ترجمة: أ. سما خالد
مقدمة
يُعد الوسواس القهري (OCD) من أكثر الاضطرابات النفسية تعقيدًا، حيث يجمع بين الأفكار المتطفلة (الوساوس) والسلوكيات التكرارية القهرية (الطقوس). غالبًا ما يُفهم هذا الاضطراب من منظور طبي نفسي بحت، يُركّز على الأسباب البيولوجية والتدخلات الدوائية. إلا أن الواقع العلاجي أثبت أن تحليل السلوك التطبيقي (ABA)، وهو أحد المناهج السلوكية المنهجية، يمكن أن يلعب دورًا جوهريًا في تعديل السلوكيات القهرية المرتبطة بالوسواس. ومع تزايد الاهتمام بنهج العلاج المتكامل، بدأ يظهر بوضوح أن التكامل بين الطب النفسي وABA ليس مجرد ترف علاجي، بل ضرورة لتحسين جودة حياة الأفراد المصابين بالوسواس القهري.
ماهية الوسواس القهري من منظور الطب النفسي
وفقًا للدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية DSM-5، يُعرّف الوسواس القهري بأنه اضطراب يتضمن وجود وساوس (أفكار، صور، أو دوافع ذهنية متكررة) وسلوكيات قهرية (مثل التكرار أو التحقق أو الترتيب) تهدف لتقليل التوتر الناتج عن هذه الوساوس. غالبًا ما يُدرك المريض عدم منطقية هذه التصرفات، لكنه يشعر بأنه مجبر على القيام بها.
يُعزى هذا الاضطراب إلى تداخل معقد بين العوامل الوراثية، والكيمياء العصبية (خصوصًا السيروتونين)، والنشاط غير الطبيعي في مناطق معينة من الدماغ مثل القشرة الجبهية. يعتمد الطب النفسي في التدخل العلاجي بشكل رئيسي على:
الأدوية المثبطة لاسترجاع السيروتونين (SSRIs)
العلاج المعرفي السلوكي (CBT)، خاصة تقنية التعرض ومنع الاستجابة (ERP)
إلا أن الجانب السلوكي الملاحظ، والذي يمكن أن يُعطل حياة الفرد بشكل كبير، غالبًا ما يحتاج إلى تركيز إضافي، وهنا يأتي دور تحليل السلوك التطبيقي.
كيف ينظر تحليل السلوك التطبيقي إلى الوسواس القهري؟
تحليل السلوك التطبيقي (ABA) يُعنى بدراسة العلاقة بين السلوك والبيئة. ولا يُركّز فقط على النوايا أو الدوافع الذهنية، بل على ما يُعزز السلوكيات القهرية ويبقيها مستمرة. في حالة الوسواس القهري، تُفهم الطقوس القهرية على أنها سلوكيات متعلمة تُعزز سلبًا؛ أي أن المريض يقوم بها لتقليل القلق الناتج عن الوساوس، وبالتالي يزداد احتمال تكرارها.
من أمثلة السلوك القهري:
غسيل اليدين عشرات المرات لتقليل فكرة “أنا ملوث”
التحقق المتكرر من غلق الباب لتقليل فكرة “ربما نسيت وأحدهم سيقتحم”
يعمل ABA على تحديد المحفزات (antecedents) والنتائج (consequences) التي تُبقي السلوك القهري قائمًا، ومن ثم تعديل البيئة وتعزيز بدائل وظيفية لتقليل هذه الطقوس.
مقارنة بين منظور الطب النفسي وABA في الوسواس القهري
البُعد | الطب النفسي | تحليل السلوك التطبيقي (ABA) |
الهدف | تقليل الوساوس والقلق عبر الأدوية والعلاج المعرفي | تقليل الطقوس القهرية وتعديل السلوك وظيفيًا |
نوع التدخل | دوائي ومعرفي-سلوكي | سلوكي بحت مع تعزيزات وتقنيات تحليل بيئي |
النظرة للسلوك | نتيجة لاضطراب في كيمياء الدماغ | سلوك متعلم يتم تعزيزه |
أدوات القياس | مقاييس سريرية ومقابلات تشخيصية | تسجيل مباشر، تحليل ABC، خطوط الأساس |
تكامل النهجين: كيف يعملان معًا؟
في حالات الوسواس القهري، يمكن أن يكون الجمع بين الطب النفسي وABA استراتيجية علاجية قوية. فعلى سبيل المثال:
يبدأ الطبيب النفسي بإعطاء أدوية SSRIs لتقليل شدة الوساوس والقلق العام.
في الوقت ذاته، يعمل محلل السلوك التطبيقي على استهداف السلوك القهري الظاهر: عدد مرات التكرار، مدته، وشدته.
يتم بناء خطة سلوكية تتضمن:
تعريض تدريجي للمحفزات (مثل لمس المقبض دون غسل)
منع الاستجابة القهرية (عدم السماح بغسل اليد مباشرة)
تعزيز السلوك البديل (مثل الاسترخاء أو استخدام وسائل تشتيت إيجابية)
هذا الدمج لا يعالج الأعراض فقط، بل يُعيد تشكيل نمط التفاعل بين الفكرة والسلوك، ويزيد من قدرة الفرد على مقاومة الطقوس مع الوقت.
دراسات تدعم الدمج بين النهجين
تشير دراسات عديدة إلى أن التكامل بين CBT والأدوية والنهج السلوكي يُعطي نتائج أكثر استدامة. على سبيل المثال:
وجدت دراسة لـFranklin et al. (2011) أن استخدام التعرض ومنع الاستجابة (ERP) ضمن إطار ABA قلّل من السلوكيات القهرية لدى الأطفال بنسبة تجاوزت 60%.
تشير أبحاث March & Mulle (1998) إلى أن الأطفال الذين تلقوا تدخلات معرفية وسلوكية تطبيقية (ABA) أظهروا انخفاضًا ملحوظًا في شدة الوساوس القهرية مقارنة بمن تلقوا دواء فقط.
تحديات وتوصيات
رغم الفوائد، إلا أن الدمج بين ABA والطب النفسي يواجه تحديات، مثل:
اختلاف اللغة النظرية بين النهجين (العوامل البيولوجية مقابل السلوكية)
ضعف التواصل بين الفرق العلاجية أحيانًا
نقص في التدريب المشترك للممارسين على نهج متكامل
التوصية الأساسية هي إنشاء فرق متعددة التخصصات تعمل في بيئة علاجية موحّدة، وتحرص على تحديث الخطة العلاجية بناء على البيانات النفسية والسلوكية معًا.
خاتمة
يمثّل الوسواس القهري تحديًا نفسيًا وسلوكيًا معقّدًا، لا يُمكن حله من خلال دواء فقط أو جلسة سلوكية منفردة. بل يتطلب نموذجًا تكامليًا يجمع بين فهم الطبيب النفسي للاضطراب ومهارات المحلل السلوكي في التعامل مع السلوك الظاهري. وعندما ندمج بين النهج العقلي والنهج السلوكي، نمنح الفرد فرصًا حقيقية للتعافي، ونبني جسورًا من الفهم بين دوافع العقل واستجابات الجسد.
المراجع (APA 7)
American Psychiatric Association. (2022). Diagnostic and statistical manual of mental disorders (5th ed., text rev.; DSM-5-TR). https://doi.org/10.1176/appi.books.9780890425787
Franklin, M. E., Abramowitz, J. S., Kozak, M. J., Levitt, J. T., & Foa, E. B. (2011). Effectiveness of exposure and ritual prevention for obsessive-compulsive disorder: Randomized compared with nonrandomized samples. Journal of Consulting and Clinical Psychology, 68(4), 594–602. https://doi.org/10.1037/0022-006X.68.4.594
March, J. S., & Mulle, K. (1998). OCD in children and adolescents: A cognitive-behavioral treatment manual. Guilford Press.
Miltenberger, R. G. (2015). Behavior modification: Principles and procedures (6th ed.). Cengage Learning.
Sturmey, P. (2008). Functional analysis in clinical treatment. Academic Pres





