ترجمة : أ. نوره الدوسري
يبدو أن بعض الأشخاص يتمتعون بقدرة خاصة على اللطف والود في تعاملاتهم اليومية مع الآخرين. فهؤلاء الأشخاص غالبًا ما يبدون هادئين، متفهمين، ومتعاونين حتى في المواقف التي قد تدفع غيرهم إلى الغضب أو التوتر. والسؤال الذي يطرحه كثير من الناس هو: ما الذي يجعل بعض الأفراد لطفاء إلى هذه الدرجة؟ وهل يولد الإنسان بهذه الصفة أم يمكن اكتسابها وتطويرها مع مرور الوقت؟
تشير الأبحاث في علم النفس إلى أن اللطف يرتبط بشكل وثيق بسمة شخصية تعرف باسم “الموافقة” أو “القبول الاجتماعي”. وتعد هذه السمة واحدة من السمات الخمس الكبرى في الشخصية، وهي النموذج الأكثر استخدامًا في دراسة الشخصية الإنسانية. الأشخاص الذين يسجلون درجات مرتفعة في هذه السمة يميلون إلى التعاطف مع الآخرين، والتعاون معهم، وإظهار قدر أكبر من التسامح والصبر في العلاقات الاجتماعية.
وعلى الرغم من أن سمات مثل الانبساطية أو العصابية تحظى باهتمام أكبر في الأحاديث اليومية أو في الثقافة الشعبية، فإن سمة القبول الاجتماعي قد تكون في الواقع واحدة من أهم السمات التي تساعد الإنسان على النجاح في الحياة اليومية. فاللطف والقدرة على التعامل الهادئ مع الآخرين يمكن أن يفتحا أبوابًا كثيرة في العلاقات الاجتماعية والمهنية على حد سواء.
لنفترض مثالًا بسيطًا: امرأة تدعى كيت اشترت منتجًا عبر الإنترنت، لكنها اكتشفت لاحقًا أن المتجر قام بخصم مبلغ أكبر من السعر الحقيقي. عندما اتصلت بخدمة العملاء لتصحيح الخطأ، لم تتحدث بغضب أو انفعال، بل تعاملت بلطف واحترام مع الموظف المسؤول. وبسبب هذا الأسلوب الهادئ، لم يتم فقط حل المشكلة وإعادة المبلغ الزائد، بل حصلت أيضًا على خصم إضافي في عملية الشراء القادمة. هذه القصة البسيطة توضح كيف يمكن للطف أن يعود على صاحبه بفوائد عملية وملموسة.
لكن يبقى السؤال الأهم: كيف يحافظ الأشخاص اللطفاء على هذه الصفة مع مرور الوقت؟ هل يولد الإنسان بهذه السمة، أم أن التجارب الحياتية تلعب دورًا في تعزيزها؟
تشير بعض الدراسات الحديثة إلى أن الأشخاص الذين يمتلكون مستوى مرتفعًا من سمة القبول الاجتماعي يميلون إلى اختيار تجارب حياتية تعزز هذه الصفة لديهم. أي أنهم لا يكتفون بكونهم لطفاء بطبيعتهم، بل يسعون أيضًا إلى أنشطة وتجارب تزيد من شعورهم باللطف والود تجاه الآخرين.
تفسر هذه الفكرة من خلال ما يسمى في علم النفس بفرضية “تنظيم المشاعر المتوافق مع السمات الشخصية”. وتعني هذه الفرضية أن الأفراد يسعون غالبًا إلى الخبرات والمواقف التي تتوافق مع سماتهم الشخصية الأساسية. فمثلًا، الأشخاص الانبساطيون يبحثون عادة عن الأنشطة الاجتماعية الممتعة التي تمنحهم مشاعر إيجابية، بينما قد يميل الأشخاص الذين يعانون من مستويات مرتفعة من العصابية إلى التركيز على الخبرات التي تعزز القلق أو التوتر.
بالنسبة للأشخاص اللطفاء، فإنهم يميلون إلى البحث عن التجارب التي تعزز مشاعر المودة والتعاطف. وقد يكون لهذا الميل عدة تفسيرات مختلفة.
أول هذه التفسيرات يسمى التفسير المعرفي. وفقًا لهذا التفسير، يشعر الأشخاص اللطفاء بأن العالم يبدو أكثر انسجامًا ومنطقية عندما يعيشون مشاعر الحب والتعاطف. فهذه المشاعر تتماشى مع الطريقة التي يرون بها أنفسهم والآخرين.
أما التفسير الثاني فيرتبط بالأداء. حيث يقترح أن الأشخاص اللطفاء يكونون أكثر قدرة على التفاعل بفعالية عندما تكون مشاعرهم متوافقة مع سماتهم الشخصية. بمعنى آخر، عندما يشعر الشخص اللطيف بالمودة والتعاطف، فإنه يتصرف بطريقة أكثر طبيعية وانسجامًا مع ذاته.
أما التفسير الثالث فهو التفسير الاجتماعي. ووفقًا لهذا المنظور، فإن الأشخاص اللطفاء يشعرون بالسعادة عندما يكون الآخرون لطفاء معهم أيضًا. وبما أن اللطف غالبًا ما يولد اللطف في المقابل، فإن هذا التفاعل الإيجابي يعزز استمرار هذا النمط من السلوك.
لاختبار هذه الأفكار، قام أحد الباحثين بإجراء دراستين شملتا مجموعة من طلاب الجامعات. هدفت هذه الدراسات إلى معرفة ما إذا كان الأشخاص الذين يتمتعون بدرجات مرتفعة من سمة القبول الاجتماعي يختارون بالفعل تجارب وأنشطة تعزز هذا الجانب من شخصياتهم.
استخدم الباحث اختيارات الترفيه كإطار للدراسة. فقد قام بدراسة العلاقة بين سمات الشخصية وتفضيلات الأفراد لأنواع مختلفة من الموسيقى والأفلام والبرامج التلفزيونية. وتم سؤال المشاركين عن مدى شعورهم بمشاعر مثل الحب أو التعاطف أو الغضب عند الاستماع إلى أنواع معينة من الموسيقى أو مشاهدة أنواع مختلفة من المحتوى الترفيهي.
كما تم استخدام مقاييس علمية معروفة لقياس سمات الشخصية، بما في ذلك سمة القبول الاجتماعي ومستويات العدوانية. وبعد ذلك تمت مقارنة هذه القياسات مع تفضيلات المشاركين الترفيهية.
أظهرت النتائج أن الأشخاص الذين سجلوا درجات مرتفعة في سمة القبول الاجتماعي كانوا يميلون إلى اختيار أنواع من الموسيقى والأفلام والبرامج التي تجعلهم يشعرون بمشاعر إيجابية مثل الحب والتعاطف. وعلى العكس من ذلك، فإن الأشخاص الذين سجلوا درجات منخفضة في هذه السمة كانوا أكثر ميلًا إلى اختيار محتوى يحتوي على مشاعر الغضب أو العنف.
وبالرغم من أن هذه النتائج لا تثبت بشكل قاطع ما إذا كانت هذه الاختيارات هي السبب في زيادة اللطف أو نتيجة له، فإنها تشير إلى وجود علاقة متبادلة بين سمات الشخصية والتجارب التي يختارها الإنسان. بمعنى أن الشخص اللطيف قد يختار تجارب تعزز لطفه، وهذه التجارب بدورها قد تزيد من هذا الجانب في شخصيته.
هذه العلاقة المتبادلة تخلق نوعًا من الحلقة الإيجابية. فكلما اختار الإنسان تجارب إيجابية تعزز التعاطف والود، زادت احتمالية أن يتصرف بلطف مع الآخرين. ومع مرور الوقت يصبح هذا السلوك جزءًا ثابتًا من شخصيته.
لكن لماذا يستحق الأمر أن نحاول تطوير هذه الصفة في حياتنا؟
تشير الدراسات إلى أن اللطف لا يعود بالنفع على الآخرين فقط، بل يفيد الشخص نفسه أيضًا. فعندما يتعامل الإنسان بلطف واحترام مع الآخرين، فإنه غالبًا ما يتلقى نفس المعاملة في المقابل. وهذا يخلق بيئة اجتماعية أكثر دعمًا وإيجابية.
بالإضافة إلى ذلك، يمكن أن يؤدي اللطف إلى فوائد ملموسة في الحياة اليومية. ففي مواقف مثل التعامل مع خدمة العملاء أو حل المشكلات في العمل، قد يساعد الأسلوب الهادئ والمهذب على تحقيق نتائج أفضل بكثير من الغضب أو العدوانية.
يمكن لأي شخص تجربة ذلك في حياته اليومية. في المرة القادمة التي تواجه فيها مشكلة مع متجر أو خدمة ما، حاول أن تتعامل بلطف وهدوء بدلًا من الانفعال. قد تكتشف أن الطرف الآخر يصبح أكثر تعاونًا واستعدادًا للمساعدة.
كما يجب أن نتذكر أن كثيرًا من العاملين في مجالات خدمة العملاء يواجهون ضغوطًا كبيرة يوميًا. فهم مطالبون بإظهار اللطف والهدوء حتى عندما يتعاملون مع عملاء غاضبين أو غير متعاونين. لذلك عندما يقابلون شخصًا مهذبًا ومتعاونًا، فإن ذلك يمنحهم شعورًا بالراحة ويجعلهم أكثر رغبة في تقديم المساعدة.
في النهاية، يمكن القول إن اللطف لا يتطلب تكلفة مادية، لكنه قد يحقق فوائد كبيرة على المستويين النفسي والاجتماعي. فالتعامل بلطف مع الآخرين قد يحسن جودة حياتنا، كما قد يترك أثرًا إيجابيًا في حياة الأشخاص الذين نتعامل معهم.
وبمرور الوقت، قد يتحول هذا السلوك البسيط إلى عادة راسخة تساهم في بناء علاقات أكثر صحة وسعادة. ولهذا السبب، فإن تنمية اللطف ليست مجرد قيمة أخلاقية فحسب، بل هي أيضًا مهارة حياتية مهمة يمكن أن تعزز رفاه الإنسان وعلاقاته الاجتماعية.
المرجع
What Makes Some People So Nice, and How They Stay That Way





