الأبعاد السبعة لخدمات تحليل السلوك التطبيقي

لماذا يشعر البالغون ذوو الأداء العالي بالقلق غالبًا؟

 

ترجمة: أ. نوره الدوسري


خلف الكفاءة الظاهرة قد يكمن جهاز عصبي لا يستطيع تحمّل عدم اليقين.

نقاط رئيسية:

  • لا يعني الأداء العالي بالضرورة وجود تنظيم انفعالي سليم.
  • القلق لدى الأفراد ذوي الأداء المرتفع غالبًا ما يكون تكيفًا مكتسبًا قائمًا على أنماط التعلّق.
  • يصبح الإنجاز وسيلة لتنظيم الجهاز العصبي، وليس مجرد تعبير عن الطموح.
  • يتطلب التعافي الانتقال من الأمان القائم على الأداء إلى التنظيم الداخلي والشعور بالأمان في العلاقات.

يدخل عميل جديد إلى العيادة، يتنهد، ويقول مباشرة: “لا أعرف حقًا لماذا أنا هنا. لا يوجد خطأ فعلي. أنا فقط… لا أستطيع إيقاف عقلي، ولا أعرف كيف أسترخي.” ثم يشرح أن حياته، على الورق، تسير بشكل مثالي. فهو أكثر من كفء في عمله، متجاوب في علاقاته، ومنظم بطريقة تجعل الآخرين يعتقدون أنه لا يعاني من أي ضغط.

لكن، كما يوضح، فإن تجربته الداخلية لا تتطابق مع صورته الخارجية. فجسده في حالة تأهّب مستمرة، وعقله يسبق كل محادثة، وكل موعد نهائي، وكل خطأ محتمل.

وعندما يُسأل عن العناية الذاتية، يجيب بسلسلة من سلوكيات تطوير الذات: الذهاب إلى النادي، العناية بالمظهر، والأنشطة الاجتماعية المجدولة. لكن عندما يُسأل عن الراحة، يتوقف قليلًا، يعقد حاجبيه، ويقول: “لا أستطيع الاسترخاء إلا عندما أتأكد أنني فعلت كل شيء بشكل صحيح. والمشكلة أنني لا أكون متأكدًا تمامًا أبدًا.”

هذا العميل يمثل نوعًا من البالغين الذين نادرًا ما يتم التعرف عليهم على أنهم “يعانون”. هؤلاء الأشخاص يلتزمون بالمواعيد النهائية، يحضرون مستعدين، يستجيبون بشكل مناسب، يتمتعون بعمق في التفكير، إنتاجيتهم عالية، وغالبًا ما يكونون متميزين. يحصلون على التقدير لإنجازاتهم، وكانوا ناجحين أكاديميًا، وهم الآن متفوقون في مساراتهم المهنية.

ومع ذلك، خلف هذا النجاح والكفاءة، يوجد همس مستمر من القلق لا ينطفئ تمامًا.

إذا بدا هذا مألوفًا، فمن المهم معرفة أنكم لستم وحدكم. والأهم من ذلك، أن هذا ليس تناقضًا، بل نمطًا.

كون الفرد عالي الأداء لا يعني أنه منظم انفعاليًا. فالمعالجون النفسيون غالبًا ما يتم تدريبهم على تقييم الأفراد بناءً على القصور أو الضعف، مثل ضعف الأداء الاجتماعي أو الوظيفي، التغيب عن العمل، العلاقات غير المستقرة، أو مظاهر فقدان التنظيم الواضحة. لكن كثيرًا من البالغين الذين يحتاجون إلى الدعم لا يظهرون بهذه الصورة. فهم منظمون، مستقرون ظاهريًا، وغالبًا ناجحون.

ما يتم تجاهله غالبًا هو أن الأداء الناجح لا يعني الشعور بالأمان.

من منظور الجهاز العصبي، فإن العديد من البالغين ذوي الأداء العالي ليسوا في حالة هدوء، بل في حالة تنشيط مستمر. إنتاجيتهم لا تنبع من الراحة، بل من حالة استثارة داخلية.

تشير الأبحاث في علم الأعصاب العاطفي ونظرية العصب المبهم إلى أن الجسم يمكنه الحفاظ على حالات طويلة من الاستثارة العصبية المرتبطة بالجهاز العصبي الودي، والتي نختبرها كقلق، مع الاستمرار في السلوك الموجه نحو الأهداف. بمعنى آخر: يمكن للإنسان أن يكون قلقًا وفعّالًا في الوقت ذاته.

بالنسبة لكثير من الأفراد، القلق ليس عشوائيًا، بل متعلَّم. تشير أبحاث التعلّق إلى أنه عندما تكون العلاقات المبكرة غير مستقرة أو غير متوقعة أو غير متناغمة عاطفيًا، يتكيف الجهاز العصبي النامي من خلال زيادة اليقظة.

تظهر هذه اليقظة المفرطة في شكل توقع احتياجات الآخرين، الإفراط في التحضير، مراقبة التغيرات الدقيقة في نبرة الصوت أو السلوك، وتجنب الأخطاء بأي ثمن. في الطفولة، تُعد هذه مهارات بقاء. أما في مرحلة البلوغ، فإن هذه السلوكيات غالبًا ما تتم مكافأتها، خاصة في البيئات عالية الأداء.

لكن مصدرها ليس الكفاءة أو الثقة، بل إدارة عدم اليقين.

يتعلم الجهاز العصبي: إذا بقيت متيقظًا، سأكون آمنًا. وإذا أدّيت بشكل جيد، سأحافظ على الاتصال بالآخرين.

تقوم النماذج الداخلية لدى البالغين الذين لديهم أنماط تعلّق قلقة أو غير منظمة على فكرة أن العلاقات، والاستقرار الذي توفره، مشروطة. وبالتالي، يرتبط تقدير الذات والشعور بالأمان بالأداء والاستجابة والتوقع. ومع مرور الوقت، يصبح الأداء وسيلة لتنظيم الذات.

فالإنجاز يهدئ، والإنتاجية تمنح شعورًا مؤقتًا بالاستقرار. كما أن التقدير الخارجي يخفف من عدم اليقين الداخلي لفترة قصيرة. ولكن لأن النظام الداخلي قائم على اكتشاف التهديد وليس على التنظيم، فإن هذا الارتياح لا يدوم.

وهذا يفسر سبب صعوبة الاسترخاء لدى العديد من الأفراد ذوي الأداء العالي، والشعور المستمر بأن شيئًا ما قد يسوء، وصعوبة الشعور بالرضا عن الإنجازات، بل وحتى زيادة القلق مع النجاح.

لو كان القلق مرتبطًا بالقدرة فقط، لكان النجاح كافيًا لعلاجه. لكن بالنسبة لهؤلاء الأفراد، القلق لا يتعلق بقدرتهم على الأداء، بل بما قد يحدث إذا لم يتمكنوا من الأداء.

وهنا يظهر مفهوم “عدم اليقين العلائقي”. فعندما تُعلّم البيئات المبكرة أن العلاقات غير مستقرة أو مشروطة، فإن الجهاز العصبي لا يُحدّث هذا النمط بسهولة في مرحلة البلوغ. حتى في وجود علاقات مستقرة أو وظائف آمنة، قد يستمر الجسم في البحث عن الخطر.

لذلك، بدلًا من الشعور: “لقد نجحت، إذن أنا آمن”، يصبح الشعور الداخلي: “لقد نجحت… لذا يجب أن أستمر في النجاح بأي ثمن.”

ونظرًا لأن هؤلاء الأفراد يُنظر إليهم على أنهم قادرون، فهم أقل عرضة لتلقي الدعم. يتم التقليل من معاناتهم أو تجاهلها، سواء من الآخرين أو من أنفسهم. ومع مرور الوقت، قد يؤدي ذلك إلى إنهاك عاطفي، واحتراق نفسي يُفسر على أنه “مجرد ضغط”، وانفصال عميق عن الاحتياجات الداخلية. وغالبًا ما يجدون صعوبة في تحديد ما يشعرون به فعليًا، بخلاف الضغط.

ما الذي يمكن أن يساعد فعليًا؟

معالجة هذا النمط لا تعني تقليل الطموح أو القيام بمهام أقل، بل تعني تغيير النظام التنظيمي الأساسي.

تشمل الأساليب المدعومة بالأدلة ما يلي:

  • العمل على تنظيم الجهاز العصبي: مثل التدخلات الجسدية، وتمارين التنفس، وتقنيات اليقظة الذهنية التي تساعد على تقليل الاستثارة الفسيولوجية المزمنة.
  • العلاج النفسي الديناميكي المرتكز على التعلّق: حيث يساعد استكشاف أنماط العلاقات في فهم نشأة القلق وكيفية استمراره في العلاقات الحالية.
  • إعادة البناء المعرفي: من خلال التعرف على الأفكار مثل “يجب أن أستحق الاستقرار” أو “إذا توقفت عن الأداء سأفقد كل شيء”، والعمل على تحديها.
  • بناء القدرة على تحمّل حالات “عدم الأداء”: أي تعلم الوجود دون إنتاج مستمر، دون الشعور بتهديد فوري، وهو من أصعب وأهم التحولات.

إذا كنتم من البالغين ذوي الأداء العالي الذين يعانون من قلق مستمر، فإن الهدف ليس أن تصبحوا أقل كفاءة، بل أن تصبحوا أقل اعتمادًا على القلق للوصول إلى كفاءتكم.

فالجهاز العصبي الذي تعلّم أن الأداء هو وسيلة للشعور بالأمان، لم يتعلم بعد أن الأمان يمكن أن يوجد دون الحاجة إلى الأداء المستمر.

المرجع 

The Mood Lab Anxiety Why High-Functioning Adults Often Feel Anxious Behind competence may lie a nervous system that can’t tolerate uncertainty. https://www.psychologytoday.com/us/blog/the-mood-lab/202604/why-high-functioning-adults-often-feel-anxious