ترجمة: أ. نوره الدوسري
التعامل مع موضوع الموت من أكثر الأمور صعوبة على الكبار، فكيف يكون الحال بالنسبة للأطفال الذين ما زالت مفاهيم الحياة والموت لديهم في طور التكوين والنمو. إن فقدان شخص عزيز تجربة مؤلمة ومربكة، وقد يشعر الأهل أنفسهم بالحزن الشديد والعجز، ومع ذلك يبقى من المهم جدًا أن يجد الطفل من يرشده ويدعمه بطريقة صحيحة وواضحة تساعده على فهم ما حدث والتكيف معه تدريجيًا.
الموت قد يحدث بطرق مختلفة؛ فقد يكون مفاجئًا دون مقدمات، أو متوقعًا بعد مرض طويل، أو نتيجة حادث، أو يحدث بشكل تدريجي. وفي جميع الحالات، يحتاج الطفل إلى تفسير بسيط وصادق يساعده على فهم الواقع دون خوف أو ارتباك زائد. إن الهدف الأساسي من الحديث مع الطفل ليس إزالة الحزن، بل مساعدته على فهمه والتعامل معه بطريقة صحية.
فيما يلي مجموعة من الإرشادات المهمة التي تساعد الأهل على التحدث مع الطفل حول الموت بطريقة داعمة وآمنة.
أولًا: قول الحقيقة منذ البداية
من المهم أن يتحدث الأهل مع الطفل بصدق حول ما حدث، دون إخفاء أو تزييف للواقع. الطفل غالبًا يلاحظ تغيّر مشاعر الكبار مثل الحزن أو البكاء، وإذا لم يحصل على تفسير واضح فقد يبدأ بتخيّل تفسيرات خاطئة تزيد من خوفه وقلقه.
عندما يتم إخبار الطفل بالحقيقة بطريقة بسيطة، فإنه يشعر بالأمان أكثر، حتى وإن كان الخبر مؤلمًا. الصدق يساعد الطفل على فهم أن الحزن أمر طبيعي يحدث عند فقدان شخص نحبه.
ثانيًا: توقع ردود فعل مختلفة من الطفل
الأطفال لا يتفاعلون جميعًا بالطريقة نفسها. قد يبكي بعضهم بشدة، وقد يغضب آخرون، وقد يصمت بعضهم وكأن شيئًا لم يحدث، بينما قد يطرح البعض الكثير من الأسئلة المتكررة. جميع هذه الاستجابات طبيعية.
من المهم أن يفهم الأهل أن الطفل قد لا يعبر عن حزنه فورًا، وقد يحتاج إلى وقت حتى يستوعب الفقد. لذلك يجب عدم استعجال الطفل أو الحكم على طريقة تفاعله.
ثالثًا: تقبّل مشاعر الطفل دون رفض أو تقليل
عندما يعبر الطفل عن حزنه أو غضبه أو خوفه، يحتاج إلى من يستمع له ويقبله دون انتقاد أو تقليل من مشاعره. قول عبارات مثل “لا تبكِ” أو “كن قويًا” قد يجعل الطفل يشعر بأنه لا يُسمح له بالحزن.
بدلًا من ذلك، من الأفضل أن يشعر الطفل بأن كل ما يشعر به مقبول وطبيعي، وأن البكاء أو الحزن ليس شيئًا خاطئًا.
رابعًا: استخدام كلمات واضحة وصريحة
من الأخطاء الشائعة استخدام عبارات غير مباشرة مثل “ذهب في رحلة” أو “نام ولن يستيقظ” أو “رحل إلى مكان بعيد”. هذه العبارات قد تربك الطفل وتجعله يعتقد أن الشخص سيعود أو أنه نائم فقط.
استخدام كلمات واضحة مثل “مات” أو “توفي” يساعد الطفل على فهم الحقيقة بشكل صحيح، ويمنع سوء الفهم أو الخوف من النوم أو السفر أو الانفصال.
خامسًا: تقديم المعلومات بشكل تدريجي
ليس من الضروري إعطاء كل التفاصيل للطفل دفعة واحدة. الأفضل هو تقديم المعلومات على مراحل صغيرة، ثم مراقبة ردود فعل الطفل وما يطرحه من أسئلة.
كلما طرح الطفل سؤالًا، يمكن الإجابة عليه ببساطة وصدق دون الدخول في تفاصيل معقدة قد لا تناسب عمره. هذه الطريقة تساعد الطفل على استيعاب الفقد بشكل تدريجي دون صدمة نفسية كبيرة.
سادسًا: قبول قول “لا أعرف”
ليس مطلوبًا من الأهل أن يمتلكوا إجابات لكل الأسئلة. قد يسأل الطفل عن أمور مثل: لماذا حدث الموت؟ ماذا يحدث بعد الموت؟ أو أسئلة أخرى صعبة لا يوجد لها إجابة واضحة.
في هذه الحالات من الأفضل أن يكون الرد صادقًا وبسيطًا مثل: “لا أعرف الإجابة” أو “هذا أمر لا نعرفه تمامًا”. هذا النوع من الصدق يبني الثقة بين الطفل والأهل.
سابعًا: السماح بالبكاء والتعبير عن الحزن
البكاء وسيلة طبيعية للتعبير عن المشاعر. عندما يرى الطفل والديه يبكون، فإنه يتعلم أن الحزن أمر طبيعي وليس شيئًا يجب إخفاؤه.
من المفيد أيضًا أن يبكي الأهل مع الطفل إذا شعروا بذلك، لأن ذلك يعزز الشعور بالمشاركة العاطفية ويخفف من الإحساس بالوحدة.
ثامنًا: إشراك الطفل في طقوس الوداع
يمكن للطفل أن يشارك في بعض الأنشطة المرتبطة بالوداع مثل اختيار صورة للشخص المتوفى، أو اختيار قطعة موسيقية، أو المساعدة في تحضير مراسم التوديع.
هذا النوع من المشاركة يعطي الطفل شعورًا بأنه جزء من الحدث، ويمنحه إحساسًا بسيطًا بالسيطرة في موقف صعب ومؤلم.
تاسعًا: احترام طريقة الطفل الخاصة في الحزن
بعض الأطفال قد يفضلون الصمت أو اللعب أو الانعزال بعد الفقد، بينما قد يستمر آخرون في طرح الأسئلة. لا توجد طريقة واحدة صحيحة للحزن.
يجب ترك الطفل يعبر عن مشاعره بطريقته الخاصة دون إجباره على التصرف بطريقة معينة.
عاشرًا: تهيئة الطفل لما سيراه في العزاء
من المهم شرح ما سيحدث في مراسم العزاء بطريقة مناسبة لعمر الطفل. يجب توضيح من سيكون موجودًا، وما الذي سيحدث، وكيف قد تكون مشاعر الناس.
الحادي عشر: دعم الطفل خلال المراحل القادمة
بعد فقدان شخص عزيز، سيواجه الطفل مواقف جديدة مثل الأعياد والمناسبات بدون وجود هذا الشخص. لذلك من المهم التحدث معه مسبقًا حول هذه المواقف ومساعدته على التفكير في طرق للتعامل معها.
الثاني عشر: الاستمرار في الحوار حول الفقد
الحزن لا ينتهي في يوم أو أسبوع، بل هو عملية طويلة قد تستمر لفترة. لذلك يجب أن يكون الأهل مستعدين للحديث عن الموضوع أكثر من مرة، والإجابة عن أسئلة الطفل في أي وقت يحتاج فيه إلى ذلك.
الثالث عشر: الحفاظ على الروتين اليومي
وجود روتين ثابت يساعد الطفل على الشعور بالأمان والاستقرار. لذلك يُفضل الاستمرار في الذهاب إلى المدرسة، والنوم في الأوقات المعتادة، وممارسة الأنشطة اليومية قدر الإمكان.
الرابع عشر: السماح بالضحك واللحظات السعيدة
الحزن لا يعني توقف الفرح. يمكن للطفل أن يضحك ويتذكر لحظات جميلة مع الشخص المتوفى. هذا لا يقلل من قيمة الحزن، بل يساعد على التوازن النفسي.
الخامس عشر: عدم وضع وقت محدد للحزن
كل طفل يختلف عن الآخر في مدة التعافي من الفقد. لا يوجد وقت محدد يجب أن “ينتهي” فيه الحزن. بعض الأطفال يحتاجون وقتًا أطول من غيرهم، وهذا أمر طبيعي تمامًا.
السادس عشر: الاهتمام بصحة الأهل النفسية
الأهل أيضًا يحتاجون إلى الدعم والراحة. عندما يعتني الأهل بأنفسهم ويظهرون مشاعرهم بشكل صحي، فإن الطفل يتعلم منهم كيف يتعامل مع الحزن بطريقة سليمة.
السابع عشر: عدم إخفاء الحزن عن الطفل
إخفاء الحزن بشكل كامل قد يجعل الطفل يعتقد أن التعبير عن المشاعر أمر غير مقبول. عندما يرى الطفل والديه حزينين ويبكون، فإنه يفهم أن هذه مشاعر طبيعية تحدث للجميع.
الثامن عشر: عدم تجنب الحديث عن الشخص المتوفى
الحديث عن الشخص الذي مات ومشاركة الذكريات معه يساعد الطفل على التكيف. تجنب ذكره قد يجعل الطفل يشعر أن هذا الشخص أصبح موضوعًا محظورًا أو مخيفًا.
الخلاصة
التحدث مع الطفل عن الموت يحتاج إلى صدق، وهدوء، وصبر، وتعاطف. من خلال تقديم المعلومات بطريقة بسيطة وواضحة، واحترام مشاعر الطفل، وإشراكه في فهم ما يحدث، يمكن مساعدته على تجاوز هذه التجربة المؤلمة بطريقة صحية.
إن الهدف ليس إزالة الحزن، بل مساعدة الطفل على فهمه والتعامل معه بطريقة تساعده على النمو العاطفي والنفسي بشكل سليم، مع الحفاظ على شعوره بالأمان والارتباط بمن حوله.
المرجع
The Do’s and Don’ts of Talking With a Child About Death Parenting tips to help grieving children. https://www.psychologytoday.com/us/blog/two-takes-on-depression/201612/the-dos-and-donts-of-talking-with-a-child-about-death





