ترجمة: أ. نوره الدوسري
يُقال إن السلوك يكون تخريبيًا للذات عندما يؤدي إلى خلق مشكلات في الحياة اليومية ويعيق تحقيق الأهداف طويلة المدى. وتشمل أكثر أشكال السلوك التخريبي الذاتي شيوعًا التسويف، واللجوء إلى المواد مثل المخدرات أو الكحول كوسيلة للتعامل مع الضغوط، والإفراط في تناول الطعام بدافع الراحة، وكذلك أشكال إيذاء النفس مثل الجرح أو القطع.
في كثير من الأحيان، لا يكون الأفراد على وعي بأنهم يقومون بتخريب أنفسهم، كما أن الربط بين سلوك معين ونتائجه السلبية لا يضمن بالضرورة التوقف عنه. ومع ذلك، فإن التغلب على معظم أشكال التخريب الذاتي يُعد أمرًا ممكنًا. حيث يمكن للعلاجات السلوكية أن تساعد في كسر الأنماط الراسخة من التفكير والسلوك، وتعزيز القدرة على التفكير المتأني وضبط النفس. كما يمكن للعلاجات التحفيزية أن تُسهم في إعادة ربط الأفراد بأهدافهم وقيمهم الأساسية.
لماذا يقوم الأفراد بتخريب أنفسهم؟
توجد العديد من الأسباب التي قد تدفع الفرد إلى التصرف بطريقة تضر بصحته النفسية أو الجسدية أو الاجتماعية. فبعض الأفراد يقضون جزءًا كبيرًا من حياتهم في صراع مع رغبات قوية مثل الطعام، أو الشراب، أو القمار، أو غيرها من الإغراءات التي قد تحمل تكلفة عالية على صحتهم أو علاقاتهم.
إلا أن العوامل المؤدية إلى التخريب الذاتي قد تكون أحيانًا أكثر خفاءً وتعقيدًا، مثل تراكم معتقدات غير وظيفية أو مشوهة، تدفع الأفراد إلى التقليل من قدراتهم، أو كبت مشاعرهم، أو حتى الانفعال على من حولهم. هذه المعتقدات قد تتشكل عبر تجارب سابقة أو أنماط تربوية أو ضغوط بيئية، وتستمر في التأثير على السلوك دون وعي مباشر.
كيف يمكنني معرفة ما إذا كنت أقوم بتخريب نفسي؟
قد يكون من الصعب التعرف على السلوك التخريبي الذاتي، خاصة أن نتائجه لا تظهر دائمًا بشكل فوري، مما يجعل الربط بين السلوك والنتيجة غير واضح. ومن الطرق المفيدة لاكتشاف ذلك هو تقييم مدى توافق سلوكياتك مع أهدافك طويلة المدى. فإذا وجدت أن تصرفاتك لا تدعم تلك الأهداف، فقد يكون ذلك مؤشرًا على وجود سلوك تخريبي ذاتي.
ما هي أشكال التخريب الذاتي المختلفة؟
يمكن أن يظهر التخريب الذاتي في صور متعددة، حيث قد يعيق الأفراد أنفسهم بطرق مختلفة ولأسباب متنوعة. ومن أكثر هذه الأشكال شيوعًا: التسويف، والمثالية المفرطة، والمشكلات في العلاقات، والصعوبات في العمل، وسوء إدارة المال، وضعف تنظيم الوقت، ومقاومة التغيير.
على سبيل المثال، قد يسعى الشخص المثالي إلى إتمام مهمة بشكل كامل وخالٍ من الأخطاء، مما يدفعه إلى تجاهل التقدم التدريجي. في حين أن تحقيق تقدم بسيط ومستمر قد يكون أكثر فاعلية في الوصول إلى الهدف النهائي.
لماذا أميل دائمًا إلى التسويف؟
يميل الأفراد إلى التسويف عندما تكون المهام المرتبطة بهم مثيرة للقلق أو التوتر. إذ يتيح تأجيل المهمة تجنب هذه المشاعر السلبية، حتى وإن كان ذلك يمنع تحقيق أهداف طويلة المدى قد تحقق الرضا والسعادة. كما تُسهم المشتتات مثل وسائل التواصل الاجتماعي، أو وضع مواعيد نهائية غير محددة مثل “سأفعل ذلك الأسبوع القادم”، في تعزيز سلوك التسويف.
لماذا أميل إلى التقليل من نفسي؟
قد يظهر سلوك التقليل من الذات عندما يواجه الأفراد صعوبة في الإيمان بقدراتهم. ويُعد هذا النمط أكثر شيوعًا لدى بعض الفئات، حيث يمكن أن تؤدي المبالغة في التواضع إلى إعاقة النجاح، من خلال تقويض الثقة بالنفس، وكذلك تقليل ثقة الآخرين في قدرات الفرد. وتشير الأبحاث إلى أن الأفراد الذين يقللون من أنفسهم غالبًا ما يكونون محبوبين اجتماعيًا، ولكن يُنظر إليهم على أنهم أقل كفاءة.
لماذا أقوم بتخريب علاقاتي؟
إن بناء علاقة عميقة يتطلب درجة من الانكشاف العاطفي، وهو ما قد يثير مشاعر عدم الأمان لدى بعض الأفراد، مثل الخوف من فقدان العلاقة أو انخفاض تقدير الذات أو مواجهة مشاعر غير مريحة. وقد يدفع هذا الخوف البعض إلى محاولة حماية أنفسهم من الألم العاطفي من خلال تخريب العلاقة بشكل غير واعٍ. ويمكن أن يساعد استكشاف هذه المشاعر والمخاوف ضمن إطار علاجي في كسر هذا النمط.
لماذا يصعب عليّ التخلص من الإدمان؟
يلجأ بعض الأفراد إلى الكحول أو المخدرات كوسيلة للهروب من المشاعر الصعبة. ومع مرور الوقت، قد تتشكل لديهم تصورات مشوهة حول هذه السلوكيات، مثل الاعتقاد بأنهم بحاجة إلى الكحول ليكونوا مقبولين اجتماعيًا، رغم أن الواقع قد يثبت عكس ذلك. وتُضاف إلى هذه المعتقدات التغيرات العصبية الحيوية التي تحدث في الدماغ، مما يجعل التغلب على الإدمان تحديًا كبيرًا.
كيف يمكنني التوقف عن التخريب الذاتي؟
يُعد توثيق السلوك وتحليله خطوة أساسية في الحد من التخريب الذاتي. حيث يمكن للأفراد ملاحظة الأوقات التي يشعرون فيها بالتوتر، وتسجيل مصدر هذا التوتر، وكذلك الطريقة التي استجابوا بها. ومن خلال ذلك، يمكنهم التعرف على المعتقدات الخاطئة أو الضارة التي قد تكون وراء هذا السلوك، والعمل على استبدالها باستجابات أكثر صحة، مثل التعبير عن المشاعر، أو ممارسة النشاط البدني، أو تطوير هوايات جديدة.
كيف أحدد محفزات السلوك التخريبي الذاتي؟
تحدث أنماط التفكير الضارة في كثير من الأحيان بشكل تلقائي دون وعي. وللكشف عنها، يُنصح بزيادة الوعي بالأفكار. يمكن للفرد ملاحظة اللحظات التي يشعر فيها بمشاعر سلبية قوية، والتساؤل حول الأفكار التي سبقت هذه المشاعر مباشرة. ومع تكرار هذا التمرين، يصبح من الممكن تحديد المحفزات الأساسية للسلوك التخريبي الذاتي.
كيف أتوقف عن تخريب علاقاتي؟
يمكن البدء بفهم أنماط العلاقات التي نشأت في الطفولة، وتحديد المحفزات الحالية التي تؤدي إلى السلوك التخريبي، مثل افتعال المشكلات أو إلقاء اللوم على الشريك. ويمكن استخدام الكتابة اليومية كأداة للمساعدة في هذا التحليل. كما يُعد تعلم تحمل قدر من الانزعاج العاطفي، والاستجابة بسلوك صحي بدلاً من السلوك التلقائي، خطوة مهمة في هذا السياق. بالإضافة إلى ذلك، فإن التواصل مع الشريك حول هذه الأنماط، وممارسة التعاطف مع الذات، يُسهمان في بناء علاقات أكثر استقرارًا في المستقبل.
كيف أتوقف عن تخريب نجاحي؟
تتمثل الخطوة الأولى في تحديد النمط الذي يعيق النجاح بشكل أكبر، سواء كان التسويف، أو تدني تقدير الذات، أو سوء اتخاذ القرارات المالية. بعد ذلك، يمكن تحديد المحفزات المرتبطة بهذا السلوك، ووضع خطة واضحة للاستجابة بشكل مختلف. على سبيل المثال، إذا كانت السلبية في بيئة العمل تمثل تحديًا، يمكن للفرد أن يخطط لتقديم تعليق إيجابي واحد يوميًا. كما يُنصح بالتركيز على التحسن التدريجي بدلاً من السعي إلى الكمال، مما يساعد على تحقيق تقدم مستمر نحو الأهداف.
كيف أتوقف عن التسويف؟
يمكن أن يكون من المفيد البدء في تنفيذ المهمة دون التفكير في المشروع بالكامل أو الجدول الزمني الكامل. حيث إن البدء حتى لو بجزء صغير يساعد على تعزيز الدافعية وتغيير النظرة إلى المهمة. كما يُسهم التخطيط المسبق للسلوك، وتحديد كيفية التعامل مع المواقف، وتقليل المشتتات حتى وقت معين، في الحد من التسويف وزيادة الإنتاجية.
خاتمة
يُعد التخريب الذاتي نمطًا سلوكيًا معقدًا قد يتخذ أشكالًا متعددة، وغالبًا ما يكون مرتبطًا بمعتقدات داخلية وتجارب سابقة تؤثر على سلوك الفرد بشكل غير واعٍ. وعلى الرغم من صعوبة التعرف عليه والتخلص منه، فإن زيادة الوعي الذاتي، وتحليل السلوك، وتبني استراتيجيات جديدة، يمكن أن تساعد الأفراد على كسر هذه الأنماط، وبناء حياة أكثر توازنًا ورضا. إن التغيير لا يتطلب الكمال، بل يبدأ بخطوات صغيرة ومتدرجة نحو تحسين السلوك وتحقيق الأهداف طويلة المدى.
المرجع
Self-Sabotage
https://www.psychologytoday.com/us/basics/self-sabotage#how-to-stop-self-sabotaging





