الأبعاد السبعة لخدمات تحليل السلوك التطبيقي

لماذا يُعدّ العقاب الجسدي مضرًا بنمو الطفل وتطوّره؟

 

ترجمة : أ. نوره الدوسري

 

في مرحلة الطفولة، كثيرًا ما كنا نشعر بأن القواعد، ووقت العزل، والمواعظ الطويلة، والعواقب التي يفرضها الوالدان غير عادلة ومحبِطة. ومع التقدّم في العمر، يبدأ الإنسان في إدراك أن التربية المنضبطة ليست عقابًا بقدر ما هي أحد أهم الأسس في تنشئة الأطفال ليصبحوا بالغين واثقين بأنفسهم، متّزنين، وقادرين على تحمّل المسؤولية. فالتأديب السليم يلعب دورًا جوهريًا في تعليم الأطفال كيفية تنظيم مشاعرهم، واتخاذ قرارات واعية، وتحمل تبعات أفعالهم.

ومع مرور السنوات، تطوّرت أساليب التربية والتأديب بشكل ملحوظ. فقد كان العقاب الجسدي لفترة طويلة أسلوبًا شائعًا ومقبولًا اجتماعيًا، بل وكان يُنظر إليه على أنه وسيلة ضرورية لغرس الاحترام وبناء الشخصية. إلا أن التقدّم في أبحاث نمو الطفل، وعلم النفس، وفهم آثار الصدمات النفسية، كشف بوضوح أن العقاب القاسي أو الجسدي غالبًا ما يُلحق أذى بالغًا بالأطفال، ويترك آثارًا نفسية عميقة، بدلًا من أن يهيئهم لحياة صحية ومتوازنة.

ما هو العقاب الجسدي؟

يُقصد بالعقاب الجسدي استخدام أي نوع من القوة البدنية تجاه الطفل بقصد إلحاق الألم به أو التسبب له بعدم الراحة، بهدف تعديل سلوكه أو ردعه. وتتعدد أشكال العقاب الجسدي، ومن أبرزها:

  • الضرب أو الصفع، أي توجيه ضربات إلى مؤخرة الطفل أو وجهه أو أي جزء من جسده باستخدام اليد.

  • القرص بالأصابع، أو شد الذراع، أو جذب الشعر أو الأذنين.

  • الإمساك بالطفل بعنف أو هزّه في نوبات الغضب.

  • استخدام أدوات مثل الأحزمة أو العصي أو أي أجسام أخرى لإيذاء الطفل.

  • إجبار الطفل على اتخاذ أوضاع جسدية مؤلمة وغير مريحة، مثل الركوع على أسطح قاسية.

  • تقييد حركة الطفل أو عزله قسرًا بطريقة تنطوي على إذلال أو ترهيب.

تشير الدراسات إلى أن هذه الأساليب قد تخلّف آثارًا نفسية وانفعالية طويلة الأمد. إذ يُقدَّر أن ما يقارب نصف أطفال العالم يتعرضون لشكل من أشكال العقاب الجسدي داخل منازلهم، وهي ممارسة تترك جروحًا نفسية عميقة قد لا تندمل بسهولة. وعلى الرغم من وضوح الأضرار، لا يزال العديد من الوالدين يلجؤون إلى هذا الأسلوب، وهو ما يثير تساؤلًا مهمًا: لماذا يستمر استخدام العقاب الجسدي؟

لماذا يلجأ بعض الوالدين إلى العقاب الجسدي؟

في معظم الحالات، لا يقصد الوالدان إيذاء أطفالهم، بل ينطلق سلوكهم من مشاعر حب وحرص، إلا أن قراراتهم قد تتأثر بمعتقدات غير واعية، وضغوط اجتماعية، وحدود شخصية. ومن أبرز الأسباب التي تدفع بعض الوالدين إلى استخدام العقاب الجسدي دون مبرر تربوي سليم:

  • تكرار أنماط التربية السابقة: حيث نشأ الكثير من الآباء والأمهات في بيئات كان العقاب الجسدي فيها أمرًا طبيعيًا ومقبولًا، فيعيدون تطبيق ما تعلّموه دون مراجعة آثاره طويلة المدى.

  • السعي إلى السيطرة السريعة: إذ قد يركّز الوالدان على إيقاف السلوك غير المرغوب فيه فورًا، حتى لو كان ذلك على حساب التعليم والفهم والتوجيه.

  • الاندفاع الانفعالي: في لحظات الإرهاق أو الغضب الشديد، قد يلجأ الوالدان إلى العقاب الجسدي كرد فعل سريع بدلًا من اتخاذ قرار واعٍ ومدروس.

  • الاعتقاد الخاطئ بضرورة القسوة: حيث يظن بعض الوالدين أن العقاب الجسدي “يقوّي” الطفل ويُعدّه لعالم قاسٍ، ويخشون أن يؤدي تجنّبه إلى تربية طفل ضعيف أو غير قادر على مواجهة التحديات.

آثار العقاب الجسدي على الطفل

لا يقتصر أثر العقاب الجسدي على لحظة الألم الجسدي فقط، بل يمتد ليشمل الجوانب النفسية والسلوكية والعاطفية، وقد يؤثر بعمق في علاقة الطفل بوالديه.

الأثر النفسي

عندما يُستخدم العقاب الجسدي، قد تصل إلى الطفل رسالة ضمنية مفادها أنه “سيئ” بطبيعته، بدلًا من تعليمه أن سلوكه هو ما يحتاج إلى تعديل. ومع تكرار هذه التجربة، قد يبدأ الطفل في تبنّي معتقدات سلبية عن ذاته، مثل الشعور بعدم الاستحقاق أو فقدان القيمة.

هذا التآكل في تقدير الذات قد يرافق الطفل لسنوات طويلة، ويؤثر على ثقته بنفسه وصورته الذاتية. كما تشير الأبحاث إلى أن الأطفال الذين يتعرضون للعقاب الجسدي يكونون أكثر عرضة للشعور بالقلق والخوف واليأس. إذ يُفعّل العقاب الجسدي استجابة التوتر في أجسامهم، ويجعلهم في حالة ترقّب دائم، ما قد يعيق تطورهم المعرفي ويؤثر على أدائهم الدراسي وقدرتهم على حل المشكلات.

ومع مرور الوقت، قد يتحوّل هذا الشعور المزمن بالخزي والضغط النفسي إلى اكتئاب أو انسحاب اجتماعي، ويجعل من الصعب على الفرد تكوين علاقات صحية ومتوازنة في مرحلة البلوغ.

الآثار السلوكية

قد يظن بعض الوالدين أن العقاب الجسدي يعلّم الطفل الامتثال والانضباط، لكن الواقع يشير إلى عكس ذلك. فالعقاب الجسدي قد يوقف السلوك مؤقتًا، لكنه لا يعلّم الطفل السبب أو البديل الصحيح.

غالبًا ما يقلّد الأطفال السلوكيات التي يتعرضون لها، فيتعلمون أن العنف وسيلة مقبولة لحل النزاعات. وقد يظهر ذلك في سلوكيات عدوانية مثل الضرب أو الصراخ أو التنمّر على الآخرين.

وقد أظهرت الدراسات أن العقاب الجسدي يرتبط بزيادة معدلات السلوك العدواني، والكذب، والسرقة، وصعوبات التكيّف الاجتماعي. ومع تقدّم الطفل في العمر، قد تتفاقم هذه السلوكيات، مما يجعله يواجه تحديات أكبر في بناء علاقات سليمة والتعامل مع المواقف الاجتماعية بشكل ناضج.

تأثير العقاب الجسدي على العلاقة بين الوالدين والطفل

تقوم العلاقة الصحية بين الوالدين والطفل على الثقة والأمان العاطفي. إلا أن العقاب الجسدي قد يقوّض هذه الثقة، حيث يبدأ الطفل في النظر إلى الوالد كمصدر للخوف بدلًا من كونه مصدرًا للحماية والدعم.

ومع مرور الوقت، قد يتجنب الطفل التعبير عن مشاعره أو مشاركة تجاربه خوفًا من العقاب، لا بدافع العصيان، بل خشية ردود الفعل. هذا الانقطاع في التواصل قد يخلق فجوة عاطفية يصعب ترميمها، ويضعف الرابط الأسري.

والأكثر خطورة أن الأطفال الذين ينشؤون في بيئات تعتمد على العقاب الجسدي يكونون أكثر عرضة لتكرار نفس الأسلوب مع أطفالهم مستقبلًا، مما يكرّس دائرة من العنف والخوف عبر الأجيال. غير أن الوعي والتغيير الواعي يمنح الوالدين القدرة على كسر هذه الدائرة وبناء بيئة أكثر أمانًا ورحمة.

الاختيار بين الرحمة والسيطرة

لا شك أن التربية المنضبطة ضرورية لنمو الطفل وتطوره، لكن العقاب الجسدي غالبًا ما يُلحق أذى يفوق فوائده. فهو قد يضعف تقدير الذات، ويزيد من السلوك العدواني، ويضر بالعلاقة بين الطفل ووالديه.

إن فهم الآثار بعيدة المدى للعقاب الجسدي يفتح الباب أمام تبني أساليب تربوية أكثر إنسانية، تقوم على التعاطف، والصبر، والتواصل الفعّال. فعندما نختار أساليب قائمة على الاحترام والتوجيه بدلًا من الإيذاء، فإننا نمنح أطفالنا الشعور بالأمان والفهم والدعم الحقيقي، ونساعدهم على النمو في بيئة تعزز صحتهم النفسية والاجتماعية.

اختيار الرحمة لا يعني غياب الحدود، بل يعني وضع حدود واضحة بأسلوب يحترم كرامة الطفل، ويعلّمه السلوك السليم دون أن يجرحه نفسيًا. وبهذا، نُسهم في تنشئة جيل أكثر وعيًا، وأكثر قدرة على بناء علاقات صحية، وأكثر استعدادًا للحياة.

المرجع

Why Is Physical Punishment Harmful to a Child’s Development?

https://www.shyrohealth.com/resources/article/why-is-physical-punishment-harmful-to-a-childs-development