ترجمة: أ. نورة الدوسري
كان الإفصاح الذاتي يُعدّ في السابق أمرًا غير مقبول في العلاج النفسي، إلا أنه أصبح اليوم يُنظر إليه بشكل متزايد كوسيلة لتعزيز التواصل مع المستفيدين ومساعدتهم على الشعور بأنهم مفهومون ومُقدَّرون. ومع ذلك، لا تزال الأسئلة حول ماذا نشارك، ومتى نشارك، وكيف نشارك ومتى ينبغي التزام الصمت تُربك حتى أكثر الأخصائيين خبرة. فيما يلي أبرز النقاط التي ينبغي أخذها في الاعتبار.
العلاقة بين الإفصاح الذاتي والعمل العلاجي
يتذكر الأخصائيون دائمًا المرة الأولى التي شعروا فيها برغبة في مشاركة شيء شخصي مع أحد المستفيدين. بالنسبة للأخصائية النفسية الإكلينيكية “جين هنريتي”، حدث ذلك خلال عامها الأول من التدريب. كان أحد المستفيدين يعاني من صعوبات في إدارة الوقت، وقد تحولت هذه الصعوبة مؤخرًا إلى عبء كبير. قال لها: “أراهن أنكِ لا تعرفين كيف يبدو هذا الشعور.”
في الواقع، كانت تعرف تمامًا ما يعنيه ذلك. لكن تدريبها لم يُعِدّها لهذا الموقف. شعرت بأن المستفيد يحتاج إلى أن يراها كشخص إنساني، إلا أن معظم تدريبها ركّز على الإفصاحات المرتبطة بسير الجلسة فقط، مثل التعبير عن الفخر بتقدم المستفيد أو الإشارة إلى مواضع التعثر، دون التطرق إلى مدى ملاءمة مشاركة جوانب من حياتها الشخصية خارج إطار الجلسة. في تلك اللحظة، لم تكن تعرف كيف تتصرف.
يُعدّ الإفصاح الذاتي من القضايا التي يواجهها جميع الأخصائيين في مرحلة ما من مسيرتهم المهنية. فبعد أن كان يُنظر إليه كأمر يجب تجنبه، بدأ المجال العلاجي يدرك دوره في إضفاء الطابع الإنساني وتعزيز العلاقة العلاجية، وأصبح يُستخدم بدرجات متفاوتة كأداة ضمن أدوات الأخصائي. ومع ذلك، تختلف برامج التدريب في تناولها لهذا الموضوع، وبعضها لا يتطرق إليه بشكل كافٍ، مما يترك العديد من الأخصائيين، خاصة في بداياتهم، في حالة من التردد.
في المقابل، يدرك الأخصائيون مخاطر الإفراط في الإفصاح. فقد أصبحت صورة الأخصائي الذي يتجاوز الحدود ويجعل الجلسة تتمحور حوله شائعة، وتشير بعض التحليلات إلى أن هذا السلوك يُعد من أكثر الشكاوى انتشارًا بين المستفيدين السابقين.
من “اللوح الفارغ” إلى الانفتاح
كان رائد التحليل النفسي، سيغموند فرويد، واضحًا في موقفه: يجب على الأخصائي ألا يكشف عن نفسه. إذ رأى أن على الأخصائي أن يكون كمرآة تعكس ما يقدمه المستفيد فقط، وأن يحافظ على قدر من “البرود العاطفي” لضمان الموضوعية.
ورغم أن هذا التوجه لا يزال قائمًا لدى بعض المدارس، إلا أن مناهج علاجية أحدث تبنت نظرة أكثر مرونة. فقد أشار مؤسس العلاج المعرفي السلوكي، آرون بيك، إلى أن الإفصاح المدروس يمكن أن يُستخدم كنموذج للسلوك الصحي أو كأداة لحل المشكلات. كما ترى المدارس الإنسانية أن المشاركة الأصيلة تُسهم في تحقيق توازن في العلاقة العلاجية، بينما تؤكد الاتجاهات النسوية ومتعددة الثقافات والداعمة لمجتمعات التنوع أن الإفصاح قد يكون وسيلة قوية لمواجهة الشعور بالخجل وتعزيز التحالف العلاجي.
ومع ذلك، حتى أكثر هذه الاتجاهات انفتاحًا تتعامل مع الإفصاح بحذر، إذ تشير الأبحاث إلى أنه ليس إيجابيًا أو سلبيًا بشكل مطلق، بل يعتمد تأثيره على السياق.
فوائد الإفصاح الذاتي
تشير الأدبيات البحثية إلى أن الإفصاح الذاتي، عند استخدامه بشكل مناسب، يرتبط بزيادة شعور المستفيدين بالألفة والدفء والمصداقية لدى الأخصائي. كما يرتبط أيضًا بتعزيز العلاقة العلاجية وزيادة استعداد المستفيدين للإفصاح عن أنفسهم.
وقد تمتد آثار الإفصاح الإيجابية إلى ما بعد انتهاء العلاج، حيث يتذكر المستفيدون لسنوات طويلة بعض اللحظات التي شارك فيها الأخصائي شيئًا شخصيًا في توقيت مناسب. وغالبًا لا تكون هذه المشاركات عميقة أو معقدة، بل بسيطة ولكنها جاءت في اللحظة التي كان المستفيد بحاجة إليها.
كما يمكن أن يكون للإفصاح المتعلق بالهوية أثر خاص، خاصة لدى الفئات التي تبحث عن الشعور بالأمان والفهم. فعندما يشارك الأخصائي جانبًا من هويته أو تجربته المشابهة، قد يُسهم ذلك في تعزيز الشعور بالأمان والانتماء لدى المستفيد.
سلبيات الإفصاح الذاتي
على الرغم من فوائده، إلا أن الإفصاح الذاتي ليس خاليًا من المخاطر. فقد يؤدي إلى تقليل إدراك المستفيد لخبرة الأخصائي أو سلطته المهنية، أو قد يُسبب شعورًا بعدم الارتياح لدى بعض المستفيدين.
كما قد يؤدي الإفصاح العاطفي الثقيل إلى شعور المستفيد بأنه بحاجة إلى دعم الأخصائي بدلًا من تلقي الدعم منه. وقد يكون التوقيت غير المناسب سببًا في إفساد تأثير الإفصاح، خاصة إذا حدث في وقت مبكر جدًا من العلاقة العلاجية.
بالإضافة إلى ذلك، يختلف تأثير الإفصاح من مستفيد لآخر، بل وقد يختلف لدى المستفيد نفسه حسب حالته المزاجية أو السياق اللحظي.
قواعد أساسية للإفصاح الذاتي
1. التدرج
ينبغي أن يكون الإفصاح تدريجيًا، خاصة في بداية العلاقة العلاجية، لضمان وضوح الأدوار والتركيز على احتياجات المستفيد.
2. التخصيص حسب المستفيد
يجب مراعاة خصائص المستفيد، مثل عمره وقيمه وشخصيته، عند اتخاذ قرار الإفصاح.
3. وجود هدف واضح
ينبغي أن يكون لكل إفصاح هدف علاجي محدد، مثل تعزيز الشعور بالأمان أو تقليل الشعور بالخجل.
4. الإيجاز والندرة
يُفضل أن يكون الإفصاح مختصرًا وغير متكرر، حتى يحافظ على قيمته وتأثيره.
5. تجنب القضايا غير المعالجة
لا ينبغي مشاركة تجارب شخصية لا تزال مؤلمة أو غير معالجة، حتى لا تؤثر سلبًا على المستفيد.
6. العمومية عند الشك
يمكن مشاركة أفكار عامة دون الخوض في تفاصيل شخصية دقيقة، مما يحقق الهدف دون تجاوز الحدود.
7. الصدق
يجب أن يكون الإفصاح صادقًا، لأن المستفيدين غالبًا ما يلاحظون عدم الأصالة.
8. الثقة بالحدس المهني
مع الخبرة، يطوّر الأخصائي القدرة على التمييز بين اللحظات المناسبة وغير المناسبة للإفصاح.
خلاصة
يبقى الإفصاح الذاتي أداة حساسة في العمل العلاجي، يمكن أن تُحدث فرقًا كبيرًا إذا استُخدمت بحكمة، وقد تكون ضارة إذا أسيء استخدامها. التوازن بين الإفراط والتجنب هو المفتاح، ويتطلب ذلك وعيًا مستمرًا، وخبرة، وتأملًا ذاتيًا من قبل الأخصائي.
وفي النهاية، قد لا يحتاج المستفيد دائمًا إلى تفاصيل شخصية بقدر ما يحتاج إلى شعور حقيقي بأن الأخصائي يفهمه. أحيانًا، تكون أبسط عبارة “أنا أعرف تمامًا ما تشعر به” كافية لبناء هذا الجسر الإنساني.
المرجع
How Much Should Therapists Reveal About Themselves? Once seen as verboten, self-disclosure is increasingly recognized as a means of connecting with clients and helping them feel seen. But what, when, and how to share—and when to stay silent—can still stump even the most seasoned therapists. Here’s what to keep in mind. https://www.psychologytoday.com/us/articles/202511/how-much-should-therapists-reveal-about-themselves





