ترجمة : أ. نوره الدوسري
لطالما كان المجتمع مترددًا في الحديث الصريح والمفتوح عن الصحة النفسية. فعندما نفكر في الصحة والعافية، غالبًا ما ينصبّ تركيزنا على الصحة الجسدية فقط، متجاهلين حقيقة أساسية مفادها أن الصحة النفسية والجسدية مترابطتان بعمق، وأن أي خلل في إحداهما ينعكس بالضرورة على الأخرى.
ورغم أن طلب المساعدة في مجال الصحة النفسية أصبح أكثر قبولًا مما كان عليه في السابق، إلا أن هذه الفكرة لا تزال بالنسبة لكثيرين بعيدة المنال، ومشحونة بالخوف أو التردد. ويضاف إلى ذلك أننا عندما نتحدث عن الصحة النفسية، غالبًا ما نحصرها في إطار الاضطرابات أو المشكلات النفسية فقط. نعم، الصحة النفسية تشمل التحديات والاضطرابات، لكنها أوسع بكثير من ذلك. فهي تتعلق بكيفية تعاملنا مع الضغوط، وكيف نبني علاقاتنا مع الآخرين، وكيف نعتني بأنفسنا ونحضر بوعي في تفاصيل حياتنا اليومية.
وعلى الرغم من تزايد الوعي المجتمعي بأهمية الصحة النفسية، لا تزال الكثير من المفاهيم الخاطئة قائمة. لذلك، من المهم أن نعيد النظر في معنى العناية بصحتنا النفسية، تمامًا كما نعتني بأجسادنا.
ما هي الصحة النفسية؟
تشير الصحة النفسية إلى مستوى السلامة النفسية والانفعالية والاجتماعية لدى الفرد، وهي تؤثر بشكل مباشر على طريقة تفكيره، وشعوره، وسلوكه. كما تلعب دورًا محوريًا في كيفية تعامله مع تحديات الحياة اليومية، وقدرته على التكيّف والمرونة. وتؤثر الصحة النفسية على قدرتك على:
التعامل مع المشاعر المختلفة مثل التوتر، والحزن، والغضب، وإدارة الشعور بالإرهاق.
التعافي من التجارب الصعبة والنهوض مجددًا بعد الإخفاقات أو الأزمات.
بناء علاقات ذات معنى والحفاظ عليها مع الأشخاص المهمين في حياتك.
إدارة الضغوط من خلال تبني أساليب تكيف صحية بدلًا من اللجوء إلى أساليب ضارة.
إيجاد الإحساس بالهدف والمعنى في الحياة من خلال العمل، أو العلاقات، أو الاهتمامات الشخصية.
العناية بالجسد والاستجابة لاحتياجاته باهتمام ووعي.
الصحة النفسية ليست حالة ثابتة، بل هي حالة متغيرة تتأثر بعوامل متعددة، وقد تتحسن أو تتراجع تبعًا للظروف التي يمر بها الإنسان.
العوامل المؤثرة في الصحة النفسية
يمكن تصنيف العوامل التي تؤثر في الصحة النفسية إلى ثلاثة مجالات رئيسية: عوامل فردية، وعوامل اجتماعية، وعوامل بنيوية أو هيكلية.
أولًا: العوامل الفردية
إذا كانت الاضطرابات النفسية مثل القلق أو الاكتئاب موجودة في التاريخ العائلي، فقد يكون الفرد أكثر عرضة لمواجهة تحديات مشابهة. كما تلعب كيمياء الدماغ دورًا مهمًا، حيث تؤثر مستويات بعض المواد العصبية المسؤولة عن تنظيم المزاج والدافعية بشكل مباشر على القدرة على التعامل مع التوتر والانفعالات.
وتؤثر الخبرات السابقة، خاصة تلك التي تحدث في مرحلة الطفولة، على كيفية رؤية الفرد للعالم وتفاعله مع الضغوط. فالتعرّض للصدمات النفسية المبكرة قد يترك آثارًا طويلة الأمد على آليات التكيّف النفسي.
إضافة إلى ذلك، فإن نمط الحياة اليومي له تأثير كبير على الصحة النفسية. فطريقة إدارة النوم، ونوعية التغذية، ومستوى النشاط البدني، والسلوكيات المرتبطة باستخدام المواد الضارة، كلها عوامل قد تعزز الصحة النفسية أو تضعفها.
ثانيًا: العوامل الاجتماعية
تلعب العلاقات الاجتماعية دورًا أساسيًا في دعم الصحة النفسية. فجودة العلاقة مع الأسرة، والأصدقاء، والشريك، وقوة شبكة الدعم الاجتماعي في أوقات الشدة، قد تمنح الفرد شعورًا بالأمان والانتماء، أو على العكس قد تزيد من شعوره بالعزلة والوحدة.
كما أن بيئة العمل تؤثر بشكل كبير على السلامة النفسية، حيث إن ضغوط العمل، وطبيعة العلاقات المهنية، ومدى التوازن بين الحياة الشخصية والمهنية، جميعها عوامل تؤثر على الحالة النفسية بشكل مباشر.
وفي المجتمعات التي ترتبط فيها الصحة النفسية بالوصمة الاجتماعية، قد يجد الأفراد صعوبة أكبر في التعبير عن معاناتهم أو طلب المساعدة، مما يؤدي إلى تراكم المشاعر السلبية والشعور بالخجل أو الذنب.
ثالثًا: العوامل البنيوية والهيكلية
ترتبط الضغوط المالية، والبطالة، والفقر ارتباطًا وثيقًا بارتفاع معدلات القلق والاكتئاب. كما أن السكن غير الملائم، والعيش في بيئات غير آمنة، أو نقص الموارد الأساسية، يخلق حالة من الضغط المزمن الذي يؤثر سلبًا على الصحة النفسية.
وتسهم الكوارث الطبيعية، والتلوث البيئي، وغياب الأمان المجتمعي، في زيادة مخاطر التعرّض للصدمات النفسية والاضطرابات المرتبطة بالتوتر. كما تؤدي أشكال التمييز المختلفة، والحواجز النظامية مثل عدم تكافؤ الفرص وضعف الوصول إلى الرعاية الصحية، إلى تعميق الفجوات في الصحة النفسية بين الأفراد والمجتمعات.
طرق بسيطة لتعزيز الصحة النفسية يوميًا
تسهم الصحة النفسية الجيدة في تقليل مخاطر الإصابة بالأمراض المزمنة مثل أمراض القلب، كما تعزز من قوة الجهاز المناعي. إضافة إلى ذلك، فإنها تحسن مستوى الإنتاجية والتركيز في العمل، وتدعم جودة العلاقات والرضا العام عن الحياة. وفيما يلي خمس عادات يمكن البدء بتطبيقها لتعزيز الصحة النفسية بشكل يومي.
الحركة والنشاط البدني
يساعد النشاط البدني على إفراز مواد كيميائية طبيعية في الجسم تعمل على تحسين المزاج والشعور بالراحة. وفي الوقت ذاته، يسهم في خفض مستوى هرمونات التوتر، مما يقلل الشعور بالإجهاد ويساعد على الاسترخاء.
كما أن الحركة تزيد من تدفق الدم إلى الدماغ، ما يدعم الوظائف العقلية مثل الذاكرة، والتركيز، واتخاذ القرار، ويعزز الشعور بالصفاء الذهني. وتشير الدراسات إلى أن النشاط البدني المنتظم يسهم بشكل فعّال في تخفيف أعراض القلق والاكتئاب.
يمكن الاكتفاء بالمشي السريع لمدة عشر دقائق في الهواء الطلق، أو أداء تمارين بسيطة في المنزل. حتى فترات الحركة القصيرة يمكن أن تحدث فرقًا ملموسًا.
اتباع نمط حياة صحي
أثبتت الأبحاث أن الحصول على نوم جيد ومنتظم يقلل من مشاعر القلق، والاكتئاب، والتوتر. وخلال النوم، تنخفض مستويات التوتر في الجسم بشكل طبيعي، كما تساعد مراحل النوم العميق على معالجة المشاعر وتنظيمها.
لتحسين جودة النوم، يُنصح بالالتزام بوقت نوم ثابت، وتجنب استخدام الشاشات قبل النوم بمدة كافية، واتباع روتين مهدئ مثل القراءة أو تدوين الأفكار قبل النوم.
التواصل مع الآخرين
يمكن لمحادثة بسيطة، أو مكالمة هاتفية، أو قضاء وقت مع أشخاص مقرّبين، أن يُحدث فرقًا كبيرًا في الصحة النفسية. فالتواصل الاجتماعي يوفر الدعم العاطفي، ويخفف من التوتر، ويعزز الشعور بالانتماء.
الشعور بالترابط مع الآخرين يقلل من الوحدة، ويسهم في الوقاية من القلق والاكتئاب. كما أن التفاعل الاجتماعي يحفّز القدرات العقلية من خلال الحوار وتبادل الأفكار.
الوعي الذهني
تساعد ممارسات الوعي الذهني على زيادة إدراك الفرد لأفكاره ومشاعره، وتمكّنه من التعامل معها بوعي أكبر بدلًا من الانجراف معها. كما تسهم في إرخاء الجسد وتحسين التركيز والوضوح الذهني.
يمكن ممارسة تمرين تنفّس بسيط لبضع دقائق يوميًا، من خلال الجلوس بهدوء والتركيز على إيقاع التنفس، مما يساعد على تهدئة الجهاز العصبي وتقليل التوتر.
ممارسة الامتنان
يساعد الامتنان على تنشيط مناطق في الدماغ مسؤولة عن تنظيم المشاعر والسلوك الاجتماعي واتخاذ القرار. كما يعزز إفراز مواد كيميائية في الدماغ تسهم في تحسين المزاج، وتقليل التوتر، وتقوية الروابط الاجتماعية.
يمكن تخصيص وقت يومي لكتابة ثلاثة أمور يشعر الفرد بالامتنان تجاهها، مهما كانت بسيطة، مع التأمل في أهميتها وتأثيرها الإيجابي.
العناية بالصحة النفسية تبدأ بعادات صغيرة ومستمرّة
إن العناية بالصحة النفسية لا تتطلب تغييرات جذرية فورية، بل تبدأ بعادات صغيرة يتم الالتزام بها بشكل منتظم. ومع مرور الوقت، يمكن لهذه الخطوات البسيطة أن تؤدي إلى تحولات كبيرة في جودة الحياة.
عندما نولي اهتمامًا للحركة، والوعي الذهني، والتواصل الاجتماعي، ونمط الحياة الصحي، والامتنان، فإننا لا نكتسب عادات فحسب، بل نبني حياة أكثر توازنًا ومرونة. ابدأ اليوم، حتى وإن كانت الخطوة مجرد مشي قصير أو لحظة امتنان صادقة. فكل خطوة إلى الأمام هي خطوة نحو صحة نفسية أفضل وحياة أكثر استقرارًا.
المرجع
5 Habits to Boost Your Mental Health
https://www.shyrohealth.com/resources/article/5-habits-to-boost-your-mental-health





