ترجمة : أ. نوره الدوسري
حان الوقت لتعلّم الفرق بين ما هو عاجل وما هو مهم
أهم النقاط
- غالبًا ما نخلط بين الانشغال والتقدّم، فنستجيب بسرعة دون التفكير في وجهتنا.
- يتطلّب العيش الجيد وقتًا للتأمل، وليس مجرد الكفاءة في الاستجابة.
- إذا لم نحدّد أولوياتنا بشكل مقصود، فإن إحساسنا بالإلحاح سيتولى اختيارها بدلًا منا.
أصبحت حياتنا تسير بوتيرة متسارعة بشكل متزايد. تصلنا رسالة نصية فنشعر بالحاجة الملحّة للرد فورًا. يظهر بريد إلكتروني فنقاطع ما نقوم به للاطلاع عليه أو الرد عليه. بل إننا أحيانًا لا نلاحظ أن الشخص الذي كنّا نتحدث معه ما يزال مستمرًا في الحديث. ننظر إلى هواتفنا فننسى ما كنّا نقوم به أو حتى إلى أين كنّا متجهين. وكأننا مثل حيوانات التجارب التي تضغط على زر للحصول على مكافأة، نستمر في الحركة بشكل أسرع فأسرع لنحصل على دفعة من الدوبامين، فنخلط بين الانشغال والتقدّم، وبين الإلحاح والأهمية.
تطنّ الإشعارات، تمتلئ الجداول الزمنية، وتقترب المواعيد النهائية. ننتقل من مهمة إلى أخرى دون أن نأخذ لحظة للنظر إلى الصورة الأكبر. لم نعد نرى “الغابة” بسبب انشغالنا بـ“الأشجار”، أو بالأحرى بسبب الأعمال الورقية والمهام الصغيرة المتراكمة. وإذا كان هناك شيء يطلب انتباهنا الآن، فإننا نفترض تلقائيًا أنه يستحق هذا الانتباه.
لكن الحقيقة هي أن العاجل والمهم ليسا الشيء نفسه.
العاجل مقابل المهم
الأمور العاجلة تتطلب اتخاذ إجراء فوري. أما الأمور المهمة فهي التي تشكّل الطريقة التي نعيش بها حياتنا. تكمن المشكلة في أن الأمور العاجلة غالبًا ما تكون أسهل في التعامل معها. فهي واضحة المعالم، محددة بوقت، ومباشرة: “رد على هذه الرسالة”، “احضر هذا الاجتماع”، “أنهِ هذا الموعد النهائي”. وعند إنجازها، تمنحنا شعورًا سريعًا ومُرضيًا بالتقدّم.
أما الأمور المهمة، فعادةً لا تكون بهذه الوضوح. وعندما نتعامل معها، فإنها لا تمنحنا دائمًا ذلك الشعور الفوري بالتقدّم. بل قد تدفعنا أحيانًا إلى الشعور بالحاجة إلى تغيير الاتجاه أو إعادة التفكير. وقد تكون مُربِكة، خاصة إذا كنّا نخشى اتخاذ قرارات كبيرة أو إجراء تغييرات جوهرية في حياتنا.
وبطبيعة الحال، هناك أمور تجمع بين كونها عاجلة ومهمة في الوقت ذاته. فإذا لم نسعَ للحصول على رعاية طبية عند التعرض لمشكلة صحية خطيرة ومفاجئة، فقد نواجه عواقب طويلة المدى. كما أنه من الطبيعي تمامًا أن نترك كل شيء للتعامل مع الطوارئ العائلية أو الأزمات. لكن هذه الحالات تُعد استثناءات وليست القاعدة.
في أغلب الأحيان، فإن القرارات المتعلقة بكيفية العناية بصحتنا، أو بناء علاقات قوية، أو التقدم في مساراتنا المهنية، تتطور بشكل تدريجي. هذه القرارات تحتاج إلى التأمل لا إلى ردود الفعل السريعة. هي لا تطالبنا بإجابات فورية، لكنها في الوقت نفسه لا يمكن تجاهلها، لأنها تؤثر بشكل عميق على مسار حياتنا.
اختيار كيفية قضاء وقتنا، ومع من نقضيه، ونوع العمل الذي ننخرط فيه، كلها من أكثر القرارات تأثيرًا في حياتنا. ومع ذلك، فهي لا تحمل ذلك الإحساس بالإلحاح الذي نشعر به عند ظهور إشعار جديد أو إضافة موعد إلى جدولنا.
عندما نستجيب للمحفزات الفورية بدلًا من التفكير في العواقب البعيدة، فإننا نحول انتباهنا تدريجيًا بعيدًا عن الأمور الأكثر أهمية. نصبح ماهرين في إدارة الأمور العاجلة، بينما نؤجل أو حتى ننسى الأمور المهمة. والنتيجة هي أننا قد نتحرك بسرعة أكبر فأكبر، لكننا في الحقيقة لا نصل إلى مكان محدد، أو لا نعرف حتى إلى أين نتجه.
مسارات الحياة
مع مرور الوقت، تتحول الأنماط التي نصنعها من خلال ردود الفعل السريعة إلى ما يمكن تسميته بـ“ مسارات الحياة”. كلما تعمّقت هذه المسارات ، أصبح من الصعب الخروج منها. الفرص التي كانت تبدو متاحة في السابق قد لا تبدو كذلك لاحقًا. والمسارات التي كانت تبدو اختيارية قد تتحول إلى مسارات حتمية نشعر أننا مجبرون على اتباعها.
بهذه الطريقة، يمكن لثقافة الاستعجال أن تقيّد حريتنا بشكل غير ملحوظ. وهذا لا يعني أن الخروج من هذه الأنماط مستحيل، بل يعني أننا نحتاج إلى أن نكون أكثر وعيًا وقصدية، وأن نبذل جهدًا أكبر لتغيير المسار الذي رسمته عاداتنا.
إن العيش الجيد لا يتحقق فقط من خلال الاستجابة الفعّالة لمتطلبات الخارج، بل يتطلب اختيار أفعالنا وبناء عاداتنا بما يعكس نوع الشخص الذي نريد أن نكونه. لكن التأمل يحتاج إلى وقت، وثقافة الاستعجال لا تترك لنا هذا الوقت بسهولة. لذلك، فإن من أولى خطوات العيش الجيد هو أن نمنح أنفسنا الوقت لاتخاذ قرارات جيدة.
هذا لا يعني تجاهل الأمور العاجلة أو المهمة. فالمواعيد النهائية لها أهميتها، والمسؤوليات كذلك. لكن التعامل مع كل مطلب فوري على أنه بنفس درجة الأهمية قد يؤدي إلى إزاحة الأنشطة والعلاقات التي تضيف المعنى الحقيقي لحياتنا.
نحن بحاجة إلى إيجاد طرق لمقاومة هذا الضغط، وخلق مساحات للتأمل حتى في غياب الأزمات. يمكن أن يشمل ذلك تخصيص وقت منتظم للتفكير بدلًا من العمل فقط، أو أخذ لحظة توقف بين استلام الطلب والاستجابة له، أو تخصيص أوقات خالية من الأجهزة خلال اليوم أو الأسبوع، لنتمكن من التواصل مع أمور أخرى أكثر عمقًا.
إذا كنا نسعى إلى بناء حدود صحية في حياتنا، فإن ممارسة قول “لا” بشكل واعٍ ومقصود يمكن أن يحمي وقتنا للعلاقات، والترفيه، والصحة، والعمل ذي المعنى. كما أن التخطيط للأمور المهمة ولكن غير العاجلة مثل ممارسة الرياضة، والحفاظ على العلاقات، والاستثمار في تطويرنا المهني يساعد على ضمان عدم إهمال هذه الجوانب حتى تختفي أو تُفرض علينا لاحقًا بسبب الظروف.
قد يبدو السؤال حول كيفية قضاء فترة بعد الظهر أمرًا بسيطًا أو غير مهم، لكن النمط المتكرر لكيفية قضاء أوقاتنا اليومية هو الذي يشكّل في النهاية من نصبح عليه. ليس كل ما هو عاجل مهم، والتحدي الحقيقي يكمن في قدرتنا على التمييز بينهما قبل أن تصنع عاداتنا حياة قد لا نرغب فيها.
المرجع
Urgency Culture Is Impeding Our Ability to Live Well It’s time to learn the difference between urgent and important.





