ترجمة: أ. نوره الدوسري
كيف يمكن جعل فترة الانتقال أقل توترًا
يُعدّ الانتقال من منزل إلى آخر تجربة مليئة بالتوتر بالنسبة للأطفال، إذ يضطرون إلى ترك أصدقائهم ومعلميهم وكل ما اعتادوا عليه من أماكن وأشياء تمنحهم الشعور بالأمان والراحة. ورغم أن الانتقال يكون ضروريًا في كثير من الأحيان، سواء لأسباب تتعلق بالعمل أو بالحياة العسكرية أو غيرها من الظروف، فإن التحديات التي يواجهها الأطفال عند تكوين صداقات جديدة والبدء في مدرسة جديدة قد تكون كبيرة. فهم لا يملكون عادةً خيارًا في تحديد المكان الذي سينتقلون إليه أو الأشياء التي سيتركونها خلفهم، ولذلك يكون من المفيد منحهم أكبر قدر ممكن من الشعور بالسيطرة والمشاركة في هذه العملية.
من الأمور التي تساعد على تخفيف الضغط النفسي التفكير مسبقًا في الحلول الممكنة للمشكلات التي قد تظهر بعد الانتقال. يمكن الحديث مع الأطفال عن التحديات المحتملة، مثل كيفية تكوين صداقات جديدة أو الخوف من الضياع في المدرسة الجديدة، ثم مناقشة الطرق التي يمكن من خلالها التعامل مع هذه المشكلات. إن مواجهة الصعوبات المتوقعة تصبح أقل توترًا عندما يكون هناك تصور مسبق وخطة واضحة للتعامل معها.
كما يمكن مساعدة الأطفال على الشعور بالاستقرار من خلال إشراكهم في عملية الانتقال نفسها، مثل السماح لهم بالمشاركة في ترتيب الأغراض أو اختيار شكل غرفهم الجديدة. ومن المهم الحفاظ على الروتين اليومي قدر الإمكان؛ فحتى لو لم يتم الانتهاء من ترتيب المنزل الجديد، فإن الالتزام بمواعيد الطعام والنوم يمنح الأطفال إحساسًا بالنظام والاستمرارية. وينبغي أيضًا التأكد من أن الطفل يعلم أنه يستطيع التحدث مع الوالدين في أي وقت، وأن أفضل سؤال يمكن طرحه مرارًا هو: «كيف يمكنني مساعدتك؟».
ويمكن تخفيف صدمة الانتقال من خلال اصطحاب الأشياء المألوفة مع الأطفال. فشراء الأطعمة التي يحبونها، خاصة في حال الانتقال إلى بلد آخر لا تتوفر فيه هذه الأطعمة بسهولة، قد يساعدهم على الشعور بالراحة. كما يُفضّل ترتيب أسرّتهم ووضع الصور والأغراض الشخصية فور الوصول إلى المنزل الجديد. ومن المهم أيضًا طمأنة الأطفال بأنهم ليسوا مضطرين إلى قطع علاقاتهم القديمة بالكامل، إذ أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي وسيلة سهلة للحفاظ على التواصل مع الأصدقاء القدامى.
لكن الأطفال يحتاجون أيضًا إلى بذل جهد لتكوين صداقات جديدة. ويمكن تسجيلهم في الأنشطة الرياضية أو النوادي المختلفة لمساعدتهم على التواصل مع أطفال يشاركونهم الاهتمامات نفسها. وقد يتردد أبناء الأسر العسكرية في تكوين صداقات جديدة إذا كانوا يعلمون أنهم سيضطرون إلى الانتقال مرة أخرى قريبًا، إلا أن الأفضل لهم أن يكوّنوا علاقات ويشعروا بالانتماء في المكان الذي يعيشون فيه، مهما كانت مدة الإقامة.
بالنسبة للأسر العسكرية، قد يكون الانتقال أكثر صعوبة إذا تزامن مع انتشار أحد الوالدين في مهمة عسكرية. في هذه الحالة، من المهم التحدث مع المدرسة الجديدة للطفل وشرح طبيعة الظروف التي يمر بها، بحيث يتمكن المعلم من توضيح الأمر لزملاء الطفل في الصف. فحين يدرك الأطفال الآخرون ما يمر به زميلهم، يشعر الطفل بدرجة أقل من الوحدة والعزلة.
وأخيرًا، ينبغي على الوالدين محاولة الحفاظ على موقف إيجابي تجاه الانتقال، لأن الأطفال يلتقطون مشاعر من حولهم بسرعة. ويمكن تقديم الانتقال بوصفه تجربة جديدة ومغامرة مثيرة، فذلك يساعد الأطفال على تقبّل التغيير بشكل أفضل.
إن الانتقال إلى مدينة أو بلدة جديدة قد يكون تجربة مرهقة لأي طفل. ففي خضم عملية التعبئة والترتيب، يضطر الأطفال إلى توديع أصدقائهم ومعلميهم والبيئة التي اعتادوا عليها. وبعد الانتقال، يتعين عليهم التكيف مع مدرسة جديدة، وقد يشعر بعضهم بأنهم متأخرون عن زملائهم في الدراسة. ويشعر كثير من الأطفال بالقلق من كونهم «الطلاب الجدد»، وقد يجد بعضهم صعوبة في تكوين صداقات جديدة.
أما بالنسبة لأبناء الأسر العسكرية، فإن تحديات الانتقال تكون أشد وضوحًا. فالأسر العسكرية تنتقل عادةً بوتيرة أعلى من الأسر المدنية، إذ يحدث الانتقال كل سنتين أو ثلاث سنوات في المتوسط، وغالبًا ما يكون إلى أماكن بعيدة. وعندما تنتقل هذه الأسر من القواعد العسكرية إلى الأحياء المدنية، يشعر الأطفال أحيانًا بالعزلة لأن أقرانهم لا يستطيعون فهم طبيعة الحياة العسكرية.
ورغم أن الانتقال في الحياة العسكرية أمر لا يمكن تجنبه في كثير من الأحيان، فإن ذلك لا يعني بالضرورة أن تجربة الانتقال ستكون سلبية. فمن خلال الاستعداد المسبق، والحفاظ على قنوات التواصل مفتوحة، وتبني موقف إيجابي، يمكن للوالدين مساعدة الأطفال على التكيف مع التحديات التي يفرضها الانتقال. وفيما يلي مجموعة من النصائح التي تساعد على ضمان انتقال الطفل من منزل إلى آخر بطريقة سلسة.
قبل البدء في الاستعداد للانتقال، ينبغي التحدث مع الطفل حول طبيعة الانتقال والتحديات التي قد تظهر خلال هذه المرحلة. ويمكن بعد ذلك البدء في التفكير في الحلول مسبقًا. وتشير جيمي هاورد، الحاصلة على درجة الدكتوراه وخبيرة في الصدمات النفسية، إلى أن التعامل مع المواقف المتوقعة يكون أسهل بكثير من مواجهة صدمات غير متوقعة دون استعداد.
كما يستفيد الأطفال الأصغر سنًا من التدريبات الانتقالية قبل الانتقال، مثل السماح لهم بالمشاركة في عملية التعبئة أو اختيار لون غرفهم الجديدة. ويساعد إشراك الأطفال في هذه العملية على تعزيز شعورهم بالسيطرة في مرحلة يشعرون فيها بأن الأحداث تجري خارج نطاق إرادتهم.
وتوضح جيسي إكهارت، الباحثة في علم الاجتماع العسكري ومديرة برامج الأسرة والزوجات في Military.com، أن فقدان الشعور بالسيطرة يعدّ من أكثر الأمور التي تقلق الأطفال أثناء الانتقال. وتؤكد أن مساعدة الأطفال على الاستعداد تدريجيًا للانتقال وفقًا لوتيرتهم الخاصة أمر بالغ الأهمية. وقد انتقلت عائلتها ست عشرة مرة خلال سبعة وعشرين عامًا من الخدمة العسكرية لزوجها.
وتروي إكهارت تجربة انتقال أطفالها في سن مبكرة، حيث كان عمال النقل يصنعون لهم صناديق للعب أثناء التعبئة، ما ساعدهم على فهم فكرة وضع الأشياء في الصناديق، وجعلهم يشاركون بدورهم في جمع أغراضهم الخاصة. كما كانوا يختارون غرفهم في المنزل الجديد، الأمر الذي منحهم شعورًا بالقدرة والسيطرة على الموقف، وهو ما أحدث فرقًا كبيرًا في تجربة الانتقال.
إلى جانب إعداد الأطفال نفسيًا للانتقال، ينبغي إبلاغهم بأنهم يستطيعون التحدث مع الوالدين في أي وقت حول مشاعرهم أو طلب النصيحة. وتؤكد إكهارت أن السؤال الأكثر تأثيرًا الذي يمكن طرحه باستمرار هو: «كيف يمكنني مساعدتك؟»، مشيرة إلى أن الأطفال غالبًا ما يكون لديهم إجابات واضحة حول احتياجاتهم.
وقد يكون التواصل مع الطفل أمرًا صعبًا إذا كان الوالدان يواجهان ضغطًا نفسيًا أو قلقًا خاصًا بهما. في هذه الحالة، يمكن الاستعانة بالموارد المتاحة عبر الإنترنت التي تقدم إرشادات حول تعزيز التواصل والتقارب الأسري خلال فترات الضغط.
وعند الوصول إلى المنزل الجديد، قد لا يكون الحفاظ على مواعيد الطعام والنوم أولوية في ظل كثرة الصناديق والأغراض التي تحتاج إلى ترتيب، إلا أن محاولة استعادة الروتين اليومي في أسرع وقت ممكن أمر بالغ الأهمية. فالأطفال، وخاصة الأصغر سنًا، يحتاجون إلى الروتين والاستقرار، لأن الانتقال يزعزع هذا الاستقرار، ولذلك ينبغي إعادة بناء الروتين في أقرب فرصة.
كما يساعد ملء المنزل الجديد بالأشياء المألوفة على تعزيز شعور الأطفال بالراحة، خاصة عندما تنتقل الأسرة إلى بيئة مختلفة تمامًا، كما يحدث في حالات الانتقال إلى دول أخرى. وتوضح إيرين روفاك هندرشيدت، التي انتقلت مع أسرتها من ولاية فرجينيا إلى تايبيه بسبب عمل زوجها، أنها حرصت على توفير الأطعمة التي يفضلها أبناؤها الأربعة لمساعدتهم على التكيف مع البيئة الجديدة.
وتؤكد هندرشيدت أهمية ترتيب المنزل الجديد بسرعة، ووضع الصور والأغراض الشخصية في أماكنها فور وصولها، وترتيب الأسرّة بالطريقة نفسها التي كانت عليها في المنزل السابق، لأن ذلك يساعد الأطفال على الشعور بالاستقرار والراحة.
بالنسبة لكثير من الأطفال، وخاصة المراهقين، يعدّ ترك الأصدقاء المقربين أصعب جانب من جوانب الانتقال. فالعلاقات الاجتماعية تمثل جزءًا مهمًا من حياة الأطفال الأكبر سنًا، وقد يشعرون بالعزلة بعد الانتقال إلى مجتمع جديد لا يملكون فيه شبكة اجتماعية جاهزة. وقد يتردد أبناء الأسر العسكرية في بذل جهد لتكوين صداقات جديدة بسبب علمهم بأنهم قد يضطرون إلى الانتقال مرة أخرى بعد فترة قصيرة.
ومع ذلك، من المهم أن يكوّن الأطفال علاقات ويشعروا بالانتماء في المجتمع الجديد، حتى لو كانت فترة الإقامة مؤقتة. وتشير هاورد إلى أن التكيف مع البيئة الحالية وتكوين علاقات اجتماعية صحية يعدّ أكثر فائدة من تجنب العلاقات خوفًا من الانتقال المستقبلي. ويمكن للأنشطة اللاصفية أن تلعب دورًا مهمًا في مساعدة الأطفال على التعرف على أصدقاء جدد يشاركونهم الاهتمامات نفسها.
وفي الوقت نفسه، ينبغي طمأنة الأطفال بأن الانتقال لا يعني فقدان العلاقات القديمة. فبفضل وسائل التواصل الاجتماعي، أصبح الحفاظ على التواصل مع الأصدقاء السابقين أمرًا أسهل من أي وقت مضى، وينبغي تشجيع الأطفال على الاستفادة من هذه الوسائل للبقاء على اتصال بأصدقائهم.
كما يُنصح بالتحدث مع المعلمين وإدارة المدرسة قبل بدء الطفل في الدراسة، وإبلاغهم بظروف الانتقال، وخاصة إذا كان الطفل ينتمي إلى أسرة عسكرية أو إذا كان أحد الوالدين في مهمة عسكرية. فمعرفة المعلمين بهذه الظروف تساعدهم على متابعة الطفل وتقديم الدعم اللازم له.
وعند الحديث مع الطفل حول الانتقال، ينبغي التركيز على الجوانب الإيجابية، مثل الانتقال إلى منزل أكبر أو بيئة جديدة أو فرص تعليمية أفضل. كما يمكن تقديم الانتقال على أنه فرصة لاكتشاف أماكن جديدة وتجارب مختلفة.
وأخيرًا، فإن موقف الوالدين تجاه الانتقال له تأثير كبير على طريقة تعامل الطفل مع هذه التجربة. فإذا أظهر الوالدان القلق أو الحزن أو الغضب، فمن المرجح أن يشعر الطفل بالمشاعر نفسها. لذلك، من المهم محاولة الحفاظ على موقف إيجابي، وتقديم الانتقال بوصفه تجربة جديدة مليئة بالفرص، لأن ذلك يساعد الأطفال على تقبّل التغيير والتكيف معه بشكل أفضل.
المرجع
Advice for Moving With Children
https://childmind.org/article/advice-for-moving-with-children/





