ترجمة: أ. نوره الدوسري
لدينا في حياتنا الكثير من المتطلبات والتوقعات، لكن العالم لا يسير دائمًا بالطريقة التي نريدها.
النقاط الأساسية
- التفكير غير العقلاني يقف وراء جزء كبير من الضيق والانزعاج النفسي الذي يعانيه الناس.
- ما نعتقد اليوم أنه أمر ضروري في حياتنا قد لا يكون ما نريده غدًا.
- يمكننا أن نتعلم من ثقافات أخرى كيف نصبح أكثر تقبّلًا لمفاجآت الحياة غير المتوقعة.
في منطقة هضبة التبت–تشينغهاي يعيش بعض أقاربي من قومية “هوي”، وهم لا يغرقون في التفكير فيما كان يمكن أن يحدث أو ما كان ينبغي أن يحدث. بدلاً من ذلك يستخدمون كثيرًا تعبيرًا شائعًا يقول: “باي له” (败了). هذه الكلمة قد تُترجم حرفيًا إلى “الهزيمة”، لكنها في الحقيقة تحمل معنى أعمق بكثير من ذلك.
فعندما يحدث أمر غير مرغوب فيه، يقولون ببساطة: “باي له”، أي:
“لا بأس”،
“دع الأمر يمر”،
“هذا ما حدث”،
“للأسف… لكن لنمضِ قدمًا”.
فلو فاته القطار يقولون: باي له.
ولو لم تحصل على الوظيفة التي كنت تريدها: باي له.
ولو انتهى زواج بين زوجين: باي له.
هذا التعبير يُستخدم مع الأحداث الصغيرة والكبيرة على حد سواء. في الثقافة الغربية، قد يبدو من غير المقبول أن يقال “لا بأس” بشأن انتهاء زواج، لكن الفكرة هنا ليست الاستهتار أو القسوة، بل تقبّل حقيقة أن المعاناة والصعوبات جزء طبيعي من الحياة اليومية.
الضجيج الداخلي الذي نصنعه بأنفسنا
كثير منا يقضي وقتًا طويلًا في التفكير في:
- ما كان يجب أن يحدث
- ما كان يمكن أن يحدث
- ما كان ينبغي أن يحدث
هذا النوع من التفكير يشكّل ضجيجًا داخليًا مرهقًا.
أطلق عالم النفس الشهير Albert Ellis على هذا النمط من التفكير مصطلحًا لافتًا: “المُطالَبَة القسرية” أو ما سماه بالإنجليزية Musterbation.
وقد طوّر إليس نهجًا علاجيًا معروفًا يسمى Rational Emotive Behavior Therapy، ويُترجم إلى العلاج العقلاني الانفعالي السلوكي. ويرى في هذا النهج أن كثيرًا من معاناتنا النفسية تنبع من مطالب صارمة وغير واقعية نضعها لأنفسنا أو للحياة.
فنحن نقول لأنفسنا باستمرار:
- يجب أن أنجح.
- يجب أن يحبني هذا الشخص.
- يجب أن أكون أفضل.
- يجب أن أفوز.
- يجب أن أحصل على المزيد.
هذه الجمل تبدو في ظاهرها طبيعية، لكنها عندما تتحول إلى قواعد مطلقة لا تقبل الاستثناء تصبح مصدرًا للألم النفسي.
لماذا تسبب هذه الأفكار المعاناة؟
يرى إليس أن هذه الطريقة في التفكير غير عقلانية، وهي السبب في الكثير من الضيق العاطفي الذي يشعر به الناس. فعندما نقنع أنفسنا بأن شيئًا “يجب” أن يحدث، فإننا نضع أنفسنا في مواجهة مستمرة مع الواقع.
فعندما لا تسير الأمور كما نريد، نشعر بأننا فشلنا.
الشخص الذي يغرق في هذه الأفكار غالبًا ما يمتلك نظام معتقدات غير مرن. فهو يرى الحياة بطريقة جامدة:
إما أن تتحقق توقعاته تمامًا، أو يشعر بالإحباط والغضب.
لكن المشكلة الحقيقية هي أن الحياة لا يمكن السيطرة عليها بالكامل.
لا يمكننا التحكم في أفعال الآخرين، ولا في كل الظروف التي قد تواجهنا.
وعندما نصطدم بهذه الحقيقة، نشعر بالعجز أو الفشل.
هل تحقيق الأهداف يحل كل شيء؟
قد نعتقد أن الحصول على ما نريده سيجعل حياتنا مثالية.
ربما نقول لأنفسنا:
- لو أحبني هذا الشخص سأكون سعيدًا.
- لو حصلت على هذه الوظيفة ستحل كل مشاكلي.
لكن إليس يرى أن هذا الاعتقاد مبالغ فيه.
فحتى لو تحقق الهدف الذي نريده، فإن الشعور بالرضا قد يستمر لفترة قصيرة فقط. بعد ذلك تبدأ الرغبات والتوقعات الجديدة بالظهور.
الحياة بطبيعتها متغيرة وغير ثابتة.
ما نعتقد اليوم أنه أهم شيء في حياتنا قد لا يكون كذلك بعد سنوات، أو حتى بعد أشهر.
لهذا يؤكد إليس أن الناس يصنعون مشاعرهم السلبية بأنفسهم من خلال أفكارهم، لكنهم أيضًا قادرون على تفكيك هذه الأفكار واستبدالها بأفكار أكثر عقلانية
ماذا يمكن أن نتعلم من الثقافات الأخرى؟
بعض الثقافات تتعامل مع الغموض وعدم اليقين بطريقة أكثر هدوءًا ومرونة. فهي تنظر إلى الحياة على أنها شبكة مترابطة من الأحداث والعلاقات، وليست سلسلة من النتائج التي يجب التحكم فيها بالكامل.
في هذه الثقافات، يتعلم الناس مراقبة الحياة وهي تتكشف بدلاً من محاولة السيطرة على كل تفاصيلها.
والحقيقة الأساسية هنا هي:
الحياة غير ثابتة، وكل شيء فيها في حالة تغير مستمر.
فمثلًا عندما نضع خططًا للمستقبل، من المفيد أن نكون مستعدين لتعديلها إذا تغيرت الظروف.
أما مقاومة التغيير بشدة فقد تجعلنا نشعر بقدر أكبر من القلق والتوتر، وقد تعيق قدرتنا على التقدم.
نحن لسنا أفكارنا السلبية
أحيانًا يعتقد بعض الناس أن الحياة سيئة دائمًا، وأن كل شيء سينتهي بأسوأ نتيجة ممكنة. وقد تصبح هذه النظرة جزءًا من هوية الشخص نفسه.
قد يقول شخص ما:
“أنا دائمًا سيئ الحظ”
“لا شيء ينجح معي”.
وفي مثل هذه الحالات قد نعتقد أن شخصًا آخر—مثل شريك عاطفي—سيأتي لينقذنا من هذا الشعور.
لكن الحقيقة هي أن لا أحد يستطيع إنقاذنا من الأفكار السلبية داخل عقولنا.
العمل الحقيقي يجب أن نقوم به نحن.
كيف نواجه الأفكار غير العقلانية؟
اقترح Albert Ellis عدة طرق عملية تساعدنا على التعامل مع هذا النوع من التفكير:
- التخلّي عن التفكير المطلق
لدينا في الحياة الكثير من التوقعات المستحيلة، والعالم لا يتعاون دائمًا مع هذه التوقعات. لذلك فإن الابتعاد عن التفكير المطلق—مثل “يجب” و“لابد”—يساعدنا على التعامل مع المشكلات بطريقة أكثر واقعية.
- تحدّي الأفكار غير المنطقية
من المفيد أن نسأل أنفسنا:
هل هذا الاعتقاد منطقي حقًا؟
هل من الضروري أن يحدث الأمر بهذه الطريقة فقط؟
غالبًا ما نكتشف أن هذه المطالب الصارمة غير واقعية أو غير منطقية.
- إعادة صياغة الموقف
بدلاً من النظر إلى المواقف بطريقة سلبية، يمكننا محاولة إعادة تفسيرها بطريقة أكثر إيجابية أو مرونة.
فالفشل في تجربة ما قد يكون فرصة للتعلم أو بداية لمسار جديد.
- استبدال الصرامة بالتقبّل
عندما نستبدل التفكير الجامد بأفكار أكثر قبولًا ومرونة، يصبح من الأسهل التعامل مع التغيرات المفاجئة في الحياة.
- استخدام التخيل الإيجابي
يمكننا تخيّل موقف يثير القلق—مثل إلقاء خطاب أمام الجمهور—ثم نتخيّل نتيجة إيجابية.
بدلاً من أن نقول:
“سأفشل في الخطاب”.
يمكننا أن نقول:
“أنا مستعد، وسأقدم أفضل ما لدي”.
- استخدام الدعابة
الفكاهة يمكن أن تكون وسيلة فعالة لتخفيف التوتر النفسي. فعندما نتمكن من الضحك على الموقف، فإن ذلك يساعدنا على تقليل حدة القلق والتفكير بوضوح أكبر.
- تقبّل ما لا يمكن تغييره
قد يكون من المفيد أحيانًا أن نتذكر أن ما نحصل عليه في الحياة هو ما نحصل عليه. هذا لا يعني الاستسلام، لكنه يعني التوقف عن مقاومة الواقع بشكل مرهق.
التقبّل لا يعني أن الحياة ستكون سهلة
التقبّل لا يعني أن المواقف الصعبة ستصبح ممتعة أو مريحة. فبعض أحداث الحياة مؤلمة بطبيعتها.
لكن إدراك أن كثيرًا من الأمور خارج نطاق سيطرتنا قد يمنحنا قدرًا من السلام الداخلي.
فعندما نتوقف عن محاولة فرض سيطرتنا على كل شيء، يصبح لدينا طاقة أكبر للتعامل مع ما نستطيع تغييره فعلاً.
في النهاية، قد تكون الحكمة التي تختصر هذه الفكرة كلها قريبة من التعبير البسيط الذي يستخدمه أقارب هضبة التبت:
“باي له”… حدث ما حدث، فلنمضِ قدمًا.
فالحياة ليست دائمًا كما نريد، لكنها تظل مليئة بالفرص للتعلم والنمو إذا تعلمنا كيف نواجه أفكارنا غير العقلانية بوعي ومرونة.
المرجع
How to Combat Irrational Thoughts
https://www.psychologytoday.com/us/blog/brainstorm/202601/how-to-combat-irrational-thoughts





