ترجمة : أ. نوره الدوسري
يُعدّ الشعور ببعض القلق في بداية العلاقات العاطفية أمرًا طبيعيًا وشائعًا. فالإحساس بما يُعرف بـ”الفراشات” في البطن عند التعرف على شخص جديد يعكس مزيجًا من الحماس والترقّب، خاصة عندما يتساءل الفرد عمّا إذا كان الإعجاب متبادلًا. هذا التداخل بين المشاعر الإيجابية والتوتر الخفيف يُعتبر جزءًا طبيعيًا من مرحلة التعارف الأولى، بل وقد يُضفي نوعًا من الإثارة على التجربة.
ومع ذلك، فإن استمرار القلق بعد تجاوز مرحلة البدايات قد يشير إلى وجود عوامل أعمق تستحق التأمل. في كثير من الأحيان، يميل الأفراد إلى لوم أنفسهم على هذا القلق، معتقدين أنه ناتج عن انعدام الثقة بالنفس أو عن نمط تعلّق غير آمن. لكن الحقيقة أن هذا التفسير ليس دقيقًا دائمًا، إذ قد يكون القلق في العلاقة انعكاسًا لعوامل خارجية، وليس بالضرورة نتيجة خلل داخلي في شخصية الفرد.
من المهم إدراك أن وجود بعض جوانب عدم الأمان لدى الإنسان هو أمر طبيعي. فكل إنسان لديه نقاط ضعف أو جوانب يشعر تجاهها بعدم الارتياح. والأهم من ذلك هو وعي الفرد بهذه الجوانب وقدرته على الاعتراف بها والتعامل معها بشكل صحي. فالشخص الذي يُدرك عيوبه ويتقبلها غالبًا ما يكون أكثر وعيًا بذاته، وأكثر قدرة على التطور والنمو. على سبيل المثال، قد تشعر إحدى السيدات بالحرج بسبب صعوبات مالية تمر بها، لكنها تبادر بمصارحة شريكها الجديد بذلك، وتخبره بأنها بدأت بالفعل باتخاذ خطوات عملية لتحسين وضعها، مثل الاستعانة بمستشار مالي. في هذه الحالة، يُظهر الشريك تفهّمًا ودعمًا، مما يعزز الثقة المتبادلة ويقوي العلاقة.
في المقابل، قد يستخدم بعض الأشخاص نقاط ضعفهم كذريعة لتبرير سلوكيات غير صحية أو مؤذية داخل العلاقة. فعلى سبيل المثال، قد تقول إحدى الشريكات لشريكها إنها تعاني من مشاكل في الثقة بسبب تجربة خيانة سابقة، وتبرر بذلك تصرفات مثل التجسس عليه أو مراقبته بشكل مفرط. هذا النوع من السلوك يُعدّ مؤشرًا مقلقًا، إذ يتم فيه استخدام الألم السابق لتبرير التعدي على حدود الآخر. ومن الضروري التمييز هنا بين تحمّل المسؤولية عن المشاعر والسلوكيات، وبين التهرب منها عبر لعب دور الضحية.
من جهة أخرى، قد يتساءل البعض عمّا إذا كان نمط التعلّق لديهم هو السبب في شعورهم بالقلق داخل العلاقة. فالأشخاص الذين يجدون صعوبة في الثقة بالآخرين، حتى عندما يكون الشريك جديرًا بالثقة، أو الذين يميلون إلى ردود فعل دفاعية مفرطة، قد يكون لديهم نمط تعلّق غير آمن. ومع ذلك، فإن فهم أنماط التعلّق ليس أمرًا بسيطًا، ويتطلب تأملًا في تجارب العلاقات المختلفة.
إذا لاحظ الفرد أنه يختبر مشاعر معقدة مثل الندم، والتعاطف، والوعي بالذات، والقدرة على الاعتراف بالأخطاء، والعمل على إصلاحها، فإن ذلك يُعد مؤشرًا إيجابيًا على تمتعه بقاعدة عاطفية مستقرة، وغالبًا ما يكون مرتبطًا بنمط تعلّق آمن. فالأشخاص الذين يمتلكون هذه الصفات يكونون أكثر قدرة على بناء علاقات صحية، قائمة على الاحترام والتفاهم.
بناءً على ذلك، إذا كان الفرد واعيًا بجوانب عدم الأمان لديه، ويتمتع بنمط تعلّق آمن، ومع ذلك يشعر بقلق مستمر في العلاقة، فقد يكون السبب مرتبطًا بطبيعة الشريك. فالشريك غير المتاح عاطفيًا يُعد أحد أبرز العوامل التي قد تؤدي إلى هذا النوع من القلق. وغالبًا ما يفتقر هذا النوع من الشركاء إلى التعاطف والاهتمام بمشاعر الطرف الآخر، وقد يقوم بتصرفات تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تترك أثرًا عاطفيًا عميقًا.
الأمر لا يتوقف عند التصرفات غير الحساسة فقط، بل قد يتفاقم عندما يرفض الشريك تحمّل مسؤولية أفعاله، ويقوم بدلًا من ذلك بإلقاء اللوم على الطرف الآخر، واتهامه بالمبالغة أو الحساسية الزائدة. هذا النمط من التفاعل قد يدفع الفرد إلى التشكيك في مشاعره، والشعور بالذنب أو الخجل بسبب ردود أفعاله، مما يزيد من حدة القلق.
لنأخذ مثالًا توضيحيًا: تقوم إحدى الشريكات بإرسال رسالة إلى شريكها في الصباح، لكنه لا يرد لساعات طويلة. تبدأ مشاعر القلق بالتسلل إليها، وتحاول في البداية تهدئة نفسها من خلال إيجاد تفسيرات منطقية لغيابه. لكنها مع مرور الوقت، وعدم تلقي رد، تشعر بتصاعد القلق، وتبدأ بالتشكيك في مكانتها لديه. وعندما تكتشف لاحقًا أنه كان يقضي وقته في نزهة أو مشاهدة مباراة دون أن يدعوها، تشعر بصدمة وألم عاطفي.
وعندما تواجهه، قد يرد بطريقة تقلل من مشاعرها، ويصفها بأنها “حساسة أكثر من اللازم”، دون أن يُظهر أي تعاطف أو اعتراف بخطئه. في هذه الحالة، لا يكون القلق ناتجًا عن ضعف داخلي لدى الشريكة، بل هو استجابة طبيعية لسلوك غير متوازن من الشريك.
إن الشريك الذي يفتقر إلى الوعي الذاتي، والتعاطف، وتحمل المسؤولية، يكون أكثر عرضة لتكرار السلوكيات المؤذية. وهذا بدوره يُبقي الطرف الآخر في حالة ترقّب وقلق دائم، خوفًا من التعرض للأذى مرة أخرى. ومع الوقت، قد يبدأ هذا الشخص في فقدان ثقته بنفسه، والتشكيك في تقديره لذاته، خاصة إذا استمر في تلقي رسائل تقلل من مشاعره.
لذلك، من الضروري أن يقوم الفرد بتقييم علاقته بشكل موضوعي، وأن يسأل نفسه: هل أتصرف بنفس الوعي والمسؤولية في علاقاتي الأخرى؟ هل أُظهر التعاطف وأتحمل أخطائي؟ إذا كانت الإجابة نعم، فقد لا يكون هو مصدر المشكلة. بل قد يكون القلق الذي يشعر به إشارة مهمة إلى أن العلاقة الحالية غير صحية.
البقاء في علاقة مع شريك غير متاح عاطفيًا لا يؤدي فقط إلى زيادة القلق، بل قد يؤثر سلبًا على صورة الفرد عن نفسه، ويُضعف إحساسه بقيمته. ومع مرور الوقت، قد تتفاقم هذه التأثيرات وتؤدي إلى تدهور الصحة النفسية.
من هنا، تبرز أهمية المواجهة الصادقة مع الشريك، وتقييم مدى استعداده لتحمّل المسؤولية والعمل على تحسين سلوكياته. فإذا كان الشريك يمتلك الدافعية الحقيقية للتغيير، فقد يكون من الممكن تطوير العلاقة. أما إذا استمر في إنكار المشكلة وإلقاء اللوم على الطرف الآخر، فقد يكون من الضروري إعادة النظر في استمرار هذه العلاقة.
في النهاية، يجب على الفرد ألا يضحي براحة باله أو صحته النفسية أو إحساسه بذاته من أجل الحفاظ على علاقة غير متوازنة. فالقلق في العلاقات ليس دائمًا علامة على ضعف داخلي، بل قد يكون رسالة تنبيه تدعو إلى التوقف والتأمل، واتخاذ القرار الذي يحفظ الكرامة والسلام النفسي.
المرجع
Relationship Anxiety, Insecurity, and Attachment





