ترجمة: أ. نوره الدوسري
ماذا يعني أن يكون الشخص منبسطًا وعالي الحساسية؟
تشير التقديرات الواردة في الفيلم الوثائقي Sensitive: The Untold Story إلى وجود ما يقارب 1.4 مليار شخص حول العالم من المشخّصين بارتفاع الحساسية (Highly Sensitive Persons – HSPs)، أي ما يعادل نحو 15–20% من إجمالي السكان. ووفقًا لأبحاث عالمة النفس Elaine Aron، فإن ما يقارب 30% من هذه النسبة هم من المنبسطين عاليي الحساسية، أي ما يقارب 420 مليون شخص.
ورغم هذا العدد الكبير، فإن هؤلاء الأفراد غالبًا ما يتم تصنيفهم بشكل غير دقيق، إذ يتم دمجهم ضمن فئة المنبسطين عمومًا أو إطلاق مسميات مثل “المنطوي المنبسط” أو “المنبسط التأملي”، وهو ما يؤدي إلى طمس الفروق الحقيقية بينهم وبين غيرهم.
الفرق بين الانطواء والانبساط وارتفاع الحساسية
من المهم التمييز بين:
الأشخاص المشخّصين بارتفاع الحساسية (سواء كانوا منطوين أو منبسطين)
والأشخاص غير المشخّصين بهذه السمة
جميع المشخّصين بارتفاع الحساسية يشتركون في أربع خصائص رئيسية حدّدتها Elaine Aron، ويُرمز لها باختصار (D.O.E.S):
المعالجة العميقة للمعلومات (Depth of Processing)
الاستثارة الزائدة (Overstimulation)
الاستجابة العاطفية والتعاطف (Emotional Responsiveness & Empathy)
الحساسية للتفاصيل الدقيقة (Sensitivity to Subtleties)
في المقابل، فإن بقية السكان (حوالي 80%) لا يمتلكون هذه الخصائص مجتمعة.
لماذا يحدث الخلط؟
ازداد الخلط بين مفاهيم الانطواء والانبساط وارتفاع الحساسية مع انتشار كتب مؤثرة مثل:
The Introvert Advantage
Quiet: The Power of Introverts in a World That Can’t Stop Talking
حيث قدمت هذه الكتب تعريفات واسعة للانطواء، شملت صفات مثل:
التأمل
الحساسية
التفكير العميق
الحاجة للعزلة
وهي في الواقع صفات تتطابق بدرجة كبيرة مع خصائص الأشخاص المشخّصين بارتفاع الحساسية، مما أدى إلى تداخل المفاهيم.
وقد أشارت Elaine Aron إلى أن تعريف الانطواء في كتاب Quiet يكاد يتطابق مع تعريف الحساسية المرتفعة كما ورد في أول الأبحاث العلمية المنشورة عام 1997.
ماذا عن المنبسط عالي الحساسية؟
هنا يبرز السؤال المهم: كيف يمكن أن يكون الشخص منبسطًا وفي الوقت نفسه عالي الحساسية؟
الشخص المنبسط عالي الحساسية يجمع بين خصائص تبدو متناقضة ظاهريًا، فهو:
يستمتع بالتفاعل الاجتماعي والتواصل مع الآخرين
لكنه يحتاج إلى وقت كافٍ من العزلة لاستعادة طاقته
يعالج المعلومات بعمق
ويتأثر بسهولة بالمحفزات الحسية والعاطفية
هذا يعني أنه قد يستمتع بالأنشطة الاجتماعية، لكنه يعود منها مرهقًا ويحتاج إلى وقت أطول للراحة والمعالجة الداخلية.
خصائص الشخص المنبسط عالي الحساسية
الأشخاص المنبسطون عالي الحساسية يتميزون بعدد من السمات، من أبرزها:
التأمل والعمق الفكري
التعاطف العالي مع الآخرين
الحساسية للمحفزات البيئية
الإبداع والرؤية المستقبلية
الاهتمام بالقضايا الإنسانية والاجتماعية
وغالبًا ما يعملون في مجالات مثل:
التعليم
الإرشاد
العمل الإنساني
الإبداع الأدبي أو الفني
التوازن بين الداخل والخارج
يحتاج الشخص المنبسط عالي الحساسية إلى تحقيق توازن دقيق بين:
العالم الداخلي:
التفكير العميق
التأمل
استعادة الطاقة
المعالجة النفسية للأحداث
العالم الخارجي:
التفاعل الاجتماعي
التجارب الجديدة
التعبير عن الأفكار
تحقيق الأهداف
عند البقاء لفترة طويلة في العالم الداخلي فقط، قد يشعر الشخص بالخمول أو انخفاض الدافعية.
وعند الانغماس الزائد في العالم الخارجي، قد يعاني من الإرهاق والاستثارة الزائدة.
الفرق بين المنبسط عالي الحساسية و”المتوازن” (Ambivert)
من المهم التفريق بين:
المنبسط عالي الحساسية (HSE)
الشخص المتوازن (Ambivert)
الشخص المتوازن يمكنه التنقل بسهولة بين الانطواء والانبساط دون معاناة كبيرة من الاستثارة الزائدة أو المعالجة العميقة.
أما الشخص المنبسط عالي الحساسية:
فيعاني من الاستثارة الزائدة بسهولة
ويحتاج إلى وقت لمعالجة التجارب
ويتأثر بالتفاصيل الدقيقة
ويعيش انفعالات عاطفية أعمق
طبيعة العلاقات والتواصل
يفضل الأشخاص المنبسطون عالي الحساسية:
العلاقات العميقة بدل السطحية
التواصل الصادق المبني على الثقة
التفاعل مع عدد محدود من الأشخاص المقربين
كما أنهم:
لا يفضلون الأحاديث السطحية
لكن يمكنهم الانخراط فيها بعد بناء اتصال عاطفي
يستمتعون بالمشاركة اللفظية أكثر من الكتابة عند البحث عن الوضوح
الاستثارة المثلى
من التحديات الأساسية التي يواجهها هؤلاء الأفراد:
إيجاد مستوى الاستثارة المثالي
حيث أن:
قلة التحفيز تؤدي إلى الملل والقلق
وكثرة التحفيز تؤدي إلى الإرهاق
لذلك، يحتاجون إلى:
اختيار أنشطة “جديدة” لكن مناسبة لهم
التحكم في بيئتهم
معرفة حدودهم الشخصية
الدوافع والقيم
بعكس الصورة النمطية للمنبسطين، فإن الأشخاص المشخّصين بارتفاع الحساسية (سواء كانوا منطوين أو منبسطين) لا تحركهم بشكل أساسي المكافآت الخارجية مثل:
المال
المكانة الاجتماعية
الشهرة
بل يهتمون أكثر بـ:
المعنى في الحياة
العلاقات العميقة
العدالة الاجتماعية
التأثير الإيجابي
وقد يفضلون وظائف أقل دخلًا إذا كانت أكثر معنى وإشباعًا نفسيًا.
تغيرات عبر العمر
تختلف خصائص المنبسط عالي الحساسية مع التقدم في العمر:
في مرحلة الشباب: يكون أكثر نشاطًا اجتماعيًا
في مرحلة النضج: يصبح أكثر انتقائية في علاقاته وأنشطته
حيث يفضل البيئات:
الآمنة
الصادقة
العميقة
التحديات الشائعة
من أبرز التحديات التي يواجهها هؤلاء الأفراد:
الشعور بسوء الفهم من الآخرين
الخلط بين هويتهم (هل هم منطوون أم منبسطون؟)
الإرهاق الناتج عن التفاعل الاجتماعي
الحاجة المستمرة لتحقيق التوازن
الفروق بين المنبسط عالي الحساسية والمنطوي عالي الحساسية
تشير الأبحاث إلى أن الفروق بينهما ليست كبيرة، لكنها تشمل:
المنبسط يفضل التعبير الشفهي عن الأفكار
المنطوي يفضل التعبير الكتابي
المنبسط يسعى للتفاعل الخارجي بعد استعادة طاقته
المنطوي يفضل البقاء في العالم الداخلي لفترات أطول
خلاصة
من الضروري التمييز بين أربع فئات رئيسية:
المنبسط عالي الحساسية
المنطوي عالي الحساسية
المنبسط غير عالي الحساسية
المنطوي غير عالي الحساسية
ولا يمكن فهم هذه الفروق دون مراعاة خصائص (D.O.E.S) التي تميز الأشخاص المشخّصين بارتفاع الحساسية.
وفي النهاية، تؤكد Elaine Aron أن هذه السمات ناتجة عن عوامل وراثية متعددة، وأن المصطلحات ما زالت في تطور مستمر مع تقدم البحث العلمي.
خاتمة
إن فهم طبيعة الشخص المنبسط عالي الحساسية يساعده على:
تقبل ذاته
تنظيم طاقته
اختيار بيئته بعناية
تطوير استراتيجيات فعالة للعناية الذاتية
كما يساعد المختصين والأهالي على تقديم دعم أكثر دقة وفعالية، قائم على فهم الفروق الفردية الحقيقية بدلًا من التصنيفات العامة.
المرجع
Introversion, Extroversion and the Highly Sensitive Person What does it mean to be an extroverted highly sensitive person? https://www.psychologytoday.com/us/blog/the-highly-sensitive-person/201805/introversion-extroversion-and-the-highly-sensitive-person





