ترجمة : أ. نوره الدوسري
تشير الابحاث إلى أن أكثر سنواتنا إنتاجية غالبًا ما تكون في منتصف العمر.
نقاط رئيسية
المفتاح الأساسي للإبداع الناجح هو الإنتاجية؛ فالكثرة تقود في النهاية إلى الجودة.
لا تقضوا كل وقتكم في فكرة واحدة فقط مهما بدت عظيمة في نظركم.
قد يكون من المفيد التفكير في تغيير المسار المهني في منتصف العمر من أجل تحقيق قمم إبداعية متعددة.
إذا كنتم تسعون إلى نجاح سريع، فقد تكون المهن التي يبلغ فيها الإبداع ذروته مبكرًا خيارًا مناسبًا.
هناك افتراض غير معلن، خصوصًا في الولايات المتحدة، مفاده أن الشباب والإبداع يسيران جنبًا إلى جنب. ينتشر هذا الاعتقاد في الثقافة العامة وفي وسائل الإعلام، وغالبًا ما يتم تقديم قصص النجاح المبكر بوصفها الدليل على أن الإبداع مرتبط بالعمر الصغير.
وليس من المستغرب انتشار هذا التصور؛ فالكثير من المبدعين في مجالات الفن والأدب والموسيقى حققوا نجاحًا كبيرًا في سن مبكرة. فقد حقق عدد من الفنانين والكتّاب شهرة واسعة في شبابهم، مثل جاك كيرواك، وبوب ديلان، وزادي سميث، وتايلور سويفت. كذلك فإن العديد من الشركات الناشئة الأسرع نموًا في العالم أسسها أشخاص في العشرينات من عمرهم. ومن الأمثلة على ذلك شركات مثل ميتا وسناب شات وإير بي إن بي، حيث كان مؤسسوها شبابًا في بداية حياتهم المهنية، وبعضهم لم يُكمل حتى دراسته الجامعية.
كما يُنسب كثيرًا إلى ألبرت أينشتاين قول مفاده إن العلماء الذين لم يحققوا إسهامًا كبيرًا في مجالاتهم قبل سن الثلاثين لن يحققوا ذلك لاحقًا في حياتهم. وقد عبّر أحد زملائي الكيميائيين، عندما كان في الخامسة والخمسين من عمره، عن هذا الاعتقاد بقوله: «العلم لعبة تخص الشباب».
لكن السؤال الحقيقي هو: هل يمكن تعميم هذه الأمثلة الفردية؟ هل يمكننا بالفعل أن نستنتج أن الشباب أكثر إبداعًا من الأشخاص الأكبر سنًا؟ للإجابة عن هذا السؤال، يجب أن نحدد أولًا متى يصل الأشخاص عادةً إلى ذروة إبداعهم. ومن أجل ذلك، لا بد من النظر إلى الأبحاث العلمية التي درست الإبداع بشكل منهجي.
متى يصل الأشخاص فعليًا إلى ذروة إبداعهم؟
في كتابي الذي ألّفته مع الباحثة داناه هنريكسن بعنوان Explaining Creativity، تناولنا نتائج العديد من الدراسات التي تابعت آلاف المبدعين على مدى حياتهم المهنية، ابتداءً من العشرينات وحتى نهاية حياتهم. وقد أظهرت هذه الدراسات أن المبدعين ينتجون أفضل أعمالهم في الوقت نفسه الذي يكونون فيه الأكثر إنتاجًا.
ينطبق هذا النمط بشكل واضح خاصة لدى العلماء، لأن إنجازاتهم الإبداعية يمكن تتبعها وقياسها بدقة نسبيًا. فكل ما يقوم به العلماء يتم توثيقه من خلال عدد الأبحاث المنشورة، وعدد الاقتباسات العلمية، والكتب التي يؤلفونها، والجوائز التي يحصلون عليها، وبراءات الاختراع التي يسجلونها.
وقد يطرح البعض سؤالًا مهمًا: في أي عمر يكون العلماء غالبًا عندما يحصلون على جائزة نوبل؟ هل يميل الاختيار إلى العلماء الشباب الطموحين في بداية مسيرتهم المهنية، أم إلى الخبراء المخضرمين الذين أمضوا عقودًا طويلة في البحث؟
المثير للاهتمام أن الإجابة ليست أيًا من هذين الخيارين بشكل كامل. فالأبحاث تشير إلى أن أكثر الأشخاص إبداعًا هم أولئك الذين يكونون في منتصف مسيرتهم المهنية تقريبًا، أي ليسوا في العشرينات من عمرهم، ولكنهم أيضًا لم يقتربوا بعد من التقاعد.
ولو حاولنا تمثيل هذه النتيجة بصريًا، فسوف نجد أن الإبداع يتبع منحنى يشبه حرف U المقلوب عندما يُقاس بعمر المسيرة المهنية، أي بعدد السنوات التي قضاها الشخص في العمل داخل مجاله. بمعنى آخر، تزداد الإنتاجية مع مرور السنوات حتى تصل إلى نقطة الذروة، ثم تبدأ بعد ذلك في الانخفاض تدريجيًا.
هذا النمط يشير إلى أن الخبرة والتعلم التدريجي يسهمان في تعزيز القدرة الإبداعية مع مرور الوقت، لكن هذه القدرة قد تتراجع لاحقًا لأسباب مختلفة، مثل انخفاض الطاقة أو التغير في الاهتمامات المهنية.
اختلاف ذروة الإبداع حسب المجال
من المهم الإشارة إلى أن توقيت الذروة الإبداعية يختلف من مجال إلى آخر. فطبيعة العمل نفسه تؤثر في العمر الذي يكون فيه الشخص أكثر إبداعًا.
على سبيل المثال، تشير الدراسات إلى أن الفيزيائيين والكتّاب والرسامين غالبًا ما يبلغون ذروة إبداعهم في العشرينات أو الثلاثينات من عمرهم. في المقابل، يميل علماء الأحياء وعلماء الاجتماع إلى بلوغ ذروة إبداعهم في الأربعينات.
أما الكتّاب في مجالات مثل الأدب أو الفلسفة، فقد يتمكنون من الحفاظ على مستوى ثابت من الإنتاج والإبداع حتى سنوات متأخرة من حياتهم المهنية.
ويتوافق هذا النمط مع دراسة كلاسيكية أُجريت عام 1966، والتي وجدت أن العلماء والفنانين غالبًا ما يصلون إلى ذروة إبداعهم في سن مبكرة نسبيًا، في حين أن الباحثين في مجالات مثل التاريخ أو علم النفس يميلون إلى بلوغ ذروتهم الإبداعية في سن لاحقة.
كما أود التأكيد مرة أخرى على نتيجة مهمة كشفتها الأبحاث: إن المبدعين غالبًا ما يقدمون أهم أفكارهم وأكثرها تأثيرًا في السنوات نفسها التي يكونون فيها الأكثر إنتاجًا.
فإذا كان الشخص مخترعًا يسجل براءات اختراع بشكل متكرر، فإن البراءة التي تحقق له نجاحًا كبيرًا قد تكون في العام نفسه الذي قدم فيه أكبر عدد من البراءات. وإذا كان رسامًا، فمن المحتمل أن تكون لوحته الأكثر شهرة قد أُنجزت في العام الذي رسم فيه أكبر عدد من اللوحات.
وهذا يقودنا إلى فكرة أساسية في علم الإبداع: الإنتاجية هي المفتاح الحقيقي للإبداع الناجح. فكلما زاد عدد المحاولات والأعمال التي ينتجها الشخص، زادت احتمالية أن يظهر بينها عمل متميز أو فكرة مبتكرة. ولهذا السبب يقال إن الكمية تقود في النهاية إلى الجودة.
كيف يمكن تعظيم الإنتاج الإبداعي؟
قد يتساءل الكثير من الأشخاص عما تعنيه هذه النتائج بالنسبة إلى إنتاجهم الإبداعي الشخصي، سواء كانوا يعملون في الكتابة، أو البرمجة، أو النحت، أو الهندسة، أو أي مجال آخر يعتمد على الابتكار.
ويزداد هذا التساؤل أهمية في عالمنا المعاصر، حيث تتنافس العديد من المشتتات على انتباهنا. ففي ظل وسائل التواصل الاجتماعي والتدفق المستمر للمعلومات، أصبح الحفاظ على تركيز طويل المدى ــ وهو شرط أساسي للإبداع ــ أكثر صعوبة من أي وقت مضى.
انطلاقًا من نتائج الأبحاث، يمكن تلخيص مجموعة من المبادئ التي قد تساعد على زيادة الإنتاج الإبداعي:
أولًا، العمل الجاد وإنهاء المشاريع. ينبغي أن يكون الهدف دائمًا هو إخراج الأفكار والأعمال إلى العالم بدلاً من تركها في مرحلة التخطيط أو التفكير.
ثانيًا، عدم التركيز على فكرة واحدة فقط مهما بدت مميزة. من الأفضل توزيع الجهد على عدة أفكار أو مشاريع مختلفة، لأن ذلك يزيد فرص النجاح.
ثالثًا، إدراك أن بعض المهن أو أنواع العمل تبلغ ذروتها الإبداعية في وقت مبكر. لذلك قد يكون من المفيد التفكير في تغيير المسار المهني في الثلاثينات أو الأربعينات من العمر من أجل تجربة مجالات جديدة وتحقيق قمم إبداعية إضافية.
رابعًا، إذا كان الهدف هو تحقيق نجاح سريع، فقد تكون المهن التي يبلغ فيها الإبداع ذروته مبكرًا ــ مثل الرياضيات أو العلوم أو علوم الحاسوب أو الهندسة ــ خيارًا مناسبًا. أما إذا كان الهدف هو حياة إبداعية طويلة ومستدامة، فقد يكون من الأفضل النظر إلى مجموعة أوسع من المجالات.
القرارات التعليمية والمهنية
قد تكون محاولة تطبيق هذه المبادئ في الحياة الواقعية أمرًا صعبًا أحيانًا. فعلى سبيل المثال، قد يتساءل الطلاب في المرحلة الثانوية أو الجامعية عن التخصص الذي ينبغي عليهم اختياره.
لطالما أكدت كليات الفنون والعلوم الإنسانية أن التعليم لا يهدف فقط إلى إعداد الطلاب لوظيفتهم الأولى، بل إلى إعدادهم لمسيرة مهنية طويلة ومتنوعة.
ومع ذلك، في سوق عمل سريع التغير مثل السوق الأمريكية، يظل الحصول على الوظيفة الأولى أمرًا مهمًا. ولهذا قد يكون من المفيد التفكير في الجمع بين تخصصين مختلفين: أحدهما في مجال يبلغ ذروته المهنية مبكرًا مثل الرياضيات أو الهندسة، والآخر في مجال يمكن أن يستمر الإبداع فيه لفترة أطول مثل الأدب أو التاريخ أو الفلسفة.
أما بالنسبة للأشخاص الذين وصلوا إلى منتصف مسيرتهم المهنية، فإن هذه المرحلة غالبًا ما تمثل فترة الذروة الإبداعية. ولذلك من المهم الاستفادة من الموارد المتاحة، والعلاقات المهنية، والسمعة التي تم بناؤها خلال السنوات السابقة.
في هذه المرحلة يكون لدى الفرد عادة أساس معرفي ومهني قوي يمكّنه من إنتاج أفضل أعماله.
أما الأشخاص الذين يقتربون من التقاعد، فلا ينبغي لهم الاعتقاد بأن دورهم الإبداعي قد انتهى. على العكس من ذلك، ينبغي الاستمرار في العمل والاجتهاد كما كان الحال في سنوات الشباب، رغم أن ذلك قد يكون أكثر صعوبة من الناحية الجسدية أو النفسية.
فإذا استمر الشخص في بذل الجهد، فإن الخبرة الطويلة والحكمة المتراكمة يمكن أن تتحول إلى مصدر كبير للقيمة والإبداع.
أهمية التعاون في الإبداع
هناك جانب آخر مهم في الإبداع، وهو أنه غالبًا ما يكون عملية تعاونية. فالإبداع لا يحدث دائمًا نتيجة جهود فردية فقط، بل ينشأ في كثير من الأحيان من التعاون بين أشخاص يمتلكون خبرات ووجهات نظر مختلفة.
ولهذا يمكن توسيع الإمكانات الإبداعية من خلال التعاون بين أشخاص من أعمار مختلفة.
قد يكون من المفيد العمل مع شخص أكبر سنًا يمتلك خبرة طويلة، أو مع شخص أصغر سنًا يتمتع بأفكار جديدة ووجهات نظر حديثة. وقد يبدو هذا الأمر غير بديهي في البداية.
فالشخص الأكثر خبرة قد يتساءل عما يمكن أن يتعلمه من خريج جامعي حديث لا يملك خبرة عملية كبيرة. وفي المقابل قد يرى الشخص الأصغر سنًا أن بعض الخبرات التقليدية قديمة أو غير مناسبة للواقع الحالي.
ورغم هذه الفجوة المحتملة بين الأجيال، فإن التاريخ يظهر أن التعاون بين أشخاص من أعمار مختلفة يمكن أن يكون شديد الفاعلية.
فقد كان هناك فارق يزيد على عشرين عامًا بين الفيزيائيين نيلز بور وفيرنر هايزنبرغ عندما تعاونا في تطوير أفكار أساسية في ميكانيكا الكم. كما كان هناك فارق عمري يقارب عشرين عامًا بين لاري بايج وإريك شميدت عندما قادا معًا شركة جوجل في مراحلها المبكرة.
كذلك قام الموسيقي ليونارد برنستاين، في مرحلة متقدمة من حياته المهنية، بتأليف أعمال موسيقية استلهم فيها أفكارًا من طلابه الأصغر سنًا.
تشير هذه الأمثلة إلى أن التعاون بين الأجيال يمكن أن يجمع بين الخبرة الطويلة والطاقة الجديدة، وهو ما قد يؤدي إلى نتائج إبداعية متميزة.
وعندما يتمكن الأشخاص من مختلف الأعمار من دمج نقاط قوتهم المختلفة، فإن التعاون عبر عقود من الخبرة الحياتية يصبح أحد أكثر الطرق فاعلية لتعزيز الإبداع وتحقيق الابتكار.
المرجع
Is Creativity a Young Person’s Game?
https://www.psychologytoday.com/us/blog/reading-the-mind/202603/is-creativity-a-young-persons-game





