الأبعاد السبعة لخدمات تحليل السلوك التطبيقي

مهارات الاستماع النشط



ترجمة: أ. نوره الدوسري

 

 لماذا يُعد الاستماع النشط مهمًا، وكيف يمكن ممارسته؟ 

“لا يمكنك أن تستمع حقًا إلى أي شخص وتفعل شيئًا آخر في الوقت نفسه.”
— م. سكوت بيك، مؤلف كتاب The Road Less Traveled 

يُعد الاستماع النشط أسلوبًا في الاستماع يتضمن توجيه الانتباه الكامل لما يقوله المتحدث، بهدف أساسي هو فهمه بصورة حقيقية ودقيقة. ويُعتبر هذا النوع من الاستماع مهارة أساسية ومهمة في العديد من المواقف المختلفة، بدءًا من الجلسات العلاجية في العيادات النفسية وصولًا إلى بيئات العمل والمؤسسات المهنية. فعندما لا نستمع بصورة نشطة، فإننا غالبًا ما نفوّت الرسالة الحقيقية التي يحاول الطرف الآخر إيصالها.

ومن خلال الخبرة الإكلينيكية في العمل مع الأفراد والأزواج، يتضح أن القدرة على استخدام مهارات الاستماع النشط تُعد عنصرًا أساسيًا للحفاظ على السعادة والاستقرار في العلاقات طويلة الأمد، خصوصًا بين الأزواج. وقد ساعدتنا نظرية التعلّق على فهم أن من أكثر الاحتياجات العاطفية الأساسية لدى البشر الحاجة إلى أن يتم الاستماع إليهم، والحاجة إلى الشعور بأنهم مهمون بالنسبة لشركائهم في العلاقة .

ومن أكثر الشكاوى شيوعًا التي تُسمع خلال جلسات الإرشاد أو العلاج الزواجي أن يقول أحد الشريكين للآخر:
“أنت لا تستمع إليّ أبدًا!”

كما تدعم أبحاث العلوم الاجتماعية أهمية الاستماع النشط بشكل واضح. فقد قام عالم النفس ويلارد هارلي بتحديد عشرة من أكثر الاحتياجات العاطفية شيوعًا لدى الأفراد في العلاقات الزوجية أو العاطفية . وكان من بين هذه الاحتياجات العشرة الحاجة إلى المحادثة الحميمة. وقد وصف هارلي هذه الحاجة بأنها تتحقق من خلال إجراء مناقشات بهدف تبادل المعلومات أو طرح الأسئلة، والتحدث حول موضوعات ذات اهتمام مشترك، وإظهار الاستعداد للاستماع إلى الطرف الآخر. وبشكل أكثر تحديدًا، فإن المحادثة الحميمة تتطلب أن يمنح كل طرف للآخر انتباهًا كاملاً غير منقسم أثناء الحديث.

كيف تصبح مستمعًا نشطًا؟

يمكن تطوير مهارات الاستماع النشط من خلال مجموعة من الخطوات والممارسات العملية، من أهمها ما يلي:

1. الاستماع دون إصدار أحكام

عند الاستماع إلى شخص آخر، حاول ألا تُصدر أحكامًا مسبقة أو تتخذ موقفًا فوريًا تجاه الموضوع المطروح. الهدف الأساسي في هذه المرحلة هو فهم الموقف من وجهة نظر المتحدث، وليس تقييمه أو معارضته.

2. السماح للمتحدث بإكمال أفكاره

من المهم أن تمنح المتحدث الفرصة الكاملة للتعبير عن أفكاره دون مقاطعة. وغالبًا ما يتضمن ذلك فترات قصيرة من الصمت، قد تستمر لعدة ثوانٍ. وقد يحتاج الشخص إلى بعض الوقت قبل أن يتمكن من صياغة أفكاره بالكامل. لذلك قد يتطلب الأمر بعض التدريب حتى يتمكن المستمع من تقدير الوقت المناسب للرد. وإذا لم يكن متأكدًا، فمن الأفضل عادة الانتظار قليلًا بدلاً من التحدث بسرعة ومقاطعة المتحدث قبل أن ينتهي من فكرته.

3. إظهار الاهتمام والانتباه

ينبغي أن تُظهر للمتحدث أنك تركز فيما يقوله. ويمكن تحقيق ذلك من خلال الحفاظ على التواصل البصري، والانحناء قليلًا نحو المتحدث عندما يزداد اهتمامك بما يقوله، ومشاركة لحظات الدعابة بابتسامة أو استجابة طبيعية مناسبة.

4. إعادة ما تم سماعه للتحقق من الفهم

من المفيد أن تعيد صياغة ما قاله المتحدث للتأكد من أنك فهمت الرسالة بدقة. ويمكنك أحيانًا استخدام الكلمات نفسها التي استخدمها المتحدث، خاصة إذا كنت غير متأكد من دقة فهمك. وفي معظم الحالات يكون من الأفضل إعادة صياغة الفكرة بأسلوبك الخاص مع الحفاظ على المعنى الأساسي لما قيل.

 

5. طرح الأسئلة عند الحاجة

عندما لا يكون المقصود واضحًا أو عندما تشعر بأنك لم تفهم الفكرة الأساسية، يمكنك طرح بعض الأسئلة التوضيحية. تساعد هذه الأسئلة على توضيح الرسالة وفهم المقصود بشكل أفضل، خاصة عندما تحاول إدراك النقطة الرئيسية في كلام المتحدث.

6. تقديم ملخص قصير

بعد أن ينتهي المتحدث من عرض أفكاره، من المفيد أن تقدم ملخصًا قصيرًا لما فهمته. يوضح هذا الملخص أنك استمعت جيدًا وأنك أدركت مضمون ما قيل.

7. مشاركة وجهة نظرك بعد الفهم

كخطوة اختيارية وأخيرة — وليس قبل ذلك — يمكنك أن تشارك تجاربك أو وجهة نظرك حول الموضوع. وقد يتضمن ذلك ذكر مواقف مشابهة مررت بها أو التعبير عن رأي مختلف تمامًا عن رأي المتحدث. لكن الأهم هو أن يحدث ذلك بعد التأكد من أنك فهمت الرسالة الأصلية بشكل كامل.

“أكبر مشكلة في التواصل هي أننا لا نستمع لنفهم، بل نستمع لنرد.”
— ستيفن آر. كوفي، مؤلف كتاب The 7 Habits of Highly Effective People



ما الذي ينبغي تجنبه أثناء الاستماع النشط؟

لكي يكون الاستماع فعالًا، هناك مجموعة من السلوكيات التي ينبغي تجنبها، لأنها قد تعيق التواصل وتضعف جودة الفهم.

1. مقاطعة المتحدث

لا ينبغي مقاطعة المتحدث أثناء حديثه، حتى لو حدث توقف طويل في الكلام. من الأفضل تشجيعه أولًا على إكمال فكرته.

2. عدم الحفاظ على التواصل البصري

من الطبيعي أن تنقطع نظرات التواصل البصري أحيانًا، لكن غياب التواصل البصري بشكل كامل قد يعطي انطباعًا بعدم الاهتمام أو عدم الانتباه.

3. استعجال المتحدث

قد يكون من الصعب أحيانًا الاستماع عندما يدخل المتحدث في تفاصيل طويلة أو غير مرتبطة مباشرة بالموضوع. ومع ذلك، ينبغي محاولة تشجيعه بلطف على الانتقال إلى النقطة الأساسية دون إظهار التذمر أو الضيق.



4. التشتت وفقدان التركيز

قد يحدث أن ينشغل ذهن المستمع بأفكار أخرى أو يتشتت بسبب أحداث تحدث في البيئة المحيطة. كما قد يحدث ما يشبه أحلام اليقظة أثناء التظاهر بالاستماع. مثل هذه السلوكيات غالبًا ما تُشعر المتحدث بالإحباط وعدم التقدير.

5. التركيز المفرط على التفاصيل الصغيرة

الانشغال ببعض التفاصيل الثانوية أو طرح أسئلة حول أمور بسيطة قد يشتت الانتباه عن الفكرة الأساسية التي يحاول المتحدث إيصالها.

6. تغيير الموضوع بشكل مفاجئ

من السلوكيات التي تضعف التواصل أن يقوم المستمع بتغيير الموضوع فجأة، أو أن يقاطع الحديث ليبدأ بسرد قصة مشابهة حدثت له.

7. استخدام السخرية أو المزاح في غير وقته

قد تؤدي التعليقات الساخرة أو النكات إلى تشتيت الانتباه عن النقاط المهمة التي يناقشها المتحدث. لذلك من الأفضل تأجيل الدعابة إلى وقت لاحق في الحوار.

8. الاستماع بهدف إعداد الرد

من أكثر الأخطاء شيوعًا أن يبدأ المستمع بالتفكير في الرد أثناء حديث الطرف الآخر. يحدث هذا غالبًا عندما يعبّر المتحدث عن شكوى، فيشعر المستمع بالدفاعية ويبدأ بالتفكير:
“كيف سأدافع عن نفسي؟” أو “كيف سأثبت أنه مخطئ؟”

لكن إذا استمع الشخص بفاعلية، فقد يكتشف أنه لا يحتاج إلى الدفاع عن نفسه أساسًا. فربما لا يكون الطرف الآخر بصدد إلقاء اللوم عليه. وحتى إذا وُجه اللوم إليه، فسيكون لديه الوقت الكافي لاحقًا للتعبير عن وجهة نظره بعد أن ينتهي من الاستماع.

“هناك فرق بين الاستماع الحقيقي وانتظار دورك للتحدث.”
— رالف والدو إمرسون

كما أشار الشاعر الأمريكي إمرسون، فإن لكل شخص دوره في الحديث. لذلك لا يوجد ما يمكن كسبه في العلاقات العاطفية أو الزوجية من خلال تجاوز الخطوة الأولى والأكثر أهمية، وهي الاستماع النشط.

في كثير من الأحيان، لا يحتاج الشخص الذي يتحدث إلى حلول أو إصلاح للمشكلة، بل يحتاج فقط إلى التعبير عن مشاعره والتنفيس عن بعض الإحباطات، وأن يشعر بأن الطرف الآخر يهتم بما يقوله بما يكفي للاستماع إليه باهتمام.

وقد يكون الاستماع الجيد والمركّز هو أفضل ما يمكن أن يقدمه الشخص لشريكه من أجل بناء علاقة أكثر رضًا واستقرارًا.

إن جميع البشر يحتاجون إلى أن يتم الاستماع إليهم من قبل الأشخاص الأقرب إليهم، بغض النظر عما إذا كانوا على صواب أو خطأ، أو ما إذا كانت أفكارهم منطقية أو غير منطقية. ففي مختلف الظروف، يظل فعل الاستماع بحد ذاته عملية قادرة على إحداث تحول إيجابي في العلاقات الإنسانية، وتعزيز التفاهم والتقارب بين الأفراد.

المرجع

Active Listening Skills

https://www.psychologytoday.com/us/blog/in-it-together/202006/active-listening-skills