ترجمة : أ. نوره الدوسري
دراسة علمية تكشف تأثير مشاهدة الطبيعة على الدماغ
تشير أبحاث علمية متزايدة إلى أن التعرض للطبيعة – مثل مشاهدة الأشجار أو البحيرات أو سماع أصوات الطيور – قد يساعد في تحسين الصحة النفسية والجسدية. وفي دراسة حديثة استخدمت تقنيات تصوير الدماغ، وجد الباحثون أن مشاهدة الطبيعة يمكن أن تخفف الإحساس بالألم فعليًا، ليس فقط على مستوى الشعور الذاتي، بل أيضًا على مستوى نشاط الدماغ المرتبط بالألم.
تهدف هذه الدراسة إلى فهم كيف ولماذا تؤثر الطبيعة في تجربة الألم لدى الإنسان، وهل هذا التأثير حقيقي أم مجرد شعور نفسي أو توقعات إيجابية.
فوائد الطبيعة للصحة
لطالما ارتبطت البيئات الطبيعية – مثل الحدائق والغابات والسواحل – بالعديد من الفوائد الصحية. فقد أظهرت الدراسات أن الأشخاص الذين يعيشون بالقرب من مناطق خضراء غالبًا ما:
يعانون من توتر أقل
يتمتعون بصحة نفسية أفضل
يختبرون مشاعر إيجابية أكثر في حياتهم اليومية.
حتى التعرض القصير للطبيعة، مثل المشي في حديقة أو مشاهدة مناظر طبيعية، قد يحسن المزاج والتركيز.
ومن الملاحظات المبكرة في هذا المجال دراسة شهيرة عام 1984 أظهرت أن المرضى الذين كانت غرفهم في المستشفى تطل على أشجار احتاجوا إلى مسكنات أقل للألم وتعافوا بشكل أسرع مقارنة بمرضى كانت نوافذهم تطل على جدار إسمنتي.
مشكلة الدراسات السابقة
رغم هذه النتائج الإيجابية، واجهت الأبحاث السابقة بعض القيود المهمة، منها:
الاعتماد على تقارير الأشخاص عن شعورهم بالألم فقط، وهي قد تتأثر بالتوقعات أو الحالة النفسية.
عدم وجود مقارنة عادلة بين البيئات المختلفة، إذ غالبًا ما تتم مقارنة الطبيعة ببيئات حضرية غير مريحة أو مزعجة.
عدم فهم الآليات الدماغية التي قد تفسر تأثير الطبيعة على الألم.
لذلك حاولت هذه الدراسة الحديثة تجاوز هذه المشكلات باستخدام تصوير الدماغ بالرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI).
كيف أُجريت الدراسة؟
شارك في التجربة 49 شخصًا بالغًا بصحة جيدة.
داخل جهاز تصوير الدماغ، تعرّض المشاركون إلى ثلاثة أنواع من البيئات الافتراضية:
بيئة طبيعية
مثل بحيرة وأشجار وأصوات طبيعية.بيئة حضرية
نفس المشهد تقريبًا لكن مع إضافة مبانٍ وطرق وأصوات سيارات.بيئة داخلية
مثل مكتب أو غرفة.
وخلال مشاهدة هذه المشاهد، تلقى المشاركون صدمات كهربائية خفيفة مصممة لإحداث ألم مؤقت يمكن تحمله.
بعد كل صدمة، طلب من المشاركين تقييم أمرين:
شدة الألم
مدى إزعاجه أو عدم ارتياحهم له
وفي الوقت نفسه كان الباحثون يقيسون نشاط الدماغ المرتبط بالألم.
النتائج الرئيسية
1. الطبيعة تقلل الشعور بالألم
أظهرت النتائج أن المشاركين شعروا بألم أقل عندما كانوا يشاهدون الطبيعة مقارنة بمشاهدة البيئة الحضرية أو الداخلية.
s41467-025-56870-2
وكان الانخفاض واضحًا في:
شدة الألم
درجة الانزعاج من الألم
كما أفاد المشاركون أن المناظر الطبيعية ساعدتهم على تشتيت انتباههم عن الألم.
2. الطبيعة تؤثر فعليًا على الدماغ
لم تقتصر النتائج على التقارير الذاتية فقط، بل أظهرت صور الدماغ أن مشاهدة الطبيعة أدت إلى انخفاض نشاط مناطق دماغية مرتبطة بالإحساس بالألم.
ومن أهم هذه المناطق:
المهاد (Thalamus)
القشرة الحسية الجسدية الثانوية
الجزيرة الخلفية في الدماغ
هذه المناطق مسؤولة عن معالجة الإشارات العصبية للألم القادمة من الجسم.
بمعنى آخر:
الطبيعة لا تجعل الناس فقط يشعرون بأن الألم أقل، بل تقلل فعليًا من معالجة الدماغ لإشارات الألم.
كيف يمكن تفسير هذا التأثير؟
اقترح الباحثون عدة تفسيرات ممكنة.
1. تشتيت الانتباه
تشير نظرية نفسية معروفة تسمى نظرية استعادة الانتباه إلى أن الطبيعة تحتوي على عناصر تجذب انتباه الإنسان بطريقة لطيفة وغير مرهقة.
مثل:
حركة الماء
أصوات الطيور
حركة الأشجار
هذه العناصر قد تحول تركيز الدماغ بعيدًا عن الألم.
وبما أن الانتباه يلعب دورًا مهمًا في الإحساس بالألم، فإن تقليل التركيز عليه يمكن أن يخفف شدته.
2. تهدئة الجهاز العصبي
الطبيعة قد تساعد أيضًا في:
تقليل التوتر
خفض معدل ضربات القلب
تحسين المزاج
وهذه العوامل قد تجعل الجسم أقل حساسية للألم.
الفرق بين تأثير الطبيعة وتأثير الدواء الوهمي
من النتائج المثيرة للاهتمام في الدراسة أن تأثير الطبيعة يختلف عن تأثير الدواء الوهمي (Placebo).
في تأثير الدواء الوهمي، يعتقد الشخص أنه يتلقى علاجًا، فيتغير إدراكه للألم بسبب التوقعات النفسية.
أما في هذه الدراسة، فقد أظهرت بيانات الدماغ أن الطبيعة تؤثر بشكل أكبر على المعالجة الحسية الأساسية للألم، وليس فقط على المشاعر أو التوقعات.
ماذا تعني هذه النتائج عمليًا؟
تشير النتائج إلى أن التعرض للطبيعة قد يكون وسيلة بسيطة وغير دوائية للمساعدة في إدارة الألم.
ومن الأمثلة المحتملة:
استخدام صور أو فيديوهات طبيعية في المستشفيات
تصميم المستشفيات بحيث تطل الغرف على الحدائق
استخدام الواقع الافتراضي للطبيعة أثناء الإجراءات الطبية المؤلمة
هذه الأساليب قد تساعد المرضى على تحمل الألم بشكل أفضل دون الحاجة إلى جرعات كبيرة من المسكنات.
هل يكفي مجرد مشاهدة الطبيعة؟
إحدى النتائج المهمة للدراسة هي أن التأثير ظهر حتى عند مشاهدة طبيعة افتراضية وليس طبيعة حقيقية.
وهذا يعني أن:
مقاطع الفيديو
الصور الطبيعية
الواقع الافتراضي
قد تكون أدوات مفيدة في العلاجات المستقبلية.
لكن الباحثين يؤكدون أن هناك حاجة إلى المزيد من الدراسات لمعرفة:
هل التأثير نفسه يحدث مع الألم المزمن؟
ما العناصر الطبيعية الأكثر تأثيرًا (الماء، الأشجار، الأصوات)؟
هل يختلف التأثير بين الأشخاص؟
حدود الدراسة
رغم أهمية النتائج، فإن للدراسة بعض القيود، منها:
أجريت على أشخاص أصحاء فقط
ركزت على الألم المؤقت وليس المزمن
استخدمت بيئات افتراضية
لذلك يجب إجراء مزيد من الدراسات للتأكد من إمكانية تطبيق هذه النتائج في الحياة اليومية والبيئات الطبية.
الخلاصة
تشير هذه الدراسة إلى أن التعرض للطبيعة يمكن أن يقلل الألم فعليًا، ليس فقط من خلال تحسين المزاج، بل عبر تأثير مباشر على نشاط الدماغ المرتبط بالألم.
وتفتح هذه النتائج الباب أمام استخدام الطبيعة كوسيلة علاجية مساندة في مجالات مثل:
الرعاية الصحية
إعادة التأهيل
العلاج النفسي
وقد يكون إدخال عناصر طبيعية في البيئات العلاجية خطوة بسيطة لكنها مؤثرة في تحسين تجربة المرضى وتقليل معاناتهم .
المرجع
Nature exposure induces analgesic effects by acting on nociception-related neural processing
https://www.nature.com/articles/s41467-025-56870-2





