيات ليست سمة جوهرية بحد ذاتها للاختلافات النمائية العصبية.

للسلوك هدف ووظيفة

السلوك وسيلة تواصل تحمل رسالة ذات مغزى، ودائمًا ما يكون له هدف. وغالبًا ما يُنظر إلى بعض السلوكيات على أنها صعبة في إدارتها، إلا أنها لا تصدر لأن الطفل يتعمد الإزعاج أو الصعوبة. في معظم الأحيان، تشير السلوكيات الصعبة إلى أن الطفل غير قادر على التكيف مع الموقف الحالي أو التعبير عن مشاعره بطريقة نمطية. وغالبًا ما تنشأ هذه السلوكيات نتيجة عدم التوازن بين متطلبات الموقف ومهارات الطفل، إضافة إلى تأثير المشاعر، والخبرات السابقة، وما يحدث في البيئة المحيطة في تلك اللحظة.

 

السلوكيات الصعبة ولماذا تُسمى كذلك

تُسمى هذه السلوكيات بالصعبة لأنها تشكل تحديًا للأشخاص الداعمين للطفل، مثل الوالدين، المعلمين، والأخصائيين، لفهم أسبابها الحقيقية. وتُعرف أحيانًا باسم “سلوكيات مثيرة للقلق”، خاصة عندما تؤثر على جودة حياة الطفل أو تشكل خطرًا عليه أو على الآخرين. وغالبًا ما يكون للسلوكيات الصعبة وظائف اساسية: الحصول على شيء ما، أو الهروب من شيء ما، مثل نشاط، شخص، إحساس حسي، أو طلب الانتباه.

أهمية استبعاد الألم أو المرض

من الضروري دائمًا التأكد من عدم وجود ألم أو مرض قد يكون سببًا مفاجئًا لظهور السلوكيات الصعبة. فلو شعر شخص بالغ بألم مفاجئ أثناء إجراء طبي ولم يكن قادرًا على استخدام الكلمات، فمن الطبيعي أن يستخدم السلوك للتعبير عن ذلك، مثل التململ أو الانسحاب. وينطبق الأمر ذاته على الأطفال.

معلومات موجهة للمدارس

في البيئة المدرسية، قد يظهر الطلاب سلوكيات مثل مقاطعة الحديث في الصف، الدفع أثناء الوقوف في الطابور، أو الانسحاب بوضع الرأس على الطاولة. هذه السلوكيات تحمل رسائل مهمة حول احتياجات الطالب. غالبًا ما تشير هذه السلوكيات إلى أن الطالب يفتقر إلى المهارات اللازمة للتعبير عما يحتاجه، أو أنه لا يدرك احتياجاته بشكل واضح.

الاستجابة للطالب لا للسلوك

من المفيد إعادة صياغة التفكير من خلال التركيز على الاستجابة للطالب ذاته، وليس فقط للسلوك. فالطلاب يأتون إلى الصف بخبرات حياتية مختلفة. بعضهم، مثل الأطفال المشخّصين باضطراب طيف التوحد أو ذوي الإعاقة، قد تكون لديهم تجارب سلبية سابقة مع المدرسة. وآخرون قد ينتمون إلى ثقافات لا تشجع التعبير العلني عن الاحتياجات. أخذ هذه العوامل في الاعتبار يساعد المعلمين على تقديم استجابات داعمة بدل ردود فعل عقابية.

فهم وظيفة السلوك (EATS)

يُعد تحديد وظيفة السلوك خطوة أساسية في اختيار الاستجابة المناسبة. وتشير بعض الأدبيات التربوية إلى تصنيف وظائف السلوك ضمن أربعة محاور رئيسية:

  • الهروب: استخدام السلوك لتجنب مهمة أو موقف صعب.

  • الانتباه: السعي للحصول على انتباه الآخرين.

  • الحصول على شيء ملموس: الرغبة في الحصول على غرض أو نتيجة فورية.

  • الاحتياجات الحسية: محاولة تنظيم المدخلات الحسية.

فهم هذه الوظائف يمكّن المعلمين والأخصائيين من تصميم تدخلات داعمة تساعد الطفل على التعبير عن احتياجاته بطرق إيجابية ومناسبة.

الخاتمة

إن النظر إلى السلوك على أنه وسيلة تواصل يغير جذريًا طريقة تعاملنا مع الأطفال، ويعزز من قدرتنا على دعمهم بفعالية. فبدل التركيز على إيقاف السلوك، يصبح الهدف هو فهم الرسالة الكامنة خلفه، وتوفير البيئة الداعمة التي تمكّن الطفل من التعلم، النمو، والتواصل الإيجابي.

المرجع

Behaviour Is Communication

https://parentcarerscornwall.org.uk/behaviour-is-communication/