ترجمة : أ. نورة الدوسري
في السنوات الأخيرة شهد تحليل السلوك التطبيقي انتشارا وتطورا في أساليب ونطاق تطبيقه
ولكن يواجه المختصون في تحليل السلوك أحيانًا سلوكيات يصعب تفسيرها أو تغييرها بالطرق التقليدية، خاصة تلك التي تتأثر بالأفكار والمشاعر الداخلية مثل القلق أو الشعور بالفشل. وهنا تبرز أهمية دمج أساليب القبول والالتزام في العمل السلوكي، حيث تساعد هذه الأساليب على فهم السلوك من منظور أشمل، يأخذ بعين الاعتبار ما يدور داخل الشخص من أفكار ومشاعر، ويُعزز قدرته على التقدم نحو أهدافه رغم تلك التجارب الداخلية. في هذا المقال، نستعرض كيف يمكن استخدام هذا النموذج في تحليل السلوك التطبيقي لتحسين فعالية التدخلات وتحقيق نتائج أكثر عمقًا واستدامة.
أولاً: لماذا يجب اعتبار الأفكار والمشاعر سلوكًا؟ يتفق علماء تحليل السلوك على أن السلوك لا يقتصر على الأفعال الظاهرة فحسب، بل يشمل أيضًا الأحداث الخاصة، مثل التفكير والشعور والتذكر. عندما يُنظر إلى هذه الظواهر على أنها سلوك، فإن ذلك يسمح للممارس بفهم السياق الذي تحدث فيه، والبحث في العوامل البيئية التي قد تسهم في حدوثها أو استمرارها. فمثلًا، قد يكون سبب سلوك الانسحاب الاجتماعي لدى أحد الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد ليس فقط بسبب مواقف خارجية، بل أيضًا نتيجة أفكار داخلية مثل “أنا مختلف” أو “الناس لا يحبونني.
ثانيًا: كيف نفهم اللغة من منظور تحليل السلوك؟ يعتمد أسلوب القبول والالتزام على نظرية الإطار العلاقي، وهي نظرية تفسر كيف تتكون العلاقات بين الكلمات و المفاهيم في عقولنا، وتؤثر على سلوكياتنا. فعلى سبيل المثال، إذا تعلم الطفل أن “الأذكياء ينجحون” ثم تعرض لمواقف شعر فيها بأنه ليس ذكيًا، فقد يربط ذلك بالفشل ويبدأ في تجنب المهام الدراسية، ليس لأن المهام صعبة فعليًا، بل لأن الفكرة المرتبطة بها تسبب له شعورًا بالفشل.
هذه النظرية توضح أن الألفاظ والأفكار قد تكتسب وظائف جديدة بمجرد دخولها في علاقة مع ألفاظ أو مفاهيم أخرى، وهو ما يُعرف بتحول وظيفة المثير. هذا المفهوم مهم جدًا لأنه يفسر كيف يمكن لفكرة غير واقعية أو مبالغة أن تؤثر على السلوك الحقيقي للشخص.
ثالثًا: العمليات الست الأساسية في نموذج القبول والالتزام يتضمن نموذج القبول والالتزام ست عمليات نفسية-سلوكية يمكن استخدامها لتقييم وتغيير السلوك اللفظي الخفي:
- القيم مقابل غياب القيم: القيم هنا تعني ما هو مهم بالنسبة للفرد، وتوجه سلوكياته بشكل داخلي. حين يُطلب من الطفل التعبير عن رغبته في أن يكون صديقًا جيدًا، يمكن استخدام هذه القيمة كحافز لسلوك اجتماعي مناسب.
- القبول مقابل التجنب: يحدث التجنب عندما يتجنب الشخص مواقف أو مهامًا لأنه لا يريد مواجهة مشاعر معينة. التدخل هنا يتمثل في تعزيز القدرة على تحمل المشاعر السلبية والمضي قدمًا نحو الأهداف المهمة.
- التماهي مع الفكرة مقابل الانفصال عنها: بعض الأشخاص يتعاملون مع أفكارهم وكأنها حقائق لا تقبل الجدل، مثل “أنا فاشل”، بينما في الواقع هي مجرد أفكار. تعليم الأفراد أن يقولوا “أنا أفكر أنني فاشل” بدلًا من “أنا فاشل” يفتح المجال لتقييم تلك الأفكار بعقلانية.
- مفهوم الذات كمحتوى مقابل كمراقب: يشير هذا المفهوم إلى الفرق بين أن يُعرف الشخص نفسه بناءً على فكرة واحدة (مثل: أنا ذكي فقط) وبين أن يرى نفسه كمراقب لأفكاره ومشاعره المتغيرة. هذا الإدراك يعزز من المرونة النفسية.
- الوعي باللحظة الحاضرة: يساعد التركيز على اللحظة الحالية في تقليل الانشغال بالأفكار المرتبطة بالماضي أو القلق من المستقبل. وهذا يُستخدم بشكل كبير في تحسين التفاعل الاجتماعي والانتباه لدى الأطفال ذوي الإعاقة.
- السلوك الملتزم: هو الاستمرار في ممارسة السلوكيات التي تتماشى مع القيم، حتى لو كانت المشاعر غير مريحة. يساعد هذا النوع من السلوك في بناء استمرارية التغيير السلوكي.
رابعًا: استخدام هذا النموذج في جلسات تحليل السلوك يمكن للممارسين تضمين التدريب على القبول والالتزام في خطة التدخل السلوكي من خلال:
- تقييم العلاقات اللفظية الخفية التي قد تحافظ على السلوكيات غير المرغوبة.
- تعليم المهارات المتعلقة بالقبول، والانفصال عن الأفكار، وتحديد القيم الشخصية.
- تصميم أهداف علاجية تراعي السلوكيات اللفظية الخفية، مع استخدام أدوات قياس مناسبة.
خامسًا: تطبيقات عملية من الأمثلة على استخدام النموذج:
- طفل لديه اضطراب طيف التوحد يتجنب المناسبات الاجتماعية لأنه “يعتقد” أنه لا يتحدث جيدًا. التدخل يشمل تدريبات على الانفصال عن هذه الفكرة وتوجيه السلوك بناءً على القيمة (مثل: تكوين صداقات).
- مراهق مشخص باضطراب القلق يتجنب تقديم العروض المدرسية. يتم تدريبه على قبول مشاعر القلق والتركيز على الهدف (النجاح الدراسي).
سادسًا: الموارد والأدوات المتاحة هناك العديد من البرامج والموارد التي بُنيت على هذا الأسلوب ويمكن استخدامها ضمن خطط تحليل السلوك، ومنها:
- برنامج “AIM” لتعليم المهارات الاجتماعية والعاطفية.
- دليل “DNA-V” الموجه للمراهقين.
- بروتوكولات تدريب الوالدين باستخدام هذا النموذج.
خاتما يوفر التدريب على القبول والالتزام إطارًا متكاملًا لفهم السلوكيات المتأثرة بالعوامل الداخلية كاللغة والمشاعر. وهو نموذج يجمع بين العمق العلمي والبساطة التطبيقية، ويعزز فعالية تدخلات تحليل السلوك التطبيقي، خاصة عند التعامل مع السلوكيات المعقدة أو غير المفهومة. ومن خلال دمج هذا النموذج ضمن البرامج السلوكية الحالية، يمكن للممارسين الوصول إلى نتائج أكثر دقة واستدامة، وتحقيق تغيير حقيقي في حياة الأفراد.
المرجع:
Kelly, A. D., & Kelly, M. E. (2021). Acceptance and commitment training in applied behavior analysis: Where have you been all my life? Behavior Analysis in Practice, 15(1), 43–54. https://doi.org/10.1007/s40617-021-00587-3





