ترجمة: أ. رزان بن دهر
هل المواد الكيميائية هي السبب الحقيقي لاضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه؟
بحسب مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها (CDC)، ارتفعت حالات التشخيص باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه بنسبة 43٪ بين عامي 2003 و2011، ويُقدّر أن نحو 15٪ من الأطفال في الولايات المتحدة لديهن إعاقة نمائية، وتشير الأبحاث إلى أن هذه الأرقام في تزايد مستمر، كما ارتفعت نسبة الإصابة باضطراب طيف التوحد بنسبة 119٪ منذ عام 2000، ورغم أن هذا الارتفاع يعود جزئيًا إلى زيادة الوعي بالأعراض وتحسّن أدوات التشخيص، إلا أن الدراسات التي تأخذ هذه العوامل بالحسبان تشير إلى وجود أسباب أخرى، مثل التعرض للمواد الكيميائية والتفاعل بين العوامل الجينية والبيئية.
تشير الأبحاث العلمية إلى أن التعرض للمواد الكيميائية السامة — وهي سموم موجودة في حياتنا اليومية، مثل تلك الموجودة في الأطعمة، والسجاد والأرضيات، ومنتجات التنظيف والعناية بالحدائق، وحتى في مستحضرات العناية الشخصية مثل معجون الأسنان — قد اساهم بشكل كبير في اضطرابات مثل ADHD، وطيف التوحد، وصعوبات التعلم، يكون الرضع والأطفال أكثر عرضة لتأثير هذه السموم، لأن أجهزتهم البيولوجية لا تزال في طور النمو، وخلال فترة الحمل، قد يؤدي التعرض حتى لكميات صغيرة جدًا من هذه المواد في لحظات حرجة من نمو الجنين إلى تأثيرات دائمة على صحة الدماغ والجسم، وعندما تتداخل هذه السموم مع تطور الدماغ، قد تظهر اضطرابات عصبية مثل اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه.
في عام 2010، أصدرت مبادرة الإعاقات النمائية والتعلمية (LDDI) أول تقرير من نوعه يسلّط الضوء على التلوث الكيميائي السام داخل أجسام أشخاص من ذوي الإعاقات التعلمية والنمائية، تحت عنوان: “العقل، في خطر: كيف يمكن للمواد الكيميائية السامة أن تؤثر على طريقة تفكيرنا وهويتنا”، وقد كنتُ واحدة من المشاركين في هذا التقرير.
كيف تؤثر السموم على نمو الدماغ
قبل أن أخبركم عن “الخليط الكيميائي” الذي وُجد في جسمي أود أن أشرح أولاً كيف تعيق السموم اليومية التطور الطبيعي للدماغ، يحدث الجزء الأكثر أهمية في نمو الدماغ خلال الثلث الأول من الحمل — وهي المرحلة التي تتكون فيها البنية الخلوية والروابط بين الخلايا العصبية، وهذه عملية معقدة، تتحكم فيها الجينات ومواد كيميائية تُعرف بالهرمونات العصبية (neuro-endocrines). تلعب هرمونات الغدة الدرقية، التي تُفرز بكميات دقيقة وفي أوقات محددة بحسب الشيفرة الجينية لكل فرد، دورًا بالغ الأهمية في هذه العملية، ولهذا السبب، نجد أن بعض الأفراد المشخصين باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه لديهم تاريخ عائلي أو وراثي مع هذا الاضطراب، أما أولئك الذين لا يملكون تاريخًا عائليًا، فقد تظهر لديهم نفس أنماط الخلل في الدماغ نتيجة لتعرضهم لسموم تعطل النظام العصبي-الهرموني.
ووفقًا للجمعية الهرمونية (Endocrine Society)، فإن “أنظمة النواقل العصبية العديدة — مثل الدوبامين، والنورإبينفرين، والسيروتونين، والغلوتامات، وغيرها — حساسة جدًا لأي خلل هرموني، فحتى الجرعات الصغيرة من المواد المسببة لاختلال الغدد الصماء (endocrine disruptors) يمكن أن تسبب تأثيرات خفية أو خطيرة على النظام الهرموني البشري، والذي يُعد من أكثر الأنظمة حساسية في الجسم.” وتقول الدكتورة ثيو كولبورن، المؤلفة المشاركة في كتاب “مستقبلنا المسروق” (Our Stolen Future): “إن نظام الغدد الصماء دقيق للغاية لدرجة أن التغيرات في الهرمونات بمقدار جزء من عشرة تريليونات من الغرام يمكن أن تؤثر على بيئة الرحم، وهذا يعادل في صغره ثانية واحدة خلال 3619 قرنًا.”
ما هي السموم التي قد تختبئ داخل جسم الأشخاص المشخصين باضطراب ADHD؟
منذ عام، وافقت على المشاركة في دراسة وطنية أجرتها مبادرة الإعاقات النمائية والتعلمية، والتي هدفت إلى قياس مستويات السموم البيئية عند أشخاص “طبيعيين”، تم أخذ عينات من الدم والبول للتحقق من وجود مواد كيميائية صناعية معينة ومعادن ثقيلة، قبل أن أستلم نتائج التحاليل، كنت أعتقد أن الأشخاص الذين يعيشون قرب مكب نفايات سامة أو في منازل تحتوي على طلاء أساسه الرصاص هم الوحيدون المعرضون لهذه السموم، لكنني كنت مخطئة، فأنت لست بحاجة للعيش بجوار موقع نفايات سامة لتتعرّض لمواد كيميائية تضر بالدماغ، على سبيل المثال:
- المركبات البيرفلورية (PFCs): تُستخدم لمنع التصاق الطعام والمواد الأخرى بالسجاد والستائر وأواني الطهي، من أمثلتها مواد تيفال (Teflon) وسكوتشغارد (Scotchgard).
- الإيثرات ثنائية الفينيل متعددة البروم (PBDEs): تُستخدم كمثبطات للاشتعال، وتوجد في الملابس، والأثاث، وبياضات الأسرّة.
- التريكلوسان: مادة مضادة للبكتيريا تُستخدم في الصابون ومعجون الأسنان، وفي العديد من منتجات العناية الشخصية.
- بيسفينول A (BPA): راتنج إيبوكسي يُستخدم لتبطين علب الطعام وغيرها من الحاويات، ويُستخدم أيضًا في صناعة العبوات البلاستيكية مثل زجاجات الأطفال وبعض أنواع الورق.
- الفثالات (Phthalates): تُستخدم لجعل المواد المطاطية أكثر ليونة ومرونة، توجد في الفينيل، وزجاجات البلاستيك، والألعاب، وستائر الحمام، والمعاطف الواقية من المطر، كما تُستخدم أيضًا في صناعة منتجات العناية الشخصية، ومعطرات الجو، والشامبو.
أجرت مبادرة الإعاقات النمائية والتعلمية فحوصات للكشف عن 89 مادة سامة، ووجدت 61 منها في عدد من المشاركين، جميع المشاركين، بمن فيهم أنا، كانت نتائجهم إيجابية لوجود ما لا يقل عن 26 مادة كيميائية، أما أنا، فكانت لدي مستويات أعلى من الحد المقبول من مركبات PBDEs (الموجودة في مثبطات الاشتعال)، والتريكلوسان (الموجود في الصابون ومنتجات العناية الشخصية الأخرى). كما أظهرت التحاليل وجود نسب مرتفعة من المبيدات العضوية نتيجة للمواد الكيميائية التي تُرش على حديقة منزلي، بالإضافة إلى المركبات البيرفلورية (PFCs) — وهي مواد تُستخدم لجعل البيض لا يلتصق بمقلاة الطهي.
وتدعّم هذه النتائج دراسة نُشرت عام 2015 أجرتها جامعة كالغاري، ربطت بين المواد الكيميائية المستخدمة في صناعة البلاستيك (BPA وBPS) وزيادة النشاط الحركي في أسماك الزرد (zebrafish)، وهي كائنات تُستخدم كثيرًا في دراسة نمو الدماغ الجنيني، لأنها تشترك مع الإنسان في 80٪ من الجينات، كما أن عمليات النمو لديها مشابهة لتلك التي تحدث لدى البشر، وقد وصف الباحثون نتائجهم بأنها “دليل قاطع” يربط بين التغيرات السلبية في نمو الدماغ والتعرض لمادتي BPA وBPS.
بالطبع، يُعتبر التعرض للرصاص أيضًا أحد العوامل التي قد تؤدي إلى اضطراب ADHD، وذلك بحسب دراسة نُشرت عام 2015 في مجلة Psychological Science، لكن الباحثين أوضحوا أن التعرض للرصاص ليس السبب الوحيد لأعراض اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه، بل هو أحد العوامل البيئية التي قد تسهم في تشخيص الحالة، كما أن وجود الرصاص في الجسم لا يعني بالضرورة أن يؤدي إلى اضطراب ADHD، لكنه قد يعطي الأطباء خيطًا يساعدهم في فهم أصل الأعراض التي يعاني منها الطفل.
كيف تقلل من تعرضك للمواد الكيميائية والسموم الخطرة
بعد أن صُدمت من عدد المواد الكيميائية التي ظهرت في التحليل، قررت أن أبدأ في تقليل تعرضي لها، كان بإمكاني الاستغناء عن شركة العناية بالحديقة والتعايش مع الأعشاب الضارة، وكان بإمكاني شراء طعام عضوي، واستخدام معاجين أسنان خالية من المواد الكيميائية، لكن سرعان ما أدركت أن هذه التغييرات تتطلب جهدًا وتكلفة.
المرجع:
Are Everyday Toxins Causing ADHD?
https://www.additudemag.com/toxins-causing-adhd/





