الأبعاد السبعة لخدمات تحليل السلوك التطبيقي

الوجه الخفي للشخصية السيكوباتية

 

 ترجمة: أ. نوره الدوسري 

 

في الحياة اليومية قد نقابل أشخاصًا يتمتعون بجاذبية لافتة وثقة عالية بالنفس، ويبدون في البداية اجتماعيين وودودين. لكن مع مرور الوقت، قد يلاحظ من حولهم أن هذه الجاذبية تخفي وراءها سلوكيات معقدة تقوم على الخداع والتلاعب وإثارة الانقسامات بين الناس. في علم النفس، ترتبط هذه الأنماط غالبًا بما يُعرف بالسمات السيكوباتية.
هذه السمات لا تعني دائمًا أن الشخص مجرم أو عنيف، لكنها تشير إلى مجموعة من الخصائص مثل ضعف التعاطف، والقدرة العالية على التلاعب بالآخرين، واستخدام الكذب بشكل استراتيجي لتحقيق مكاسب شخصية.

يهدف هذا المقال إلى تسليط الضوء على كيفية عمل هذه الشخصية، ولماذا قد تنجح أحيانًا في المجتمع أو العمل رغم سلوكياتها السلبية، وما العلامات التي قد تساعدنا على فهمها والتعامل معها بحذر.

الخداع كاستراتيجية أساسية

يشير الباحث في السيكوباتية J. Reid Meloy إلى أن الخداع يعد عنصرًا أساسيًا في السلوك السيكوباتي. فالشخص الذي يمتلك هذه السمات لا يكذب بشكل عشوائي، بل يستخدم الكذب بشكل مقصود وموجه نحو هدف محدد.

بمعنى آخر، الكذب بالنسبة له ليس مجرد رد فعل، بل هو أداة. فهو يستطيع أن يغير روايته بسرعة، أو يختار ضحية مختلفة، أو يعدّل تفاصيل القصة بما يخدم مصلحته في اللحظة نفسها. هذه المرونة في الخداع تجعل اكتشافه أمرًا صعبًا، خصوصًا عندما يكون الشخص يتمتع بمهارات اجتماعية قوية.

وفي هذا السياق، يوضح الطبيب النفسي Hervey Cleckley أن السيكوباتيين غالبًا ما يزوّرون الحقائق وهم مدركون تمامًا لما يفعلونه ولأهدافهم من وراء ذلك. أي أن الأمر ليس اندفاعًا أو خطأ غير مقصود، بل سلوك واعٍ ومتعمد.

خلق الانقسام بين الناس

لا يكتفي الشخص السيكوباتي بالخداع، بل يستخدم أيضًا أسلوبًا آخر فعالًا وهو إثارة الانقسامات بين الآخرين.
قد يظهر ذلك في مواقف مختلفة مثل:

  • مدح شخص بشكل مبالغ فيه أمام الآخرين

  • تجاهل شخص آخر أو التقليل من شأنه

  • نقل معلومات مختلفة لكل طرف

  • إشعال الخلافات دون أن يبدو أنه السبب

هذه الاستراتيجية تجعل الأشخاص المحيطين به يدخلون في حالة من الشك وسوء الفهم. في النهاية، قد يبدأ الناس في الشك ببعضهم البعض بدلًا من الشك بالشخص الذي يسبب المشكلة.

هذا النوع من التلاعب قد يظهر في العلاقات الأسرية، أو بين الأصدقاء، أو حتى داخل بيئات العمل.

عندما يحدث التلاعب داخل الأسرة

في بعض الحالات، قد يظهر هذا النمط السلوكي داخل الأسرة نفسها. وهنا يكون تأثيره مؤلمًا بشكل أكبر لأن العلاقات العائلية تقوم عادة على الثقة والاحترام المتبادل.

قد يقوم الشخص الذي يمتلك سمات سيكوباتية داخل الأسرة بـ:

  • انتهاك خصوصية أفراد العائلة

  • مشاركة معلومات خاصة دون إذن

  • وضع الأشقاء أو الأقارب في مواجهة بعضهم البعض

  • التقليل من مشاعر الآخرين أو السخرية منها

هذه الممارسات قد تجعل أفراد الأسرة يشعرون بالحيرة والارتباك. فالشخص الذي من المفترض أن يكون مصدر أمان قد يصبح مصدرًا للضغط النفسي.

النجاح في بيئة العمل رغم السلوكيات السامة

من المفارقات التي ناقشها الباحثون أن بعض الأشخاص الذين يمتلكون سمات سيكوباتية قد يحققون نجاحًا مهنيًا ملحوظًا.
يشرح عالم النفس التنظيمي Paul Babiak في دراساته أن بعض هؤلاء الأشخاص يستخدمون مزيجًا من الكاريزما والثقة بالنفس والخداع للتقدم داخل المؤسسات.

قد يحدث السيناريو التالي في بيئة العمل:

  • الزملاء يلاحظون أن الشخص غير موثوق أو أناني

  • لكنه أمام المديرين يظهر بمظهر القائد الواثق

  • يستخدم مهاراته الاجتماعية لكسب ثقة أصحاب القرار

  • وفي الوقت نفسه يضعف سمعة الآخرين بشكل غير مباشر

بمرور الوقت، قد يحصل على ترقية رغم أن زملاءه يرون أداءه الحقيقي مختلفًا.
هذا التناقض بين الصورة العامة والصورة الحقيقية هو أحد الأسباب التي تجعل اكتشاف هذه الأنماط صعبًا.

الارتباك كعلامة تحذيرية

يشير الطبيب النفسي البريطاني Neville Symington إلى أن الارتباك المستمر والمشاعر السلبية بين الأشخاص قد يكونان من العلامات التي تدل على وجود شخص يستخدم التلاعب والانقسام كوسيلة للسيطرة.

فعندما يكون هناك شخص يثير الشكوك والخلافات باستمرار، قد يجد الناس أنفسهم في حالة من:

  • التوتر الدائم

  • فقدان الثقة بالآخرين

  • الحيرة حول ما هو صحيح وما هو خاطئ

وفي بعض الحالات، قد يبدأ الضحايا في التشكيك في ذاكرتهم أو فهمهم للأحداث، وهي حالة نفسية تُعرف أحيانًا في علم النفس بالتشويش الإدراكي الناتج عن التلاعب.

لماذا يفعل السيكوباتيون ذلك؟

لفهم هذه السلوكيات، من المهم النظر إلى الدوافع النفسية الكامنة خلفها. يوضح الباحث الشهير في السيكوباتية Robert D. Hare أن بعض الأشخاص الذين يمتلكون هذه السمات قد يرتكبون أفعالًا مؤذية ببساطة لأنها تمنحهم شعورًا بالإثارة أو المتعة.

هناك عدة عوامل قد تفسر ذلك:

1. غياب التعاطف

الأشخاص الذين يمتلكون سمات سيكوباتية غالبًا ما يعانون من ضعف القدرة على التعاطف مع الآخرين.
هذا يعني أنهم قد لا يشعرون بالذنب أو الحزن عندما يتسببون في ألم شخص آخر.

2. الولاء للنفس فقط

يرى العديد من الباحثين أن السيكوباتي يضع مصلحته الشخصية فوق كل اعتبار.
العلاقات بالنسبة له قد تكون مجرد وسائل لتحقيق أهدافه، وليست روابط عاطفية حقيقية.

3. البحث عن الإثارة

قد يشعر بعض هؤلاء الأشخاص بالملل بسهولة، لذلك يبحثون عن مواقف تمنحهم شعورًا بالتشويق أو السيطرة.

4. الاستمتاع بالهيمنة

في بعض الحالات، قد يشعر الشخص السيكوباتي بالرضا عندما يتمكن من خداع الآخرين أو السيطرة عليهم نفسيًا.

من التلاعب النفسي إلى الجرائم الخطيرة

رغم أن الكثير من الأشخاص الذين يمتلكون سمات سيكوباتية لا يرتكبون جرائم عنيفة، فإن التاريخ الجنائي يظهر أن بعض المجرمين الخطيرين كانوا يمتلكون هذه السمات بدرجة عالية.

من الأمثلة الشهيرة القاتل المتسلسل David Berkowitz، الذي ارتبط اسمه بسلسلة جرائم في الولايات المتحدة في سبعينيات القرن الماضي. وقد ذكر في بعض التقارير أنه كان يشعر بنوع من النشوة بعد ارتكاب جرائمه.

هذا المثال المتطرف يوضح نقطة مهمة:
السيكوباتي قد يعرف الفرق بين الصواب والخطأ، لكنه لا يشعر بالالتزام الأخلاقي نفسه الذي يشعر به معظم الناس.

إشارات صغيرة قد تكشف الكثير

في كثير من الأحيان، لا تظهر السمات السيكوباتية بشكل واضح منذ البداية. لكنها قد تظهر عبر إشارات صغيرة مثل:

  • استخدام المجاملة المفرطة ثم التحول إلى البرود

  • التقليل من مشاعر الآخرين

  • تغيير القصص أو التفاصيل بشكل متكرر

  • التسبب في خلافات بين الناس

هذه الإشارات لا تعني بالضرورة أن الشخص سيكوباتي، لكنها قد تكون مؤشرات تستحق الانتباه.

كيف نحمي أنفسنا؟

التعامل مع الأشخاص المتلاعبين يتطلب وعيًا وحدودًا واضحة. ومن أهم الخطوات المفيدة:

  1. الثقة بالملاحظة الشخصية عندما يتكرر الشعور بالتلاعب أو الارتباك.

  2. الانتباه للتناقضات في الأقوال والأفعال.

  3. وضع حدود واضحة في العلاقات الشخصية أو المهنية.

  4. عدم الانخداع بالمظهر الخارجي فقط مثل الجاذبية أو الثقة العالية بالنفس.

  5. طلب الدعم من الأصدقاء أو المختصين إذا كان التلاعب يؤثر على الصحة النفسية.

خلاصة

الشخصية السيكوباتية موضوع معقد في علم النفس، لكن فهم بعض أنماطها يمكن أن يساعدنا على حماية أنفسنا من التلاعب النفسي.
فالأشخاص الذين يمتلكون هذه السمات قد يستخدمون الخداع، وإثارة الانقسامات، والكاريزما الاجتماعية لتحقيق أهدافهم.

ومع ذلك، فإن الوعي بهذه السلوكيات يمنحنا القدرة على التعرف عليها مبكرًا، ووضع حدود صحية في العلاقات، وبناء بيئات اجتماعية ومهنية أكثر أمانًا.

في النهاية، المعرفة النفسية ليست فقط لفهم الآخرين، بل أيضًا لحماية أنفسنا وبناء علاقات قائمة على الصدق والاحترام المتبادل.

المرجع

‏Why Do Psychopaths Do What They Do?

https://www.psychologytoday.com/us/blog/surviving-the-female-psychopath/202602/why-do-psychopaths-do-what-they-do

‏How a Psychopath Succeeds by Deceiving and Dividing

https://www.psychologytoday.com/us/blog/surviving-the-female-psychopath/202601/how-the-psychopath-deceives-and-divides