الأبعاد السبعة لخدمات تحليل السلوك التطبيقي

شيء نعيش من أجله: دروس من علم الغاية في الحياة

 

ترجمة : أ. نوره الدوسري

 

 مصادر الغاية أكثر عالمية مما قد نظن

نقاط رئيسية

  • ترتبط الغاية في الحياة بفوائد متعددة على الصحة الجسدية والنفسية.

  • حددت دراسة حديثة 16 مصدرًا للغاية، ودرست كيف يتنبأ كل منها بثلاثة أعمدة للحياة الجيدة.

  • عبر أربع ثقافات مختلفة، أظهر الناس تشابهًا ملحوظًا في تبنّيهم لمصادر الغاية هذه.

في إحدى قصص الكاتب كيرت فونيغوت، يترك الإله للبشر مهمة ابتكار غاية لكل شيء، بما في ذلك “كل هذا”. تمنحنا الغاية شيئًا نعيش من أجله، كما توفر الأساس الذي يمكننا من السعي لتحقيق ذلك الشيء. وفي حياتنا اليومية، بطرق كبيرة وصغيرة، نختبر حقيقة ما طرحه الفلاسفة منذ زمن بعيد: أن “لماذا” تقودنا إلى “كيف”.

في علم النفس، تُعرَّف الغاية بأنها “هدف مركزي في الحياة، منظم للذات، يعمل على تنظيم الأهداف وتحفيزها، وضبط السلوكيات، ومنح الإحساس بالمعنى”. وعندما تُوجَّه حياتنا بإحساس شامل بالغاية، فإننا نحصد مجموعة واسعة من الفوائد على صحتنا الجسدية والنفسية، بدءًا من زيادة الرضا عن الحياة وصولًا إلى تباطؤ التدهور المعرفي.

لكن، ما هي المصادر الشائعة التي يجد فيها البشر غايتهم؟

كتذكير مؤثر بإنسانيتنا المشتركة، فإننا غالبًا ما نستمد غايتنا من مصادر متشابهة، رغم التنوع الكبير في تفاصيل حياتنا.

 

أعمدة الحياة الجيدة

استكشفت دراسة حديثة المصادر المختلفة التي يجد فيها البشر غايتهم، ثم ربطتها بثلاثة أعمدة أساسية للحياة الجيدة، وهي: السعادة، المعنى، والثراء النفسي. وسعى الباحثون إلى فهم كيف يسهم امتلاك أنواع مختلفة من الغايات في التنبؤ بهذه الأبعاد الثلاثة.

ومن خلال تحليل أكثر من 2000 استجابة مفتوحة من مشاركين في الولايات المتحدة، حدد الباحثون (Mask وآخرون، 2025) ستة عشر مصدرًا شائعًا للغاية في الحياة، وهي:

  1. تطوير الذات: أن يصبح الفرد أفضل نسخة من نفسه من خلال اكتساب المعرفة، والاستكشاف، وممارسة الهوايات.

  2. الأسرة: إعالة الأسرة، وإنجاب الأطفال، ورعاية الأحبة.

  3. العلاقات: بناء علاقات وثيقة مع الآخرين ورعايتها، بما في ذلك الأصدقاء والشركاء العاطفيون.

  4. الدين/الروحانية: العيش بما يتماشى مع المعتقدات والقيم الدينية أو الروحية.

  5. التقدير الاجتماعي: نيل الاحترام والتقدير من الآخرين، والحصول على مكانة اجتماعية مرموقة.

  6. السعادة: الاستمتاع بالحياة والشعور بالرضا والبهجة.

  7. الاعتماد على الذات: القدرة على الاعتناء بالنفس جسديًا وماليًا، والحرية في اختيار المسار الشخصي.

  8. الثروة المادية: جمع المال والممتلكات، والقدرة على “شراء ما يريد الفرد”.

  9. المعايير الداخلية: العيش وفق المبادئ والقيم الشخصية، ومعرفة الذات وإظهار الأصالة.

  10. الأثر الإيجابي: الإسهام في جعل العالم مكانًا أفضل من خلال أعمال خيرية أو علمية أو بيئية أو سياسية.

  11. الإحساس بالأهمية (Mattering): ترك أثر دائم أو إرث، وإلهام الآخرين.

  12. الإنجاز المهني: إيجاد معنى ورسالة في العمل، والتفوق فيه.

  13. المثابرة: مواجهة تحديات الحياة والقدرة على الاستمرار رغم الصعوبات.

  14. الصحة الجسدية: العناية بالجسد وإعطاء الأولوية للصحة البدنية.

  15. السلام الداخلي: تنمية الامتنان، والتقبل، واليقظة الذهنية، وتنظيم المشاعر، والاستمتاع بالتجارب الإيجابية.

  16. الخدمة: الإسهام في رفاه الآخرين وخدمة المجتمع والوفاء بالمسؤوليات.

الغاية والحياة الجيدة عبر الثقافات

لتقييم مدى قدرة هذه المصادر المختلفة على التنبؤ بأبعاد الحياة الجيدة الثلاثة، شملت الدراسة مشاركين من أربع دول: الولايات المتحدة، وبولندا، واليابان، والهند.

وعلى الرغم من وجود اختلافات ثقافية متوسطة بين هذه الدول (مثل الفردية مقابل الجماعية)، فإن النتائج أظهرت تشابهًا ملحوظًا بين المشاركين في كيفية تبنيهم لمصادر الغاية.

فعلى سبيل المثال، جاءت السعادة، والاعتماد على الذات، والأسرة ضمن أفضل خمسة مصادر للغاية في جميع الدول، في حين جاءت الدين/الروحانية والتقدير الاجتماعي ضمن أدنى خمسة مصادر.

كما أظهرت تحليلات الارتباط بين مصادر الغاية وأبعاد الحياة الجيدة نتائج مهمة من حيث أوجه التشابه والاختلاف بين الثقافات.

الغاية والحياة ذات المعنى

عبر مختلف الثقافات، كانت أبرز مصادر الغاية التي تنبأت بحياة ذات معنى هي:

  • الإحساس بالأهمية

  • المثابرة

  • الخدمة

ومن المثير للاهتمام أن الدين/الروحانية، رغم كونه من أقل المصادر شيوعًا، كان أيضًا مؤشرًا قويًا على المعنى في الحياة.

في المقابل، جاءت السعادة، والاعتماد على الذات، والثروة المادية ضمن أقل المصادر ارتباطًا بالمعنى.

أما من حيث الاختلافات الثقافية:

  • في الهند، كانت المعايير الداخلية من أقوى مؤشرات المعنى.

  • في اليابان، كان العمل من أبرز مصادر المعنى، بينما كان الدين/الروحانية من الأقل.

  • في بولندا، احتلت الأسرة المرتبة الثانية كمصدر للمعنى.

الغاية والحياة السعيدة

كان السلام الداخلي أقوى مؤشر على السعادة عبر الثقافات، تلاه:

  • الأثر الإيجابي

  • الصحة الجسدية

  • السعادة نفسها

بينما كانت الثروة المادية، والأسرة، والاعتماد على الذات، والعمل من أقل المصادر ارتباطًا بالسعادة.

ومن الاختلافات الثقافية:

  • في اليابان، ارتبط العمل بقوة بالسعادة.

  • في الهند، كانت المعايير الداخلية هي الأقوى ارتباطًا بالسعادة.

  • في اليابان، كان الإحساس بالأهمية أقل ارتباطًا بالسعادة مقارنة ببقية الدول.

 

الغاية والحياة الغنية نفسيًا

أظهرت النتائج أن الخدمة كانت أقوى مصدر للتنبؤ بحياة غنية نفسيًا عبر الثقافات. كما برزت مصادر أخرى مثل:

  • الإحساس بالأهمية

  • تطوير الذات

  • العلاقات

في المقابل، ساهمت الثروة المادية، والاعتماد على الذات، والأسرة، والسعادة بدرجة أقل في تحقيق الثراء النفسي.

أما الاختلافات الثقافية:

  • في الهند، كانت المعايير الداخلية والثروة المادية أكثر ارتباطًا بالثراء النفسي مقارنة بالدول الأخرى.

  • في اليابان، جاء العمل في المرتبة الثانية كمصدر للثراء النفسي.

خلاصة

على الرغم من وجود بعض الفروق الثقافية المثيرة للاهتمام، خلص الباحثون إلى أن الناس في سياقات ثقافية متنوعة يظهرون تشابهًا ملحوظًا في مدى تبنيهم لمصادر الغاية الستة عشر.

وتسلط هذه النتائج الضوء على كيفية مساهمة هذه المصادر في تشكيل أبعاد الحياة الجيدة الثلاثة: المعنى، والسعادة، والثراء النفسي.

إن هذا الانشغال الإنساني العميق بالغاية قد يكون ما يساعدنا على جعل الحياة مشرقة في أوقات الازدهار، ومحتملة في أوقات الشدائد القاسية. وربما، عند التأمل العميق، نجد أن خيطًا غير مرئي يربط بين جميع مصادر الغاية المختلفة—خيطًا يتمثل في قدرتنا، بطريقة أو بأخرى، على التأثير الإيجابي في حياة الآخرين.

وكما عبّر الفيلسوف إمرسون:
“أن يكون لوجودك أثر، وأنك قد عشت وعشت جيدًا.”

المرجع

Something to Live For: Lessons from the Science of Purpose Sources of purpose are more universal than we might think.

https://www.psychologytoday.com/us/blog/between-cultures/202603/something-to-live-for-lessons-from-the-science-of-purpose