الأبعاد السبعة لخدمات تحليل السلوك التطبيقي

كيف تبدأ في عيش أفضل نسخة من حياتك

 

ترجمة: أ. نوره الدوسري 

 

لماذا يساعد التفكير في أهدافك المستقبلية على زيادة شعورك بالرضا في الحاضر

النقاط الرئيسية

  • تفسّر نظرية تقرير المصير في علم النفس ما الذي يحفّز الإنسان بعمق.
  • دراسة حديثة تربط بين هذه النظرية ونظريات الشخصية لفهم كيفية استجابة الأفراد لمتطلبات الحياة.
  • التأمل في الذات يمنح الإنسان شعورًا أكبر بالتحكم في اتجاه حياته.

الحياة اليومية بين الروتين والمعنى

في كثير من الأحيان، تمتلئ أيامنا بمهام متكررة قد تبدو مملة أو روتينية. نستيقظ في الصباح، نذهب إلى العمل أو المدرسة، نهتم بواجبات الأسرة، ثم نعيد الدورة نفسها في اليوم التالي. قد نجد بعض المتعة في هذه الأنشطة، لكن كثيرًا منها قد يترك شعورًا بالإرهاق أو الفراغ.

في لحظات كهذه، قد يتساءل الإنسان: كيف وصلت حياتي إلى هذا الشكل؟ وهل يمكنني تغييرها بطريقة تجعل السعادة والرضا يفوقان الضغوط والتعب؟

حتى أبسط المهام اليومية يمكن أن تحمل لحظات صغيرة من المتعة. فمثلاً، قد لا يكون تنظيف المطبخ نشاطًا ممتعًا بحد ذاته، لكن رؤية سطح الطاولة نظيفًا ولامعًا قد يمنحك شعورًا بالإنجاز والرضا. المشكلة أن هذه اللحظات الصغيرة قد تكون قليلة أو متباعدة. وهنا يظهر السؤال المهم: كيف يمكننا توسيع هذه اللحظات وجعلها أكثر حضورًا في حياتنا؟

متعة الدوافع الداخلية

تشير دراسة حديثة حول الدافعية والشخصية نشرها عالم النفس ريتشارد رايان من الجامعة الكاثوليكية الأسترالية عام 2025 إلى بعض الأفكار المفيدة في هذا السياق. ويُعد رايان أحد مؤسسي واحدة من أشهر نظريات الدافعية في علم النفس، وهي نظرية تقرير المصير.

تقترح هذه النظرية أن الإنسان يكون أكثر حافزية وإنتاجية عندما يشعر أن أفعاله نابعة من دوافع داخلية، وليس فقط استجابة لضغوط أو توقعات خارجية. بمعنى آخر، عندما يشعر الإنسان أنه يقوم بالأشياء لأنه يريد ذلك حقًا، وليس فقط لأنه مضطر إليها.

لكن الواقع اليومي لا يكون دائمًا بهذه المثالية. فمعظم الناس يواجهون متطلبات وضغوطًا خارجية مستمرة. المدير يحدد مواعيد نهائية للعمل، الأسرة تنتظر توفير احتياجاتها، والأصدقاء يتوقعون الدعم والمساندة عند الحاجة.

من منظور نظرية تقرير المصير، لا يمكن التخلص من هذه الضغوط بالكامل، لكنها تشير إلى نقطة مهمة: كلما استطاع الإنسان إيجاد مساحة من الاستقلالية داخل هذه القيود، زادت مشاعره بالرضا والدافعية.

أما عندما يشعر الإنسان أنه لا يملك أي قدرة على الاختيار أو التحكم، فقد يبدأ الشعور بالإرهاق النفسي أو ما يعرف بالاحتراق النفسي.

المحركات الداخلية للشخصية

رغم أن نظرية تقرير المصير تركز على الدافعية، فإنها لا تتناول بشكل مباشر الفروق الفردية بين الناس. لذلك يقترح رايان الربط بينها وبين نظرية أخرى في علم النفس تُعرف باسم نظرية تفاعل أنظمة الشخصية.

وفقًا لهذه النظرية، يمكن تقسيم أنماط الشخصية بشكل عام إلى نمطين رئيسيين:

النمط الموجّه للحالة
الأشخاص في هذا النمط يميلون إلى التفكير المفرط أو الاجترار الذهني، خاصة عندما يواجهون ضغوطًا أو تحديات في الحياة. قد يقضون وقتًا طويلًا في تحليل المشكلة أو التفكير فيها بدلًا من اتخاذ خطوات عملية لحلها.

النمط الموجّه للفعل
أما الأشخاص في هذا النمط فيميلون إلى التعامل مع المشكلات بطريقة أكثر عملية. عندما يواجهون تحديًا، يحاولون تحديد ما يجب فعله ثم البدء في التنفيذ.

غالبًا ما نلاحظ أن الأشخاص الموجهين للفعل قادرون على التعامل مع الضغوط بشكل أفضل، خصوصًا عندما تكون هناك تحديات واضحة تحتاج إلى حل. لكنهم في المقابل قد يشعرون بالملل أو فقدان الحافز عندما لا يجدون ما يكفي من التحديات.

أما الأشخاص الموجهون للحالة فقد يبدون أحيانًا مترددين أو بطيئين في اتخاذ القرار، لكن قدرتهم على التفكير العميق والتأمل قد تكون مفيدة في المواقف التي تتطلب تحليلًا أو تخطيطًا طويل المدى.

الذات كمصدر للسلوك

يرى رايان أن الرابط بين هاتين النظريتين يكمن في ما يُعرف بالنموذج العضوي في علم النفس. يفترض هذا النموذج أن شعور الإنسان بذاته وهويته الداخلية هو القوة الأساسية التي تدفعه إلى السلوك والعمل.

لكن المشكلة في الحياة اليومية أن الإنسان لا يمتلك دائمًا الحرية الكاملة للتصرف وفق ما يريد. فالمسؤوليات والالتزامات تفرض أحيانًا سلوكيات لا تتوافق تمامًا مع رغباته.

في هذه الحالة، قد يواجه الأشخاص الموجهون للحالة صعوبة أكبر في التعامل مع الضغوط الخارجية، لأنهم يشعرون بفقدان السيطرة. لكن عندما يتمكنون من استعادة إحساسهم بالتحكم في الموقف، فإنهم غالبًا ما يظهرون قدرة كبيرة على التكيف والإنجاز.

النظر إلى الداخل للتقدم إلى الأمام

رغم أن نظرية تفاعل أنظمة الشخصية أقل شهرة من نظرية تقرير المصير، فإن فهم مبادئها الأساسية قد يكون مفيدًا للغاية، خاصة لمن يميلون إلى النمط الموجه للحالة.

فقد يكتشف بعض الناس أن شعورهم بالإرهاق أو الجمود في الحياة لا يعود فقط إلى كثرة المسؤوليات، بل إلى شعورهم بعدم القدرة على التحرر من هذا الجمود أو تغيير الاتجاه.

في هذا السياق، يقترح رايان الاستفادة من أحد المفاهيم الأساسية في علم النفس الإيجابي، وهو اليقظة الذهنية أو الوعي اللحظي.

تعني اليقظة الذهنية ببساطة أن يركز الإنسان انتباهه على ما يفعله في اللحظة الحالية، بدلًا من الانشغال المستمر بالضغوط أو التوقعات الخارجية.

تُعد الدافعية الداخلية في نظرية تقرير المصير أعلى أشكال الدافعية. وهي تحدث عندما يقوم الإنسان بأنشطة تتوافق مع قيمه وشعوره الحقيقي بذاته. في هذه اللحظات يشعر الإنسان أنه يعيش انسجامًا مع نفسه، وأن ما يفعله يعبر عن هويته.

لكن التحدي الحقيقي هو: كيف يمكننا الشعور بهذا الانسجام حتى عند القيام بمهام لا نحبها كثيرًا؟

التركيز على اللحظة الحالية

عندما يركز الإنسان على تفاصيل ما يقوم به في اللحظة الحالية، فإنه يقلل من تركيزه على الضغوط الخارجية ويزيد من ارتباطه بالفعل نفسه.

يمكن ملاحظة هذا الأمر بوضوح لدى الممثلين والموسيقيين أثناء أدائهم أمام الجمهور. فلو ركز الممثل أو الموسيقي فقط على فكرة إرضاء الجمهور أو القلق من تقييم الآخرين، فمن المرجح أن يتعثر أداؤه.

بدلًا من ذلك، يركز الفنانون على التفاعل مع زملائهم على المسرح أو على حركة أصابعهم على الآلة الموسيقية. هذا التركيز يسمح لهم بالدخول في حالة من الانغماس الكامل في الأداء.

والأهم من ذلك أن هذه الأنشطة تعكس جزءًا من هويتهم الشخصية، فهم اختاروا هذا المجال لأنهم يحبون التعبير عن أنفسهم من خلال الفن.

خلال لحظات الأداء، تتحقق لديهم الحاجة الداخلية للتعبير عن الذات، وهي واحدة من أهم مصادر الدافعية الداخلية.

إيجاد المعنى في الأعمال اليومية

قد تبدو أمثلة الفنانين بعيدة قليلًا عن حياتنا اليومية، خاصة عندما نتحدث عن مهام بسيطة مثل تنظيف المطبخ أو ترتيب المنزل.

لكن الفكرة الأساسية لا تزال قابلة للتطبيق. فحتى في المهام الروتينية، يمكن للإنسان أن يضيف قدرًا بسيطًا من التوجيه الداخلي والتركيز الواعي.

فبدلًا من التفكير في أن المهمة مجرد عبء يجب الانتهاء منه، يمكن النظر إليها كفعل يعكس قيمًا مثل العناية بالمنزل أو الاهتمام بالنظام أو توفير بيئة مريحة للعائلة.

بهذه الطريقة، يتحول العمل الروتيني من مجرد واجب مفروض إلى نشاط يحمل معنى شخصيًا.

خلاصة

إن الجمع بين أفكار نظرية تقرير المصير وفهم الفروق الفردية في كيفية استجابة الناس للضغوط الخارجية يمكن أن يقدم فوائد عملية في الحياة اليومية.

فالحياة لا تكون دائمًا مليئة بالأحداث المثيرة أو التجارب الممتعة. لكن حتى في وسط الروتين والالتزامات، يمكن للإنسان أن يجد طرقًا تجعل أفعاله أكثر تعبيرًا عن ذاته و قيمه.

وعندما يحدث ذلك، يبدأ الشعور بالرضا والاكتمال في الظهور، ليس فقط في اللحظات الكبيرة، بل أيضًا في التفاصيل الصغيرة التي تشكل حياتنا اليومية.

المرجع

How to Start Living Your Best Life Why taking stock of your future goals can feed your fulfillment right now.

https://www.psychologytoday.com/us/blog/fulfillment-at-any-age/202602/to-live-your-best-life-ask-yourself-whats-truly-important