الأبعاد السبعة لخدمات تحليل السلوك التطبيقي

تأثير العمر والجنس على إيذاء النفس غير الانتحاري وعلاقته بالضيق النفسي

 

ترجمة : أ. نوره الدوسري 

 

يُعد إيذاء النفس غير الانتحاري من القضايا المهمة في الصحة النفسية العامة، خصوصًا بين فئة المراهقين والشباب. ويُقصد به تعمّد الشخص إلحاق الأذى بجسده دون وجود نية حقيقية لإنهاء حياته. ورغم أن هذا السلوك قد يمنح شعورًا مؤقتًا بالارتياح أو تخفيف المشاعر السلبية، إلا أنه يرتبط بمخاطر طويلة المدى مثل الندوب الجسدية، والشعور بالذنب والخجل، وزيادة احتمالية الإصابة باضطرابات نفسية مستقبلًا أو محاولة الانتحار.

 

تشير الدراسات المجتمعية إلى أن نسبة انتشار إيذاء النفس غير الانتحاري بين المراهقين تتراوح تقريبًا بين 18% و25% خلال حياتهم. وتتنوع الدوافع وراء هذا السلوك، إلا أن أكثرها شيوعًا يتمثل في محاولة تقليل المشاعر السلبية الشديدة، أو معاقبة الذات، أو التعبير عن الضيق للآخرين، أو محاولة التأثير في سلوكهم. وغالبًا ما يحدث هذا السلوك في لحظات يبلغ فيها الضيق النفسي ذروته.

 

لطالما وُجد اعتقاد شائع بأن هذا السلوك أكثر انتشارًا لدى الإناث مقارنة بالذكور. إلا أن نتائج الدراسات السابقة لم تكن متفقة تمامًا؛ فبعضها وجد فروقًا واضحة لصالح الإناث، بينما لم يجد البعض الآخر فروقًا تُذكر بين الجنسين. وقد يعود هذا التباين إلى اختلاف طرق القياس أو تعريف إيذاء النفس، إضافة إلى اختلاف الأساليب المستخدمة بين الذكور والإناث. فالإناث قد يمِلن أكثر إلى جرح الجلد أو خدشه، في حين قد يستخدم الذكور أساليب مثل الضرب أو الحرق، مما قد يؤدي إلى تقليل تقدير انتشار السلوك لدى الذكور إذا لم تُدرج جميع الأساليب ضمن التعريف.

 

أما من ناحية العمر، فتشير الأدلة إلى أن إيذاء النفس غير الانتحاري يزداد تدريجيًا في بدايات المراهقة، ويبلغ ذروته في منتصفها، ثم يبدأ في الانخفاض مع التقدم نحو مرحلة الرشد. ويُحتمل أن يرتبط الارتفاع في سنوات المراهقة المبكرة بالتغيرات الهرمونية المرتبطة بالبلوغ، وزيادة الحساسية الانفعالية، وارتفاع معدلات الضيق النفسي. كما أن هذا السلوك قد يكون “معديًا” اجتماعيًا، إذ يمكن أن يتأثر المراهقون بسلوك أقرانهم. في المقابل، قد يُعزى الانخفاض في أواخر المراهقة وبداية الرشد إلى نضج الدماغ، خاصة المناطق المسؤولة عن التنظيم الانفعالي وضبط الاندفاع.

 

في دراسة مجتمعية واسعة شملت 2368 شابًا وشابة تتراوح أعمارهم بين 14 و25 عامًا، تم فحص العلاقة بين العمر والجنس وإيذاء النفس غير الانتحاري، إضافة إلى دراسة دور الضيق النفسي العام في تفسير هذه العلاقة. وقد تم توزيع المشاركين بشكل متوازن تقريبًا من حيث العمر والجنس، ما أتاح فرصة نادرة لدراسة هذه الفروق بدقة عبر مراحل عمرية متعددة.

 

أظهرت النتائج أن 9.7% من المشاركين أفادوا بممارستهم إيذاء النفس خلال الشهر السابق للدراسة. وكانت النسبة أعلى لدى الإناث (13%) مقارنة بالذكور (6%). إلا أن التحليل الإحصائي المتقدم كشف أن الفروق بين الجنسين لم تكن ثابتة عبر جميع الأعمار. فقد تبين وجود تفاعل بين العمر والجنس، بحيث كانت معدلات إيذاء النفس أعلى بوضوح لدى الإناث في الفئة العمرية بين 16 و19 عامًا تحديدًا، بينما لم تظهر فروق ذات دلالة إحصائية بين الذكور والإناث في الأعمار الأصغر (14–15 عامًا) أو الأكبر (20–25 عامًا).

 

بمعنى آخر، الفجوة بين الجنسين ليست ثابتة، بل تتسع في منتصف المراهقة ثم تضيق تدريجيًا حتى تختفي تقريبًا في بداية الرشد. أما لدى الذكور، فقد ظلت معدلات إيذاء النفس مستقرة نسبيًا عبر المراحل العمرية المختلفة، دون وجود ذروة واضحة كما حدث لدى الإناث.

 

كما أظهرت النتائج وجود علاقة قوية بين الضيق النفسي العام وإيذاء النفس غير الانتحاري. فكلما ارتفع مستوى الضيق النفسي – الذي يشمل أعراض الاكتئاب والقلق والأفكار الوسواسية والسلوكيات المعادية للمجتمع وضعف تقدير الذات – زادت احتمالية ممارسة إيذاء النفس. وقد فسّر الضيق النفسي نحو ربع التباين في هذا السلوك، وهي نسبة كبيرة نسبيًا في الدراسات النفسية.

 

وعند تحليل العلاقة بشكل أعمق، تبين أن الضيق النفسي يفسّر جزئيًا الفروق المرتبطة بالعمر والجنس. فقد كانت مستويات الضيق النفسي أعلى لدى الإناث، خصوصًا بين 16 و19 عامًا، وهي نفس المرحلة التي ارتفعت فيها معدلات إيذاء النفس لديهن. وهذا يعني أن جزءًا من ارتفاع السلوك في هذه الفئة يمكن تفسيره بزيادة الضيق النفسي في تلك المرحلة العمرية.

 

ومع ذلك، لم يكن الضيق النفسي هو العامل الوحيد. إذ استمرت الفروق بين الجنسين في منتصف المراهقة حتى بعد أخذ الضيق النفسي في الاعتبار، مما يشير إلى وجود عوامل إضافية محتملة، مثل تأثير الأقران، أو اختلاف أساليب تنظيم الانفعال، أو عوامل اجتماعية وثقافية خاصة بالإناث في هذه المرحلة.

 

من ناحية أخرى، لم تجد الدراسة دليلًا على أن تأثير الضيق النفسي على إيذاء النفس يختلف باختلاف العمر أو الجنس. أي أن العلاقة بين ارتفاع الضيق النفسي وزيادة احتمال إيذاء النفس كانت متشابهة لدى الذكور والإناث وعبر مختلف الأعمار. وهذا يشير إلى أن الضيق النفسي عامل خطر عام ومشترك، وليس خاصًا بجنس معين أو مرحلة عمرية محددة.

 

تُعد هذه النتائج ذات أهمية سريرية كبيرة. فهي تؤكد أن التدخلات الرامية إلى خفض مستويات الضيق النفسي – مثل برامج تعزيز مهارات تنظيم الانفعال، والعلاج المعرفي السلوكي، والدعم النفسي المبكر – قد تسهم في تقليل معدلات إيذاء النفس، خاصة لدى الفتيات في منتصف المراهقة. كما تؤكد ضرورة عدم الاكتفاء بالنظر إلى الفروق بين الجنسين بشكل عام، بل فهم كيف تتغير هذه الفروق عبر الزمن.

 

ورغم قوة الدراسة من حيث حجم العينة وتوازنها، إلا أن لها بعض القيود. فهي دراسة مقطعية، أي أنها تقيس المتغيرات في نقطة زمنية واحدة، مما يحد من القدرة على استنتاج العلاقات السببية. كما أن استبعاد بعض الأفراد الذين يتلقون علاجًا نفسيًا قد يقلل من تمثيل الحالات الأشد. ومع ذلك، فإن النتائج تقدم صورة واضحة نسبيًا عن كيفية تفاعل العمر والجنس والضيق النفسي في تشكيل خطر إيذاء النفس.

 

في الختام، يتضح أن إيذاء النفس غير الانتحاري ظاهرة معقدة تتأثر بعوامل نمائية ونفسية واجتماعية. الفروق بين الذكور والإناث ليست ثابتة، بل تتغير عبر مراحل النمو، وتبلغ ذروتها في منتصف المراهقة لدى الإناث. ويُعد الضيق النفسي عاملًا محوريًا في تفسير هذا السلوك، مما يبرز أهمية الكشف المبكر عن الاضطرابات الانفعالية وتقديم الدعم المناسب في الوقت المناسب، للحد من تطور هذا السلوك وحماية الصحة النفسية للشباب.

المرجع  

Age and gender effects on non-suicidal self-injury, and their interplay with psychological distress

https://www.sciencedirect.com/science/article/pii/S0165032722002609