الأبعاد السبعة لخدمات تحليل السلوك التطبيقي

ما هو العلاج الجسدي (Somatic Therapy)؟

 

ترجمة : أ. نوره الدوسري

 

يستكشف العلاج الجسدي الكيفية التي يعبّر بها الجسد عن التجارب المؤلمة العميقة، ويعتمد على دمج العقل والجسد في عملية الشفاء للمساعدة في التعافي من الصدمات النفسية. تقوم الفكرة الأساسية لهذا النوع من العلاج على أن الصدمة لا تظل مجرد ذكرى ذهنية، بل يمكن أن “تُسجَّل” داخل الجسد على مستوى عميق، حتى على المستوى الخلوي. وما يعنيه ذلك لكل فرد — وكيف يمكنه التعافي من التجارب الصادمة التي مرّ بها — هو محور هذا النهج العلاجي الحديث نسبيًا في مجال الصحة النفسية.

لقد ساهم الانتشار الواسع لكتاب The Body Keeps the Score في زيادة وعي الجمهور بأن الصدمة تؤثر بعمق في الإنسان، ليس فقط نفسيًا، بل جسديًا أيضًا. ومع ذلك، لا يزال العلاج الجسدي أقل انتشارًا وفهمًا واستخدامًا مقارنة بأساليب علاجية أكثر رسوخًا مثل العلاج المعرفي السلوكي (CBT)، كما أن الأدلة البحثية الداعمة له ما تزال محدودة نسبيًا حتى الآن، وفقًا لخبراء من جامعة هارفارد.

ما هو العلاج الجسدي؟

من المرجّح أن كثيرًا من الأشخاص لم يسمعوا بالعلاج الجسدي من قبل. توضّح أماندا بيكر، مديرة مركز القلق واضطرابات الصدمة وأخصائية علم النفس السريري في قسم الطب النفسي بمستشفى ماساتشوستس العام، أن هذا النوع من العلاج لم ينتشر بعد بشكل واسع، بخلاف أساليب أخرى تعتمد على الربط بين العقل والجسد مثل التأمل الواعي (Mindfulness)، وتقنيات تقليل التوتر القائم على الوعي (MBSR)، أو التعاطف مع الذات (MSC)، والتي تشهد انتشارًا متزايدًا.

تتمثل الفكرة الجوهرية للعلاج الجسدي في كونه نهجًا يركّز على الجسد، وعلى كيفية ظهور المشاعر داخله. فبحسب هذا التوجه، يحتفظ الجسد بالتجارب والانفعالات ويعبّر عنها. وقد تصبح الأحداث الصادمة أو المشكلات العاطفية غير المحلولة “عالقة” داخل الجسد، مما يؤدي إلى استمرار تأثيرها بطرق جسدية ونفسية.

من هم الأشخاص الذين قد يستفيدون من العلاج الجسدي؟

غالبًا ما تظهر المشاعر المزعجة في الجسد بطرق قد تكون مُرهِقة ومُعيقة للحياة اليومية. لذلك، يهدف العلاج الجسدي إلى تفريغ هذه المشاعر من شدّتها وتأثيرها، مما يساعد على تخفيف الألم الجسدي والمظاهر الأخرى المرتبطة بالتوتر، مثل اضطرابات النوم أو صعوبة التركيز.

يمكن أن تنشأ هذه المشاعر من مجموعة متنوعة من الحالات النفسية والظروف الحياتية، والتي قد يساعد العلاج الجسدي في التخفيف منها، ومن أبرزها:

  • اضطراب ما بعد الصدمة

  • الحزن المعقّد

  • الاكتئاب

  • القلق

  • صعوبات الثقة والعلاقات الحميمة

  • مشكلات تقدير الذات

توضح بيكر أن القلق، على سبيل المثال، قد يؤدي إلى توتر عضلي ملحوظ، خاصة في مناطق مثل الرقبة، والكتفين، والفك، والظهر. وهذا التوتر يمكن أن يسبب ألمًا جسديًا، وتيبّسًا، وصعوبة في أداء الأنشطة اليومية.

وتضيف أن القلق المزمن يشبه إلى حد كبير الضغط المستمر على دواسة الوقود؛ فهو ليس بالضرورة نوبة هلع حادة، ولكن الشخص لا يشعر بالراحة أبدًا، ويظل جسده في حالة استنزاف مستمرة نتيجة هذا التوتر المزمن.

كيف يختلف العلاج الجسدي عن العلاجات الحوارية؟

تركّز العلاجات الحوارية التقليدية مثل العلاج المعرفي السلوكي (CBT) بشكل أساسي على العقل، حيث تساعد الأفراد على التعرف على أنماط التفكير والسلوك غير المريحة، والعمل على تعديلها. بمعنى آخر، يتم العمل على المستوى المعرفي (الأفكار) والسلوكي دون التركيز المباشر على الإحساس الجسدي.

أما في العلاج الجسدي، فإن الجسد هو نقطة البداية في عملية الشفاء. إذ يعمل هذا النهج على تنمية وعي الفرد بالأحاسيس الجسدية، وتعليمه كيف يشعر بالأمان داخل جسده أثناء استكشاف أفكاره ومشاعره وذكرياته.

تشير بيكر إلى أن العلاج المعرفي السلوكي يركّز على الأفكار الواعية، ويهدف إلى تحدّي هذه الأفكار وربطها بالسلوكيات، كما يساعد على تقليل الحساسية تجاه المشاعر غير المريحة. في المقابل، يركّز العلاج الجسدي على تخفيف التوتر الجسدي نفسه، بدلًا من مجرد التكيّف معه أو تقليل تأثيره.

حتى التأمل الواعي (Mindfulness)، والذي يعتبره بعض الخبراء ضمن الأساليب الجسدية، يختلف عن العلاج الجسدي في جانب مهم. فالتأمل الواعي يسمح بمرور المشاعر والأفكار دون إصدار أحكام، بينما يركّز العلاج الجسدي بشكل مباشر ومحدد على الأحاسيس الجسدية المرتبطة بهذه المشاعر.

كيف يتم تطبيق العلاج الجسدي؟

يقوم المعالج الجسدي بمساعدة الأفراد على تحرير المشاعر المكبوتة أو الضارة المختزنة داخل الجسد، وذلك باستخدام مجموعة متنوعة من تقنيات الربط بين العقل والجسد. وتتنوع هذه التقنيات بشكل كبير، وقد تشمل:

  • الضغط بالإبر (Acupressure)

  • التنويم المغناطيسي

  • تمارين التنفس

  • الحركة أو الرقص

إلى جانب هذه الأساليب المعروفة، توجد تقنيات أخرى أقل شيوعًا لكنها تُعد جزءًا أساسيًا من هذا النوع من العلاج، ومنها:

  1. الوعي الجسدي (Body Awareness):
    يساعد هذا الأسلوب الأفراد على ملاحظة مناطق التوتر داخل الجسد، وربطها بالحالات النفسية، بالإضافة إلى تعزيز القدرة على استحضار أفكار مهدئة.

  2. التذبذب (Pendulation):
    يقوم هذا الأسلوب على إرشاد الفرد للتنقّل بين حالة من الاسترخاء ومشاعر قريبة من التجربة الصادمة، ثم العودة مرة أخرى إلى حالة الاسترخاء، بهدف معالجة المشاعر تدريجيًا دون إغراق.

  3. المعايرة التدريجية (Titration):
    يتضمن هذا الأسلوب استحضار الذكريات الصادمة بشكل تدريجي، مع التركيز على الأحاسيس الجسدية المصاحبة لها، والعمل على التعامل معها في الوقت الفعلي.

  4. الاستعانة بالموارد (Resourcing):
    يساعد هذا الأسلوب الأفراد على استدعاء مصادر الأمان والراحة في حياتهم، مثل أشخاص داعمين أو أماكن يشعرون فيها بالطمأنينة، لتعزيز الشعور بالأمان أثناء العلاج.

ما الذي يجب معرفته قبل التفكير في العلاج الجسدي؟

تشير بيكر إلى أن الأبحاث العلمية التي تناولت العلاج الجسدي لا تزال محدودة، وهذا أحد الأسباب التي تجعلها توصي غالبًا بالبدء بالعلاج المعرفي السلوكي (CBT)، نظرًا لوجود أدلة قوية تثبت فعاليته.

وتضيف أنه رغم قلة الأبحاث، فإن العديد من الأشخاص أفادوا بتحسن كبير بعد خضوعهم للعلاج الجسدي، لكن هذه النتائج لا تزال تعتمد بشكل كبير على الملاحظات الفردية (Anecdotal Evidence)، وليست مدعومة بنفس القوة البحثية الموجودة في العلاجات الأخرى.

من ناحية أخرى، قد تكون شركات التأمين الصحي أكثر ميلًا لتغطية تكاليف العلاج الجسدي في الحالات التي تتضمن أعراضًا شديدة مرتبطة بالصدمة النفسية، مثل النوبات. أما في الحالات الأخرى، فقد تفضّل تغطية العلاجات الأكثر شيوعًا والمعتمدة مثل العلاج المعرفي السلوكي.

كما أن العثور على معالج متخصص في العلاج الجسدي قد يكون أمرًا صعبًا نسبيًا، نظرًا لقلّة عدد الأخصائيين المدربين في هذا المجال مقارنة بالعلاجات الأخرى. لذلك، يُنصح بالبحث الدقيق والتحقق من خبرة الأخصائي قبل البدء بالعلاج.

خلاصة

العلاج الجسدي هو نهج علاجي يركّز على العلاقة العميقة بين الجسد والمشاعر، ويهدف إلى معالجة الصدمات النفسية من خلال العمل على الأحاسيس الجسدية المرتبطة بها. ورغم أنه لا يزال في طور الانتشار، إلا أنه يقدّم منظورًا مختلفًا للعلاج النفسي، يعتمد على أن الجسد ليس مجرد متلقٍ للمشاعر، بل هو جزء أساسي من عملية الشفاء.

ومع استمرار تطور هذا المجال وزيادة الاهتمام به، من المتوقع أن تتوسع الأبحاث والدراسات التي تدعم فعاليته، مما قد يجعله خيارًا علاجيًا أكثر شيوعًا في المستقبل، خاصة للأشخاص الذين يعانون من آثار الصدمات النفسية المزمنة.

المرجع:

 What is somatic therapy? https://www.health.harvard.edu/blog/what-is-somatic-therapy-202307072951