ترجمة: أ. نوره الدوسري
يُعد فيتامين C أحد العناصر الغذائية الأساسية التي لا يستطيع جسم الإنسان تصنيعها ذاتيًا، مما يجعل الحصول عليه من الغذاء أو المكملات أمرًا ضروريًا للحفاظ على الصحة العامة. وعلى الرغم من ارتباطه الشائع بتعزيز المناعة، إلا أن الأبحاث الحديثة تشير إلى أدوار مهمة له في دعم وظائف الدماغ والصحة النفسية. هدفت هذه الدراسة العلمية إلى استكشاف العلاقة بين مستوى فيتامين C في الدم ومؤشرات الحيوية الذهنية لدى البالغين الشباب الأصحاء، بالإضافة إلى اختبار التأثير السببي لتناول مكملاته من خلال تجربة عشوائية محكمة.
بدأت الدراسة بمرحلة تحليل مقطعي شملت 214 مشاركًا من الشباب الأصحاء تتراوح أعمارهم بين 20 و39 عامًا. تم قياس مستويات فيتامين C في الدم، إلى جانب تقييم مؤشرات الحيوية النفسية مثل التعب والانتباه، والحالة المزاجية بما في ذلك التوتر والاكتئاب والمشاعر الإيجابية والسلبية. كما جُمعت معلومات إضافية حول نمط الحياة مثل التدخين، واستهلاك الكحول، ومستوى النشاط البدني، والنظام الغذائي. هدفت هذه المرحلة إلى استكشاف العلاقات الارتباطية بين مستوى الفيتامين والمؤشرات النفسية والمعرفية.
أظهرت نتائج التحليل المقطعي أن مستويات فيتامين C في الدم كانت مرتبطة إيجابيًا بمستوى الانتباه والتركيز لدى المشاركين، حتى بعد التحكم في العوامل الديموغرافية ونمط الحياة. وبعبارة أخرى، كلما ارتفع مستوى الفيتامين، تحسنت قدرة الأفراد على الحفاظ على تركيزهم أثناء أداء المهام. في المقابل، لم تُسجل علاقة ذات دلالة إحصائية بين مستويات فيتامين C وبين التعب أو مؤشرات الحالة المزاجية مثل التوتر والاكتئاب. وقد دفع هذا الاكتشاف الباحثين إلى الانتقال إلى المرحلة الثانية للتحقق مما إذا كانت هذه العلاقة ذات طبيعة سببية أم مجرد ارتباط.
في المرحلة الثانية، أُجريت تجربة عشوائية مزدوجة التعمية مضبوطة بدواء وهمي شملت 50 مشاركًا لديهم مستويات غير كافية من فيتامين C في الدم (أقل من 50 ميكرومول/لتر). تم توزيع المشاركين عشوائيًا إلى مجموعتين متساويتين: الأولى تلقت مكملات فيتامين C بجرعة 500 ملغ مرتين يوميًا لمدة أربعة أسابيع، بينما تلقت المجموعة الثانية مشروبًا مماثلًا من حيث الطعم والشكل لكنه خالٍ من الفيتامين. لم يكن المشاركون ولا الباحثون على علم بنوع العلاج الذي يتلقاه كل فرد، مما عزز من مصداقية النتائج العلمية.
خلال فترة التجربة، خضع المشاركون لتقييم شامل لمؤشرات الحيوية الذهنية، بما في ذلك التعب والانتباه والاندماج في العمل أو الدراسة، إضافة إلى موارد ضبط النفس. كما جرى تقييم الحالة المزاجية باستخدام مقاييس نفسية معتمدة لقياس التوتر والاكتئاب والمشاعر الإيجابية والسلبية والقلق. ولتقييم الأداء المعرفي بدقة، استخدم الباحثون اختبار “ستروب” الحاسوبي الذي يقيس الانتباه الانتقائي وسرعة المعالجة الذهنية، وهو اختبار شائع في الأبحاث النفسية العصبية.
أظهرت النتائج أن المشاركين الذين تناولوا مكملات فيتامين C حققوا تحسنًا ملحوظًا في مستويات الانتباه والتركيز مقارنة بالمجموعة الضابطة. كما لوحظ تحسن واضح في الاندماج في العمل أو الدراسة، خاصة في بُعد “الاستغراق” الذي يعكس مدى انخراط الفرد الذهني في أداء المهام. بالإضافة إلى ذلك، ظهرت مؤشرات على انخفاض مستويات التعب وزيادة الحيوية العامة لدى مجموعة المكملات، رغم أن هذه النتائج كانت قريبة من الدلالة الإحصائية دون أن تصل إلى مستوى الحسم الكامل.
في المقابل، لم تُظهر مكملات فيتامين C تأثيرًا واضحًا على مؤشرات الحالة المزاجية مثل التوتر أو الاكتئاب أو القلق، مما يشير إلى أن تأثيره قد يكون أكثر ارتباطًا بالجوانب المعرفية والحيوية الذهنية بدلًا من التغيرات المزاجية قصيرة المدى. كذلك لم تسجل الدراسة تغييرات مهمة في مستويات بروتين BDNF المرتبط بنمو الخلايا العصبية ووظائف الدماغ، وهو ما يشير إلى احتمال أن تكون آلية التأثير مرتبطة بعوامل أخرى مثل تقليل الإجهاد التأكسدي أو تحسين كفاءة العمليات العصبية المرتبطة بالانتباه.
أكدت نتائج اختبار ستروب التحسن المعرفي لدى مجموعة فيتامين C، حيث أظهر المشاركون سرعة أكبر في الاستجابة ودقة أعلى في الأداء، ما يعكس قدرة أفضل على التعامل مع المهام التي تتطلب تركيزًا مستمرًا ومعالجة ذهنية سريعة. ويُعد هذا الأمر مهمًا للبالغين الشباب الذين يواجهون متطلبات أكاديمية ومهنية متزايدة تعتمد على الانتباه والانخراط المعرفي.
تسلط الدراسة الضوء على أن انخفاض مستويات فيتامين C وإن لم يصل إلى حد النقص الحاد قد يؤثر على الحيوية الذهنية لدى الشباب. ورغم أن أمراض النقص الشديد مثل الإسقربوط أصبحت نادرة، إلا أن المستويات المنخفضة من الفيتامين ما تزال شائعة نتيجة أنماط الحياة الحديثة، مثل قلة استهلاك الفواكه والخضروات، والتدخين، والعادات الغذائية غير المتوازنة. وغالبًا ما تمر هذه الحالات دون تشخيص لأنها لا تسبب أعراضًا جسدية واضحة، لكنها قد تؤثر بشكل غير مباشر على الأداء الذهني والطاقة اليومية.
من الناحية البيولوجية، يؤدي فيتامين C دورًا محوريًا في حماية الخلايا العصبية من التلف الناتج عن الجذور الحرة، كما يشارك في تصنيع نواقل عصبية مهمة مثل السيروتونين والدوبامين، والتي ترتبط بالانتباه والتحفيز المعرفي. إضافة إلى ذلك، يسهم الفيتامين في عمليات أيضية متعددة تدعم كفاءة الدماغ ووظائفه الحيوية، مما قد يفسر التحسن الملحوظ في الأداء المعرفي لدى المشاركين الذين تلقوا المكملات.
ورغم النتائج الإيجابية، أشار الباحثون إلى ضرورة تفسيرها بحذر نظرًا لقصر مدة التدخل وصغر حجم العينة نسبيًا. فقد تكون هناك حاجة إلى دراسات أطول وأكثر تنوعًا سكانيًا لتحديد التأثيرات طويلة المدى، ومعرفة ما إذا كانت الفوائد تختلف باختلاف الجنس أو نمط الحياة أو الحالة الصحية العامة. كما يُنصح بالتركيز على تحسين النظام الغذائي كخطوة أساسية قبل الاعتماد على المكملات، مع استخدام الأخيرة كخيار داعم عند الحاجة.
في الختام، تقدم هذه الدراسة دليلًا علميًا مهمًا على أن تحسين مستوى فيتامين C لدى البالغين الشباب الذين يعانون من انخفاضه قد يسهم في تعزيز الحيوية الذهنية، وزيادة القدرة على التركيز والانخراط المعرفي، وتحسين الأداء في المهام التي تتطلب انتباهًا مستمرًا. وتؤكد النتائج أهمية التغذية المتوازنة والعناية بالصحة الغذائية كجزء أساسي من الحفاظ على الأداء الذهني وجودة الحياة، خاصة في مرحلة الشباب التي تتطلب مستويات عالية من الطاقة والتركيز لتحقيق النجاح الأكاديمي والمهني.
المرجع
Vitamin C supplementation promotes mental vitality in healthy young adults: results from a cross-sectional analysis and a randomized, double-blind, placebo-controlled trial
https://pmc.ncbi.nlm.nih.gov/articles/PMC8783887/





