ترجمة: أ. نوره الدوسري
كيف تفهم الاستجابات العاطفية والحسية العميقة لدى الأطفال؟
تُوصف التربية كثيرًا بأنها رحلة تعلّم مستمرة، مليئة بالتحديات التي تتطلب قدرًا كبيرًا من التواضع والصبر. فمهما خطّط الوالدان أو استعدّا، يبقى الأطفال خاصة أولئك الذين يتمتعون بحساسية عالية تجاه المشاعر والمثيرات الحسية قادرين على تجاوز التوقعات واختبار حدودها بشكل مستمر.
قد يُلاحظ بعض الأهالي أن أطفالهم يبكون عند أبسط المواقف، أو ينسحبون فجأة عند سماع صوت مرتفع، أو يتأثرون عاطفيًا بمواقف قد تبدو بسيطة للآخرين. وغالبًا ما يتم تفسير هذه السلوكيات على أنها “مبالغة” أو “لفت انتباه”، إلا أن الحقيقة العلمية تشير إلى أن هؤلاء الأطفال يعيشون تجاربهم الداخلية بدرجة أعمق وأكثر كثافة مقارنة بأقرانهم.
لكن السؤال المهم هو: كيف يمكن التمييز بين الطبع القوي أو الشخصية الحساسة طبيعيًا، وبين الحساسية المرتفعة التي قد تؤثر على تكيف الطفل إذا لم يتم فهمها ودعمها بشكل مناسب؟ فيما يلي علامتان مدعومتان علميًا تساعدان في فهم هذا النمط من الأطفال بشكل أدق.
العلامة الأولى: استجابات عاطفية غير متناسبة مع الموقف
من الطبيعي أن ينزعج الطفل عند السقوط أو الفشل، لكن عندما تؤدي مواقف بسيطة مثل ملاحظة من المعلم أو خطأ اجتماعي بسيط إلى ردود فعل عاطفية شديدة وممتدة، فقد يكون ذلك مؤشرًا على حساسية عاطفية مرتفعة.
الأطفال ذوو الحساسية العالية غالبًا ما يشعرون بالمشاعر بدرجة أكبر وأكثر عمقًا من غيرهم. وترتبط هذه السمة بما يُعرف في الأبحاث العلمية باسم الحساسية المرتفعة للمعالجة الحسية (Sensory Processing Sensitivity – SPS)، وهي سمة مزاجية تشير إلى أن الطفل يعالج المعلومات الحسية والعاطفية بشكل أعمق وأكثر تفصيلًا.
هذه السمة لا تعني وجود اضطراب، بل تعكس طريقة مختلفة في استقبال العالم والتفاعل معه. الأطفال ذوو هذه الحساسية يكونون أكثر تأثرًا بالمثيرات الإيجابية والسلبية على حد سواء، مما يجعلهم أكثر عرضة للانفعالات القوية.
تشير الدراسات إلى أن ارتفاع الحساسية العاطفية يرتبط بزيادة احتمالية ظهور المشكلات الداخلية، مثل القلق والاكتئاب، خاصة في البيئات التي تفتقر إلى الدعم أو التفهم من قبل الوالدين. وقد أظهرت إحدى الدراسات الحديثة في علم النفس النمائي (2025) أن الأطفال ذوي الحساسية البيئية المرتفعة يكونون أكثر عرضة للمشكلات النفسية عندما ينشؤون في بيئات غير داعمة.
من الأنماط السلوكية التي قد تظهر لدى هؤلاء الأطفال:
شعور بالحزن أو الضيق بشكل شديد ومستمر بعد مواقف بسيطة
القلق المفرط أو الانزعاج من النزاعات اليومية
تفسير النقد البنّاء على أنه رفض شخصي
القلق العميق من المواقف الاجتماعية
صعوبة في تجاوز التجارب السلبية بسرعة
الطفل عالي الحساسية لا “يبالغ” كما قد يُعتقد، بل هو يشعر بالفعل بعمق أكبر. فالتجارب التي قد يمر بها الآخرون بشكل عابر، قد تكون بالنسبة له تجارب مؤثرة وطويلة الأمد.
لذلك، فإن وصف هذا الطفل بأنه “درامي” أو “ضعيف” قد يؤدي إلى تجاهل احتياجاته الحقيقية، في حين أن ما يحدث هو انعكاس مباشر لعمق تجربته الداخلية.
العلامة الثانية: المواقف “العادية” قد تكون مرهقة حسيًا
قد يلاحظ بعض الأهالي أن أطفالهم لا يستمتعون بالمواقف التي يُفترض أنها ممتعة، مثل حفلات أعياد الميلاد أو الأماكن المزدحمة، أو حتى الأنشطة الصفية العادية. بل قد يظهر عليهم التوتر أو الانسحاب في مثل هذه البيئات.
السؤال هنا: متى يتحول الانزعاج الطبيعي إلى مؤشر على حساسية حسيّة مرتفعة؟
تشير الأبحاث إلى أن الاستجابة الحسية المرتفعة تُعد من السمات الأساسية لدى الأطفال ذوي الحساسية العالية. فهم يتفاعلون بشكل أقوى مع المثيرات الحسية مثل الأصوات، الإضاءة، الروائح، والملمس.
بمعنى آخر، ما يعتبره الآخرون “صوتًا مرتفعًا عاديًا” قد يكون بالنسبة لهم مزعجًا جدًا، وما يبدو “نشاطًا ممتعًا” قد يكون مرهقًا لهم.
هؤلاء الأطفال لا يلاحظون التفاصيل فقط، بل إن أجهزتهم العصبية مهيأة للاستجابة لها بعمق أكبر. وهذا يجعلهم أكثر عرضة للإجهاد الحسي، الذي قد يظهر في صورة نوبات انفعال أو انسحاب.
من الأمثلة الشائعة على ذلك:
تجنب الأصوات المرتفعة أو الشعور بالذعر منها
استجابات عاطفية قوية مرتبطة بروائح أو ذكريات
الانزعاج من بعض أنواع الملابس أو ملمس الأقمشة
تفضيل اللعب الهادئ على الأنشطة الجماعية الصاخبة
إظهار سلوكيات انسحابية مثل تغطية الأذنين أو رفض المشاركة
ماذا لا تعني الحساسية العاطفية والحسية؟
من المهم توضيح بعض المفاهيم الخاطئة المرتبطة بهذا الموضوع:
هذه الحساسية ليست اضطرابًا، بل سمة مزاجية طبيعية
ليست “مرحلة مؤقتة” في كثير من الحالات، بل قد تستمر مع الطفل إلى مرحلة البلوغ
لا تعني أن الطفل ضعيف، بل تشير إلى عمق في المعالجة العاطفية والحسية
تشبيه علمي لفهم الأطفال ذوي الحساسية المرتفعة
تشير الأبحاث الحديثة إلى أن الأطفال يمكن أن يُفهموا من خلال نموذج تشبيهي يُقسّمهم إلى نوعين رئيسيين:
أطفال الأوركيد (Orchids):
يمثلون نسبة تتراوح بين 15% إلى 20% من الأطفال، ويتميزون بحساسية عالية تجاه البيئة. جهازهم العصبي يستجيب بقوة للمثيرات، مما يجعلهم أكثر عرضة للتوتر في البيئات غير الداعمة.
لكن في المقابل، عندما ينشؤون في بيئة داعمة ومنظمة، فإنهم يزدهرون بشكل ملحوظ، ويُظهرون مستويات عالية من الإبداع والتركيز.
أطفال الهندباء (Dandelions):
يمثلون الغالبية من الأطفال، ويتمتعون بمرونة أكبر وقدرة على التكيف مع مختلف البيئات. لا يتأثرون بسهولة بالمثيرات الصغيرة، ويمكنهم العمل والنجاح في ظروف متنوعة.
هذا النموذج لا يهدف إلى تصنيف الأطفال بشكل صارم، بل إلى مساعدتنا على فهم الفروق الفردية، وتكييف أساليب التربية بما يتناسب مع احتياجات كل طفل.
ماذا يعني ذلك للوالدين؟
فهم أن الطفل عالي الحساسية يحتاج إلى دعم خاص لا يعني حمايته من كل صعوبة، بل يعني مساعدته على تطوير مهاراته العاطفية بطريقة صحية.
تشير الأبحاث إلى مجموعة من الممارسات التربوية الفعّالة:
توفير بيئة متوقعة ومنظمة
الأطفال ذوو الحساسية العالية يستفيدون من الروتين الواضح والتوقعات المحددة، خاصة في أوقات التغيير أو التوتر.احترام الحدود الحسية للطفل
تجنب وصف الطفل بأنه “انتقائي” أو “صعب”، بل محاولة فهم ما يرهقه وما يساعده على الشعور بالراحة.استخدام التعاطف بدلًا من التقليل من المشاعر
عبارات مثل “أنت حساس جدًا” أو “توقف عن المبالغة” قد تؤدي إلى إضعاف ثقة الطفل بنفسه. بدلاً من ذلك، يجب الاعتراف بمشاعره ومساعدته على فهمها.تعزيز المرونة العاطفية تدريجيًا
ليس الهدف إزالة التحديات، بل مساعدة الطفل على التعامل معها بشكل تدريجي دون شعور بالإرهاق.
خلاصة
لا يوجد طفل “مبالغ فيه” أو “صعب بطبيعته”، ولكن هناك أطفال يشعرون ويعالجون العالم بعمق أكبر من غيرهم.
عندما يتم فهم هذه الحساسية بشكل صحيح، وتوفير بيئة داعمة ومتوازنة، يمكن أن تتحول هذه السمة إلى نقطة قوة كبيرة، تُسهم في تطوير الإبداع، التعاطف، والوعي الذاتي لدى الطفل.
إن إدراك هذه العلامات ليس نهاية الطريق، بل هو بداية لفهم أعمق لطفلك، وبناء علاقة قائمة على التقبّل والدعم، مما يساعده على النمو بثقة وتوازن في عالم قد يكون بالنسبة له أكثر شدة وتعقيدًا.
المرجع
Two Signs You’re Raising a Hyper-Sensitive Child Two ways to recognize if your child has deep emotional and sensory responses.





