ترجمة: أ. نوره الدوسري
يستفيد الباحثون من اللدونة العصبية لمساعدة كبار السن على التكيّف مع التغيّرات وتعزيز الوظائف المعرفية
أهم النقاط
- أظهرت تدخلات مبتكرة ومدعومة علميًا، تساعد كبار السن على تبنّي سلوكيات جديدة تتعلق باللياقة والتغذية والتعلّم، أنها تحسّن الصحة المعرفية وتُطيل مدتها.
- تشير الأبحاث إلى أن تعلّم مهارات جديدة متعددة ضمن بيئة داعمة يمكن، مع مرور الوقت، أن يمكّن كبار السن من تحقيق نتائج في الاختبارات المعرفية مماثلة لنتائج الشباب.
- في حين أن التمييز العمري الداخلي قد يدفع كبار السن للاعتقاد بأنهم غير قادرين على التعلّم، فإن المعتقدات الإيجابية حول التقدّم في العمر ترتبط بصحة أفضل وعمر أطول.
يُعدّ التعلّم أولوية أساسية لدى الشباب، إذ يحتاجون إلى اكتساب مهارات عديدة للنجاح في الحياة. لكن ماذا لو كان التعلّم بنفس الأهمية في منتصف العمر والشيخوخة؟ تشير الأدلة المتزايدة إلى أن البالغين الأكبر سنًا الذين ينخرطون في أنشطة معرفية معقدة—مثل تعلّم استخدام تطبيق جديد أو تعلّم لغة أجنبية—يمكنهم تقليل خطر التدهور العقلي وزيادة قدرتهم على العيش باستقلالية لفترة أطول.
ومع ذلك، لا تكون هذه الفرص متاحة دائمًا بسهولة؛ إذ يحتاج كثير من البالغين في منتصف العمر وكبار السن إلى المبادرة بأنفسهم للبحث عن طرق تعزز قدراتهم العقلية. ويأمل الباحثون أن تتوسع المجتمعات في توفير فرص تعلّم ميسّرة لهذه الفئة، سواء عبر الإنترنت أو بالحضور المباشر.
تشير بعض الآراء المجتمعية إلى أن التعلّم مخصص للأطفال أكثر من البالغين، لكن هذا الافتراض قد يكون خاطئًا. إذ تُظهر الدراسات أن كبار السن الذين ينخرطون في بيئات تعلّم داعمة يمكنهم تحسين قدراتهم المعرفية بشكل ملحوظ، إلى جانب تعزيز ثقتهم بقدرتهم على التعلّم.
كما أن تبنّي المعتقدات السلبية حول الشيخوخة قد يؤدي إلى نتائج عكسية، حيث يبدأ الأفراد بتشكيل حياتهم بما يتماشى مع تلك المعتقدات. في المقابل، ترتبط النظرة الإيجابية للتقدّم في العمر بتحسن الصحة وزيادة متوسط العمر.
تعلّم مهارات واقعية
رغم دراسة التدخلات المعرفية لعقود، فإن نتائج بعض تمارين “تدريب الدماغ” التقليدية كانت محدودة من حيث تأثيرها على الحياة اليومية. فمثلًا، قد يصبح الشخص ماهرًا في لعبة ذهنية معينة، لكنه لا يكتسب بالضرورة مهارات عملية مثل إدارة حساباته البنكية عبر الإنترنت.
لذلك، اتجه الباحثون إلى تصميم تدخلات تركز على تعلّم مهارات حقيقية. في إحدى الدراسات، شارك بالغون تتراوح أعمارهم بين 58 و86 عامًا في برنامج مكثف تعلّموا خلاله عدة مهارات جديدة مثل استخدام الأجهزة اللوحية، أو تعلّم لغة جديدة، أو الرسم.
وقد تم توفير بيئة تعليمية داعمة، تُشجّع على طرح الأسئلة وتعتبر الأخطاء جزءًا طبيعيًا من عملية التعلّم. وكانت النتائج لافتة؛ إذ تحسنت قدرات المشاركين في الذاكرة والانتباه لتصبح مماثلة لفئات عمرية أصغر، بل واستمرت هذه التحسينات بعد انتهاء البرنامج.
الأهم من ذلك، أن العديد من المشاركين اكتسبوا ثقة أكبر بأنفسهم، واستمروا في تعلّم مهارات جديدة بعد انتهاء الدراسة، مما يعكس أثرًا طويل المدى للتجربة.
التكيّف مع التغيرات في العمل
تشير البيانات إلى أن عددًا متزايدًا من كبار السن يواصلون العمل لفترة أطول مقارنة بالأجيال السابقة، مما يجعل تعلّم مهارات جديدة أمرًا ضروريًا للبقاء في سوق العمل.
لكن التعلّم في هذا العمر قد يكون أكثر تحديًا، إذ تنخفض بعض القدرات مثل سرعة المعالجة والذاكرة مع التقدم في العمر، ما يجعل عملية التعلّم تبدو أكثر جهدًا. وهذا بدوره يؤثر على الدافعية وثقة الفرد بقدرته على التعلّم.
أحد العوامل الحاسمة في استمرار الأفراد في التعلّم هو ما يُعرف بـ”الكفاءة الذاتية”، أي إيمان الشخص بقدرته على النجاح في المهمة. كلما ارتفعت هذه القناعة، زادت احتمالية الاستمرار في التعلّم.
كما يفضّل كبار السن عادةً تعلّم مهارات مرتبطة بخبراتهم السابقة أو ذات فائدة مباشرة في حياتهم، بعكس الشباب الذين قد يستكشفون مجالات متنوعة. ولهذا، فإن تصميم برامج تدريبية موجهة لاحتياجات الفرد قد يكون أكثر فعالية.
كبار السن والتكنولوجيا
تُظهر الأدلة أن كبار السن قادرون على تعلّم استخدام التكنولوجيا حتى في حال وجود تراجع بسيط في القدرات المعرفية. ففي دراسات حديثة، تلقى المشاركون تدريبًا على استخدام الأجهزة اللوحية لإدارة شؤونهم اليومية مثل الخدمات البنكية أو تنظيم الأدوية.
اعتمدت هذه البرامج على تقسيم المهام إلى خطوات بسيطة، مع توفير وقت كافٍ للتعلّم والتكرار، بالإضافة إلى تقديم تغذية راجعة مستمرة عند الخطأ. وكانت النتائج إيجابية؛ إذ تحسنت مهارات المشاركين بشكل ملحوظ، وزادت ثقتهم في استخدام التكنولوجيا.
كما أظهرت دراسات أخرى أن تعلّم استخدام تطبيقات مثل الخرائط أو خدمات النقل يمكن أن يعزز استقلالية كبار السن ويقلل من شعورهم بالعزلة. فالعزلة الاجتماعية ترتبط بزيادة مخاطر التدهور المعرفي، بينما يساعد التواصل الاجتماعي في الحفاظ على صحة الدماغ.
حتى التقنيات الحديثة مثل الواقع الافتراضي أثبتت فعاليتها، حيث تمكن المشاركون من التفاعل مع الآخرين واستكشاف أماكن جديدة بشكل افتراضي، مما ساهم في تحسين الحالة النفسية والمعرفية لديهم.
نمط حياة يعزز صحة الدماغ
لا يقتصر الحفاظ على الصحة المعرفية على التعلّم فقط، بل يرتبط أيضًا بنمط الحياة بشكل عام. فقد أظهرت دراسات أن التدخلات الشاملة التي تجمع بين التغذية الصحية، النشاط البدني، التفاعل الاجتماعي، والتدريب المعرفي تؤدي إلى تحسينات ملحوظة في الوظائف العقلية.
وفي برامج أخرى، ساعدت الجلسات الجماعية التي تتضمن تحديد الأهداف والمتابعة على تعزيز التزام المشاركين بتغيير نمط حياتهم، مما انعكس إيجابيًا على أدائهم المعرفي.
ومع تطور التكنولوجيا، يتوقع الباحثون أن تسهم الأدوات الرقمية والذكاء الاصطناعي في تخصيص هذه التدخلات بما يتناسب مع احتياجات كل فرد، مما يوسّع نطاق الاستفادة منها.
دور الفضول والعلاج النفسي
من الجوانب الإيجابية في التقدم في العمر أن بعض القدرات تتحسن، مثل “ما وراء المعرفة” (الوعي بقدراتنا الخاصة). إذ يصبح كبار السن أكثر قدرة على تحديد ما هو مهم والتركيز عليه أثناء التعلّم.
كما يلعب الفضول دورًا مهمًا في تحفيز الدماغ. فبينما قد ينخفض الفضول كصفة شخصية مع العمر، فإن الفضول اللحظي—أي الاهتمام بالأشياء الجديدة والمثيرة—يزداد، مما يساعد على تنشيط التعلم.
أما العلاج النفسي، خاصة العلاج المعرفي السلوكي، فيُعد مثالًا واضحًا على إمكانية التعلّم في جميع الأعمار. إذ يساعد الأفراد على اكتساب مهارات جديدة للتعامل مع التحديات اليومية، وتنظيم المشاعر، وبناء عادات صحية.
وقد أظهر كبار السن قدرة مماثلة للشباب على الاستفادة من هذه العلاجات، مما يؤكد أن التعلّم ليس محدودًا بمرحلة عمرية معينة.
الخلاصة
تشير الأدلة العلمية بوضوح إلى أن الدماغ يظل قادرًا على التعلّم والتكيف طوال الحياة بفضل اللدونة العصبية. إن الانخراط في تعلّم مهارات جديدة، خاصة في بيئات داعمة، لا يحسّن فقط الأداء المعرفي، بل يعزز الثقة بالنفس والاستقلالية وجودة الحياة.
وبينما قد تواجه هذه الفئة تحديات مثل نقص الفرص أو ضيق الوقت أو المعتقدات السلبية، فإن الحل يكمن في توفير بيئات تعليمية مرنة ومناسبة، وتشجيع ثقافة التعلّم مدى الحياة.
في النهاية، التعلّم ليس مجرد نشاط مرتبط بمرحلة الشباب، بل هو أداة أساسية لحماية الدماغ، وتعزيز الصحة، ومواكبة التغيرات في مختلف مراحل الحياة.
المرجع
How learning protects the aging brain https://www.apa.org/monitor/2026/04-05/learning-protects-aging-brain





