الأبعاد السبعة لخدمات تحليل السلوك التطبيقي

مخاطر التشخيص الذاتي للاضطرابات النفسية

 

ترجمة : أ. نوره الدوسري

 

تُعرَّف الاضطرابات النفسية بأنها حالات طبية تتسم بحدوث تغيرات في الانفعالات أو السلوك أو التفكير، أو مزيج من هذه الجوانب معًا. وغالبًا ما ترتبط هذه الاضطرابات بدرجة من الضيق النفسي أو صعوبات في الأداء الوظيفي في مجالات الحياة المختلفة مثل العلاقات الاجتماعية، والعمل، والأسرة.

يعزف العديد من الأفراد الذين يعانون من اضطرابات نفسية عن التحدث عن حالتهم أو طلب المساعدة الطبية، ويرتبط ذلك في كثير من الأحيان بالوصمة الاجتماعية المرتبطة بالصحة النفسية والعلاج النفسي. ومع ذلك، فإن الاضطرابات النفسية تُعد حالات طبية شأنها شأن الأمراض الجسدية مثل السكري أو أمراض القلب، وهي قابلة للعلاج بدرجات متفاوتة. ويمكن أن تصيب هذه الاضطرابات أي شخص بغض النظر عن العمر أو الجنس أو الخلفية الثقافية، إلا أن الإحصاءات تشير إلى أن ما يقارب ثلاثة أرباع الحالات تبدأ قبل سن الرابعة والعشرين.

تُعد الاضطرابات النفسية شائعة نسبيًا على مستوى العالم. وتشير البيانات إلى أنه خلال سنة واحدة محددة:

  • يعاني ما يقارب خُمس البالغين من أحد أشكال الاضطرابات النفسية.
  • يعاني شخص واحد من كل 24 شخصًا من اضطراب نفسي شديد.
  • يعاني شخص واحد من كل 12 شخصًا من اضطراب مرتبط باستخدام المواد.

التشخيص والعلاج

تُعد مشكلات الصحة النفسية قابلة للعلاج، كما أن التحسن ممكن لدى نسبة كبيرة من الأفراد. وقد يتمكن العديد من الأشخاص من استعادة مستوى عالٍ من الأداء الوظيفي بعد تلقي العلاج المناسب، بل إن بعض الاضطرابات يمكن الوقاية منها أو الحد من شدتها عند التدخل المبكر.

تختلف طرق التعبير عن المشكلات النفسية بين الأفراد تبعًا لاختلاف الثقافات والخلفيات الاجتماعية. ففي بعض الثقافات، قد يميل الأفراد إلى التعبير عن معاناتهم النفسية من خلال أعراض جسدية، مما يدفعهم إلى طلب الرعاية الطبية لأسباب جسدية في الظاهر، بينما تكون الأسباب الحقيقية ذات طبيعة نفسية. كما أن بعض الثقافات تستخدم مفاهيم ومصطلحات مختلفة لوصف الحالات النفسية مقارنةً بما هو شائع في الأنظمة الطبية.

يقوم الأخصائيون في الصحة النفسية بتشخيص الاضطرابات بناءً على مجموعة من الإجراءات، من أبرزها:

  • أخذ تاريخ طبي مختصر يتضمن الأعراض الحالية والسابقات المرضية.
  • إجراء فحص جسدي، وقد تُطلب تحاليل مخبرية في حال الاشتباه بوجود أسباب طبية عضوية للأعراض.
  • إجراء تقييم نفسي يتضمن طرح أسئلة حول الأفكار والمشاعر والسلوكيات.

ومن المهم التأكيد على أن تشخيص اضطراب نفسي لا يعني بالضرورة الحاجة إلى العلاج بشكل فوري في جميع الحالات. إذ يعتمد قرار البدء بالعلاج على عدة عوامل، منها شدة الأعراض، ومدى تأثيرها في حياة الفرد اليومية، ومستوى الضيق الذي تسببه، إضافة إلى موازنة الفوائد والمخاطر المحتملة للتدخلات العلاجية المختلفة.

يساعد الأطباء النفسيون وأطباء الرعاية الأولية والأخصائيون في الصحة النفسية الأفراد على فهم طبيعة الاضطرابات النفسية، وتقديم استراتيجيات للتعامل مع الأعراض بهدف تحسين الصحة العامة وجودة الحياة.

التشخيص الذاتي ومخاطره

أصبح اللجوء إلى الإنترنت للحصول على المعلومات الصحية، بما في ذلك محاولة التشخيص الذاتي، ظاهرة متزايدة على مستوى العالم. ومع التطور التكنولوجي وسهولة الوصول إلى الإنترنت، أصبح عدد كبير من الأفراد يعتمدون على المصادر الإلكترونية كمصدر أولي للمعلومات الصحية، بل وأحيانًا قبل استشارة المختصين.

وعلى الرغم من أن بعض المعلومات المتاحة عبر الإنترنت قد تكون مفيدة، فإن استخدامها لتشخيص الحالات النفسية ينطوي على مخاطر متعددة. إذ يتطلب فهم الحالة النفسية تقييمًا دقيقًا يأخذ في الاعتبار السياق الشخصي للفرد، وهو أمر يصعب تحقيقه من خلال المعلومات العامة أو الاختبارات الإلكترونية.

من أبرز المخاطر المرتبطة بالتشخيص الذاتي:

  • التشخيص المفرط (Overdiagnosis): حيث يعتقد الفرد أنه يعاني من اضطراب نفسي بناءً على أعراض عامة أو شائعة.
  • التشخيص الخاطئ (Misdiagnosis): حيث يتم تفسير الأعراض بشكل غير دقيق، مما يؤدي إلى تحديد اضطراب غير موجود في الواقع.

وقد يؤدي التشخيص المفرط إلى التقليل من خطورة الاضطرابات النفسية الشديدة، خاصة لدى الفئات العمرية الصغيرة، مما ينعكس سلبًا على الوعي العام بطبيعة هذه الحالات.

تتراوح الاضطرابات النفسية بين اضطرابات القلق والاكتئاب والفصام واضطراب ما بعد الصدمة، ويبلغ عددها أكثر من 200 اضطراب معترف به. لذلك، فإن محاولة التشخيص الذاتي استنادًا إلى معلومات عامة قد تؤدي إلى مسار غير دقيق، وربما إلى تفاقم الأعراض وتدهور جودة الحياة.

إن التشخيص في مجال الصحة النفسية لا يعتمد فقط على مطابقة الأعراض مع قائمة محددة، بل يتطلب فهمًا شاملاً لحياة الفرد، والظروف المحيطة به، ومدى تأثير الأعراض في أدائه اليومي. وفي بعض الحالات، يكون التشخيص واضحًا وسريعًا نتيجة شدة الأعراض، إلا أن معظم الحالات تحتاج إلى تقييم متأنٍ ومناقشة دقيقة لتحديد ما إذا كان التشخيص مفيدًا للفرد أم لا.

تعقيدات التشخيص الذاتي

تزداد صعوبة التشخيص الذاتي عندما تظهر أعراض متداخلة بين أكثر من اضطراب نفسي. فقد يعاني الفرد من مجموعة من الأعراض التي يمكن تفسيرها بعدة طرق مختلفة. وفي بعض الحالات، قد يتجاهل الفرد بعض الأعراض المهمة أو يقلل من شأنها، مما يؤدي إلى صورة غير مكتملة للحالة.

على سبيل المثال، قد يعاني أحد الأفراد من الاكتئاب المصحوب بصعوبات في النوم وتشتت الانتباه، فيعتقد أنه يعاني من اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه (ADHD) إضافة إلى الاكتئاب واضطراب النوم. إلا أن الاكتئاب وحده قد يفسر هذه الأعراض مجتمعة. وفي هذه الحالة، قد يؤدي التشخيص الذاتي إلى زيادة القلق والانشغال المفرط بالحالة، أو إلى محاولة علاج اضطرابات غير موجودة.

كما أن التشخيص الذاتي الخاطئ قد يدفع الأفراد إلى استخدام أدوية دون وصفة طبية أو اتباع أنظمة غذائية أو أساليب غير مثبتة علميًا، مما قد يزيد من تعقيد الحالة أو يؤدي إلى تفاقمها. وغالبًا ما يركز الفرد في هذه الحالة على علاج عرض واحد، مع إهمال السبب الأساسي الذي يقف وراء مجموعة الأعراض.

وفي كثير من الحالات، يتبع التشخيص الذاتي وضع خطة علاجية ذاتية، قد تتضمن إهمال العلاج بشكل كامل أو الاكتفاء بمحاولات التكيف مع الأعراض دون تدخل متخصص. ويُعد هذا النهج محفوفًا بالمخاطر، إذ إن تأخير العلاج في الاضطرابات النفسية قد يؤدي إلى نتائج سلبية، وقد يكون خطيرًا في بعض الحالات، تمامًا كما هو الحال في تأخير علاج الأمراض الجسدية.

أهمية طلب المساعدة من الأخصائيين في الصحة النفسية

يُعد التشخيص المهني الخطوة الأولى نحو التعافي السليم من أي حالة طبية، سواء كانت نفسية أو جسدية أو مزيجًا من الاثنين. إذ يوفّر التشخيص الدقيق إطارًا واضحًا لفهم الحالة، ويساعد في وضع خطة علاجية مناسبة تستند إلى احتياجات الفرد.

في السياق العلاجي، يُشجَّع الأفراد على المشاركة الفعّالة في عملية العلاج، من خلال التعبير عن مخاوفهم، وشرح تأثير الأعراض في حياتهم اليومية، ومشاركة استنتاجاتهم الشخصية المبنية على تجاربهم أو قراءاتهم. ويساعد هذا التعاون الأخصائي في استكشاف الخيارات العلاجية المناسبة لكل حالة.

بناءً على التشخيص، يتم إعداد خطة علاجية فردية تأخذ في الاعتبار خصائص الفرد واحتياجاته، وقد تشمل هذه الخطة:

  • العلاج الدوائي عند الحاجة.
  • العلاج النفسي (العلاج بالكلام).
  • تدخلات أخرى مساندة.

وتشير الأدلة إلى أن الجمع بين العلاج الدوائي والعلاج النفسي غالبًا ما يكون أكثر فعالية من استخدام أحدهما بمفرده في العديد من الحالات.

في الختام، يتضح أن التشخيص الذاتي للاضطرابات النفسية، رغم سهولة الوصول إلى المعلومات، يحمل مخاطر متعددة قد تؤدي إلى سوء الفهم أو التأخر في العلاج. لذلك، يُعد اللجوء إلى الأخصائيين في الصحة النفسية خطوة أساسية لضمان التشخيص الدقيق والتدخل المناسب، بما يساهم في تحسين جودة الحياة وتقليل المعاناة المرتبطة بهذه الاضطرابات.

المرجع

The Health Risks of Self-Diagnosing Mental Disorders https://www.news-medical.net/health/The-Health-Risks-of-Self-Diagnosing-Mental-Disorders.aspx