الأبعاد السبعة لخدمات تحليل السلوك التطبيقي

أدوات الصحة النفسية الرقمية فعّالة، لكنها لا تنجح مع الجميع

 

 ترجمة : أ. نوره الدوسري

 

 فهم سبب استفادة بعض الأشخاص من التدريب المعرفي أكثر من غيرهم

نقاط رئيسية

  • يمكن للتدخلات الرقمية في مجال الصحة النفسية أن تساعد في تقليل القلق، لكن ليس جميع الأفراد يستفيدون منها بالدرجة نفسها.

  • يختلف الأفراد في الطريقة التي يراجعون بها تفسيراتهم السلبية للأحداث، وهذا الاختلاف يمكن أن يتنبأ بمدى فاعلية التدريب المعرفي لديهم.

  • إن صعوبة تحمّل عدم اليقين تجعل الاستفادة من التدخلات التي تستهدف أنماط التفسير أكثر صعوبة.

  • قد يساعد تحديد الفروق الفردية بين الأشخاص في تحسين تصميم أدوات الصحة النفسية الرقمية في المستقبل.

تُعد التدخلات الرقمية في مجال الصحة النفسية من التطورات المهمة في الرعاية النفسية الحديثة. فالتطبيقات والبرامج التي تُقدَّم عبر الهواتف الذكية وأجهزة الحاسوب أصبحت قادرة على تعليم مهارات معرفية، والمساعدة في تقليل أعراض القلق، والوصول إلى أشخاص قد لا يسعون أبدًا للحصول على علاج نفسي تقليدي. وقد أظهرت الأبحاث أن العديد من هذه التدخلات الرقمية يمكن أن تكون فعّالة بالفعل. ومع ذلك، فإن فعاليتها لا تظهر بالمستوى نفسه لدى جميع الأفراد.

بدلًا من الاكتفاء بطرح السؤال التقليدي حول ما إذا كانت التدخلات الرقمية فعّالة أم لا، بدأ الباحثون يهتمون بشكل متزايد بسؤال أكثر عمقًا وأهمية: لماذا يستفيد بعض الأشخاص من هذه التدخلات أكثر من غيرهم؟

في دراسة حديثة أجريناها، قمنا بفحص تدخل رقمي صُمم خصيصًا لتعزيز التفسيرات الأكثر إيجابية للمواقف الاجتماعية الغامضة. وأشارت النتائج إلى أن عاملين أساسيين قد يفسران الاختلاف في درجة استفادة الأفراد من هذه الأدوات الرقمية. يتمثل العامل الأول في مدى مرونة الأفراد في تحديث تفسيراتهم للأحداث، بينما يتمثل العامل الثاني في مدى قدرتهم على تحمّل عدم اليقين.

القلق غالبًا ما يرتبط بالمعنى الذي نعطيه للأحداث

العديد من المواقف التي تثير القلق في الحياة اليومية ليست سلبية بشكل واضح. في كثير من الأحيان تكون هذه المواقف غامضة وتحتمل أكثر من تفسير. على سبيل المثال، قد يحدث أن لا يرد شخص ما على رسالة فورًا، أو أن يكون تعبير وجه شخص ما صعب القراءة، أو أن يمر زميل في العمل دون أن يلقي التحية. مثل هذه المواقف تتطلب تفسيرًا.

في هذه اللحظات، يحاول العقل الإجابة عن سؤال بسيط: ماذا يعني هذا الموقف؟

بالنسبة للأشخاص الأكثر عرضة للشعور بالقلق، يميل الجواب غالبًا إلى الاتجاه السلبي. فقد يفكر الشخص مثلًا:
“لابد أنني فعلت شيئًا خاطئًا”، أو “ربما هم غاضبون مني”، أو “من المحتمل أنني لم أؤدِّ عملي بشكل جيد”.

يُشار إلى هذا الميل إلى افتراض المعاني المهدِّدة في المواقف الغامضة بمصطلح التحيز التفسيري السلبي. ويمكن لهذا التحيز أن يحافظ على القلق ويعززه، لأنه يجعل المواقف اليومية تبدو أكثر تهديدًا مما هي عليه في الواقع.

هل يمكن إعادة تدريب عادات التفسير؟

أحد الأساليب الواعدة في هذا المجال يتمثل في التدريب المعرفي الرقمي الذي يستهدف أنماط التفسير لدى الأفراد بشكل مباشر. في مثل هذه التدخلات، يُعرض على المستخدمين عادةً عدد من السيناريوهات اليومية الغامضة، ثم يُوجَّه المستخدمون نحو تبني تفسيرات أكثر توازنًا أو أقل تهديدًا.

لا يهدف هذا النوع من التدخلات إلى تشجيع التفاؤل غير الواقعي، بل يهدف إلى مساعدة الأفراد على النظر إلى المواقف من زوايا متعددة، بدلًا من الانتقال تلقائيًا إلى أسوأ تفسير ممكن.

يعكس هذا التوجه مبدأ نفسيًا مهمًا، وهو أن أنماط التفكير تمثل عادات عقلية. وكما هو الحال مع العادات الأخرى، يمكن لهذه الأنماط أن تتغير مع الممارسة والتدريب.

ومع ذلك، فإن تغيير أنماط التفكير ليس عملية سهلة دائمًا. فقد تعتمد درجة نجاح هذه التدخلات على الخصائص المعرفية التي يجلبها الأفراد معهم عند بدء التدخل.

لا يبدأ جميع الأفراد من النقطة المعرفية نفسها

في دراستنا، قمنا بفحص خاصيتين قد تساعدان في تفسير سبب استجابة الأشخاص بشكل مختلف للتدريب الرقمي على التفسير. الخاصية الأولى كانت عدم المرونة في التفسير، أي مدى صعوبة تعديل الانطباع السلبي الأولي لدى الشخص.

يميل الناس بطبيعتهم إلى تكوين تفسيرات سريعة للأحداث من حولهم. لكن بينما يستطيع بعض الأشخاص تعديل هذه التفسيرات بسهولة عندما تظهر معلومات جديدة، يجد آخرون أن انطباعهم الأولي يبقى ثابتًا ويصعب تغييره.

على سبيل المثال، إذا اعتقد شخص ما في البداية أن الآخر قد تفاعل معه بشكل سلبي، فهل يستطيع بسهولة تعديل هذا الاعتقاد عندما يظهر لاحقًا سلوك ودي من الطرف الآخر؟ أم أن الانطباع الأول يظل مسيطرًا رغم المعلومات الجديدة؟

أظهرت نتائج دراستنا أن الأفراد الذين يواجهون صعوبة أكبر في تعديل التفسيرات السلبية يميلون إلى تحقيق فوائد أقل من التدخل الرقمي. وهذا لا يعني أن هذه التدخلات غير مفيدة لهم على الإطلاق، بل يشير إلى أنهم قد يحتاجون إلى مزيد من التدريب، أو وتيرة تعلم مختلفة، أو 

 

استراتيجيات إضافية تساعد على تعزيز المرونة المعرفية.

تحدي التعايش مع عدم اليقين

العامل الثاني الذي تناولته الدراسة هو عدم تحمّل عدم اليقين. ويشير هذا المفهوم إلى مدى شعور الشخص بالتوتر أو الانزعاج عندما لا يعرف ما الذي سيحدث في المستقبل.

بعض الأشخاص يستطيعون تقبّل عدم اليقين بوصفه جزءًا طبيعيًا من الحياة. بينما يجد آخرون هذا الشعور غير مريح للغاية، ويشعرون بحاجة قوية إلى إزالة الغموض بسرعة والوصول إلى إجابة واضحة.

غير أن التدريب الرقمي على التفسير يتطلب من الأشخاص الانفتاح على احتمالات متعددة بدلاً من التمسك بتفسير واحد محدد. وبالنسبة للأشخاص الذين يجدون عدم اليقين مزعجًا بشكل خاص، قد يكون هذا الانفتاح على الاحتمالات المختلفة أمرًا صعبًا في البداية.

في دراستنا، تبين أن الأفراد الذين لديهم مستويات أعلى من عدم تحمّل عدم اليقين كانوا يميلون إلى الاستفادة بدرجة أقل قليلًا من التدريب. وتشير هذه النتيجة إلى أن مساعدة الأفراد على تطوير قدرة تدريجية على تحمّل عدم اليقين قد تكون خطوة مهمة لتعظيم فوائد التدخلات المعرفية.



نحو تدخلات رقمية أكثر تخصيصًا في مجال الصحة النفسية

تعكس هذه النتائج تحولًا أوسع يحدث حاليًا في أبحاث الصحة النفسية. فبدلاً من التركيز فقط على معرفة ما إذا كانت التدخلات فعّالة في المتوسط، يتجه الباحثون إلى محاولة فهم الفروق الفردية في الاستجابة للعلاج.

وقد لا يقتصر مستقبل الصحة النفسية الرقمية على تطوير أدوات فعّالة فحسب، بل قد يشمل أيضًا تطوير أدوات تكيفية قادرة على التكيف مع خصائص المستخدمين المختلفة، وتحديد ما الذي يعمل بشكل أفضل لكل شخص على حدة.

من المحتمل أن نشهد في المستقبل تدخلات رقمية قادرة على التكيف مع مستوى المرونة المعرفية لدى المستخدم، وأن تتضمن وحدات تدريبية مخصصة تستهدف بشكل مباشر تعزيز القدرة على تحمّل عدم اليقين. كما قد تتمكن هذه البرامج من تعديل سرعة التقدم في التدريب وفقًا لمستوى تقدم الفرد، إضافة إلى تحديد الحالات التي قد يكون فيها من المفيد تقديم دعم إضافي.

تؤكد هذه النتائج أهمية الانتقال من التركيز على متوسط تأثيرات العلاج إلى فهم العوامل المتنبئة بالاستجابة للعلاج. فالتعرّف على عوامل مثل عدم المرونة في التفسير وعدم تحمّل عدم اليقين قد يساعد في تفسير التباين في نتائج العلاج بين الأفراد، كما قد يسهم في توجيه تطوير تدخلات رقمية أكثر دقة واستهدافًا في المستقبل.

المرجع

Digital Mental Health Tools Work, but Not for Everyone

https://www.psychologytoday.com/us/blog/cognition-and-mental-health/202603/digital-mental-health-tools-work-but-not-for-everyone