الأبعاد السبعة لخدمات تحليل السلوك التطبيقي

هل يمكن أن يكتسب الإنسان النرجسية؟

 

ترجمة : أ.  نوره الدوسري 

 

كيف يمكن للسلطة والتأثير والتصفيق أن تُحاكي النرجسية

النقاط الأساسية

  • النرجسية المكتسبة هي حالة مؤقتة تظهر غالبًا بعد الحصول على سلطة جديدة أو مكانة اجتماعية أو شهرة.
  • تختلف عن النرجسية المستقرة لأنها غالبًا ما تخف مع مرور الوقت ومع وجود تغذية راجعة واقعية ومحاولات واعية لإعادة التوازن النفسي.
  • التعزيز الاجتماعي، والتبرير الأخلاقي للسلوك، وآليات المكافأة العصبية قد تقلل مؤقتًا من التعاطف مع الآخرين.
  • يمكن احتواء هذه الحالة من خلال اختبار الواقع، ووضع حدود واضحة، وإصلاح العلاقات للحفاظ على الصحة النفسية والاجتماعية.

مقدمة: فهم النرجسية المكتسبة

تستحق النرجسية المكتسبة النظر بجدية أكبر، خصوصًا في عصر أصبحت فيه الشهرة والنجاح والتأثير الاجتماعي أكثر قابلية للوصول من أي وقت مضى. هذا المفهوم يفسر كيف يمكن لأشخاص عاديين ظاهريًا أن يطوروا سلوكيات أو أنماطًا نفسية تشبه النرجسية، وفي بعض الحالات القصوى قد تقترب حتى من سمات السيكوباتية.

عبر التاريخ، هناك أمثلة عديدة تُظهر كيف يمكن أن تتحول بنى نفسية عادية إلى أنماط أكثر تمركزًا حول الذات عندما ترتبط بالسلطة الكاريزمية أو النفوذ الاجتماعي. ورغم أن بعض الدراسات الكلاسيكية مثل تجارب الطاعة الشهيرة أو تجربة السجن الجامعي ما تزال محل نقاش بين الباحثين، إلا أنها تبقى أمثلة مفيدة توضح كيف يمكن للظروف الاجتماعية أن تضخم الأنانية وتقلل من التعاطف.

وفي عصرنا الحالي توجد أمثلة مشابهة، بعضها خطير وواسع النطاق، وبعضها يبدو عاديًا على السطح لكنه يترك أثرًا عميقًا لدى الأشخاص المقربين من الفرد الذي بدأ يتغير سلوكه. فقد يشعر أفراد العائلة أو الأصدقاء أن شخصية هذا الشخص لم تعد كما كانت، وأن مستوى تضخم الأنا لديه أصبح أكبر بكثير من طبيعته السابقة.

النرجسية المكتسبة في ثقافة الأداء والصورة

تنتشر النرجسية المكتسبة بشكل خاص في الثقافات التي تكافئ الأداء العلني والصورة الاجتماعية. في مثل هذه البيئات، يمكن أن يصبح النجاح أو الاهتمام الاجتماعي مصدرًا قويًا لتعزيز الإحساس بالأهمية الذاتية.

ومع ذلك، فإن النرجسية المكتسبة لا تتحول بالضرورة إلى سمة دائمة في الشخصية. فإذا عادت صفات مثل التواضع والتعاطف والقدرة على إصلاح العلاقات، فمن المرجح أن ما بدا نرجسية كان مجرد حالة مؤقتة مرتبطة بمرحلة من التغير النفسي أو الاجتماعي.

قد تبدو بعض هذه الحالات صغيرة إذا نظرنا إليها من منظور تاريخي واسع، لكنها قد تكون صاخبة ومؤثرة في الحياة اليومية داخل المنزل أو مكان العمل. فكثير من الناس يروون قصصًا عن أفراد تغيرت ظروفهم فجأة — مثل الحصول على ترقية، أو تحقيق شهرة على وسائل التواصل الاجتماعي، أو اكتساب نفوذ في مجتمع معين، أو حتى الخروج من علاقة عاطفية مقيدة — ثم لاحظوا زيادة واضحة في تمركز هؤلاء الأشخاص حول أنفسهم أو شعورهم بالتفوق.

أحيانًا يكون هذا التغير مفهومًا، خاصة عندما يجد شخص عانى من تدني تقدير الذات أخيرًا مساحة للشعور بالقيمة. وفي أحيان أخرى يكون التغير مؤقتًا، إذ ينتفخ الإحساس بالذات لفترة قصيرة قبل أن يعود الجهاز النفسي إلى التوازن مع الدور الجديد الذي يشغله الشخص.

الشهرة والثراء وتأثيرهما النفسي

عندما يحيط بالشخص جمهور من المعجبين أو المساعدين أو حتى الأصدقاء الذين يميلون إلى الموافقة الدائمة، فمن الطبيعي أن يرتفع تصور الفرد لذاته. لكن العودة إلى البيئة الأصلية — مثل زيارة العائلة أو الأصدقاء القدامى — قد تعيد الأمور إلى حجمها الطبيعي.

غير أن الأمر قد يصبح أكثر تعقيدًا عندما يكون الشعور بالنقص أو عدم الكفاية موجودًا قبل النجاح. في هذه الحالة يمكن للسلطة أو المال أو المكانة الاجتماعية أن تعمل كنوع من “الإذن النفسي” الذي يسمح للفرد بتبني سلوك متفاخر أو متعجرف.

في هذه الحالات، ما يبدو للآخرين ثقة بالنفس قد يكون في الحقيقة درعًا نفسيًا يخفي جروحًا قديمة في تقدير الذات.

قصص واقعية من الحياة اليومية

في إحدى النقاشات الطويلة على الإنترنت، وصف كثير من الناس تجاربهم مع أقارب أو أصدقاء أو شركاء عاطفيين أصبحوا فجأة مشهورين على وسائل التواصل الاجتماعي أو حققوا ثراءً سريعًا. وقد تحدث كثير منهم عن كيف أصبح التعامل مع هؤلاء الأشخاص صعبًا أو مرهقًا بعد هذا التغير.

بعض المشاركين أشاروا إلى أن التغير كان مؤقتًا، وأن الشخص عاد تدريجيًا إلى طبيعته بعد مرور الوقت. لكن آخرين لاحظوا تغيرًا دائمًا، مثل زيادة التمركز حول الذات، وتراجع القدرة على التعاطف، وفي بعض الحالات ظهور أنماط من الإهمال أو حتى الإساءة في العلاقات.

في مثل هذه الحالات، يرجح الباحثون أن سمات النرجسية كانت موجودة بالفعل قبل النجاح، وأن النجاح لم يخلقها بقدر ما قام بتضخيمها.

النرجسية والتعزيز الخارجي

تزدهر النرجسية في البيئات التي توفر قدرًا كبيرًا من التقدير والإعجاب الخارجي. فالبنية النفسية للنرجسية تعتمد بدرجة كبيرة على التقدير العلني والنجاح الظاهر.

عندما يحصل الشخص على هذه المكافآت الخارجية، قد يتعزز الاعتقاد الداخلي لديه بأنه مميز أو متفوق. وقد يتشكل منطق نفسي بسيط يقول: “أنا مميز لأن العالم يعاملني كذلك”.

إذا لم تعد صفات مثل التواضع والتعاطف والمسؤولية إلى الظهور بعد فترة من النجاح، فمن المحتمل أن النرجسية كانت جزءًا من الشخصية منذ البداية، وأن النجاح لم يفعل سوى تضخيمها.

أما إذا ظهرت حالة مؤقتة من تضخم الأنا ثم تلاها عودة تدريجية إلى التوازن النفسي، فإن مفهوم النرجسية المكتسبة يكون تفسيرًا أكثر دقة.

الشهرة والإعجاب المفاجئ

يتطلب الأمر قوة نفسية كبيرة لمقاومة الإغراء الذي يصاحب المال المفاجئ أو السلطة أو الشهرة. فمعظم البشر، عندما يحصلون على نوع من النجاح، يميلون إلى الاعتقاد بأنهم “وصلوا أخيرًا”.

قد يبدو النجاح لشخص ما في شكل شهرة واسعة وثروة كبيرة، بينما قد يظهر لشخص آخر في صورة مكانة روحية أو أخلاقية عالية تحظى بإعجاب الآخرين. في كلتا الحالتين يحصل الأنا على مكافأة نفسية من هذا الارتباط بالنجاح.

لكن دون قدر كافٍ من التأمل الذاتي الصادق، يمكن أن تتحول هذه المكافآت إلى عبء نفسي. فالأنا بطبيعته لا يكتفي بسهولة؛ إنه يبحث دائمًا عن المزيد لتعزيز صورته عن نفسه.

لماذا لا يشبع الأنا؟

كثير من الأشخاص الذين يحققون كل ما كانوا يحلمون به يصفون شعورًا مستمرًا بالقلق أو عدم الرضا. والسبب أن الأنا يميل إلى تحويل النجاح إلى معيار دائم للقيمة الذاتية.

في هذه الحالة، لا يصبح النجاح مجرد إضافة للحياة، بل يتحول إلى محور الهوية بالكامل. ومع مرور الوقت يرتفع “مستوى التوقع” الداخلي للإعجاب والتقدير، مما يؤدي إلى انخفاض القدرة على التعاطف مع الآخرين وتعقيد العلاقات الاجتماعية.

التفسير النفسي والعصبي لهذه الظاهرة

من الناحية النفسية والعصبية، يمكن تفسير هذه الظاهرة من خلال عدة آليات معروفة في علم النفس.

أولًا، التعزيز الاجتماعي المستمر يزيد من تركيز الشخص على نفسه، خاصة في البيئات الرقمية التي تكافئ الآراء الحاسمة والمثيرة أكثر من التفكير المتأمل.

ثانيًا، ما يعرف بالتبرير الأخلاقي يسمح للشخص بتجاهل بعض سلوكياته السلبية لأنه يرى نفسه “شخصًا جيدًا” بسبب إنجازاته السابقة.

ثالثًا، تعمل أنظمة المكافأة في الدماغ — المرتبطة بالناقل العصبي الدوبامين — على تعزيز الانتباه إلى الإشارات التي تدعم الهوية الجديدة للشخص.

هذه العمليات لا تعني بالضرورة أن الفرد يعاني اضطرابًا في الشخصية، لكنها قد تؤدي إلى تضخم مؤقت في الشعور بالأهمية الذاتية إذا استمرت البيئة المحيطة في مكافأة هذا النمط من السلوك.

متى تكون النرجسية مكتسبة فعلًا؟

يمكن فهم النرجسية المكتسبة على أنها ارتفاع مؤقت في الإحساس بالأهمية الذاتية يحدث نتيجة الحصول على سلطة أو تقدير جديد. لكنها تختلف عن النرجسية المرضية في نقطة أساسية: أنها قابلة للتراجع.

فلكي نعتبر الحالة نرجسية مكتسبة وليست جزءًا من بنية شخصية مستقرة، يجب أن يعود الشخص تدريجيًا إلى صفاته الصحية السابقة، مثل التعاطف مع الآخرين، والقدرة على تحمل المسؤولية، والاهتمام الحقيقي بالعلاقات.

كما ينبغي أن يتمكن من تقبل الحدود والانتقادات دون أن ينهار غضبًا أو يتصرف بتعالي أو استحقاق مبالغ فيه.

الخاتمة

مر كثير منا بفترات شعر فيها بأن ثقته بنفسه ارتفعت إلى حد ما، خاصة بعد تحقيق إنجاز مهم أو تجاوز تحدٍ كبير في الحياة. وفي بعض الأحيان تكون هذه اللحظات ضرورية لتعزيز الشعور بالقدرة والإنجاز.

لكن الفرق الحقيقي يظهر فيما يحدث بعد ذلك. فالأشخاص الذين يتمتعون بتوازن نفسي صحي يعودون بعد فترة إلى إدراك حدودهم، ويتذكرون الأشخاص الذين ساعدوهم، ويحافظون على علاقاتهم بطريقة متبادلة ومتوازنة.

أما عندما يصبح النجاح محور الهوية بالكامل، ويختفي التعاطف مع الآخرين، فقد تتحول تلك اللحظة من الثقة إلى بداية مسار نرجسي أكثر عمقًا.

المراجع

‏Can a Person Acquire Narcissism?

https://www.psychologytoday.com/us/blog/deeper-empathy-lasting-change/202602/can-a-person-acquire-narcissism