ترجمة: أ. سما خالد
المقدمة
يرتبط الاكتئاب في الأذهان غالبًا بالمراهقين والبالغين، إلا أن الأطفال أيضًا قد يمرّون بتجربة اكتئابية حقيقية، خصوصًا الأطفال المشخّصين باضطرابات نمائية عصبية. وعندما يتقاطع الاكتئاب مع اضطرابات مثل اضطراب طيف التوحد، أو اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه، أو اضطرابات التعلم المحددة، تصبح الصورة السريرية أكثر تعقيدًا، ويغدو الاكتشاف المبكر والتدخل العلاجي المتكامل ضرورة ملحّة. تهدف هذه المقالة إلى توضيح طبيعة هذا التقاطع، وانعكاساته النفسية والسلوكية والتربوية، والتحديات المرتبطة بالتشخيص والتدخل.
الاكتئاب لدى الأطفال: ملامح تختلف عن الصورة التقليدية
الاكتئاب لدى الأطفال لا يظهر دائمًا في صورة حزن واضح أو بكاء مستمر، بل قد يتخذ أشكالًا سلوكية وانفعالية مختلفة، مثل التهيّج المستمر، وفقدان الاهتمام باللعب والأنشطة المعتادة، وتغيرات في النوم أو الشهية، والشعور بالذنب أو انعدام القيمة، وضعف الأداء المدرسي والاجتماعي. هذه المظاهر قد تمر دون ملاحظة، أو تُفسّر على أنها “سلوكيات عابرة”، بينما هي في حقيقتها مؤشرات لاضطراب يؤثر على النمو العاطفي والسلوكي والمعرفي للأطفال.
الاضطرابات النمائية والعوامل المشتركة مع الاكتئاب
تشير الأدبيات العلمية إلى أن الأطفال المشخّصين باضطرابات نمائية عصبية أكثر عرضة للإصابة بالاكتئاب مقارنة بأقرانهم. ويرتبط ذلك بعوامل مشتركة تتعلق بالصعوبات الاجتماعية، وتكرار الخبرات السلبية، وضعف التكيف مع الضغوط البيئية.
في اضطراب طيف التوحد، تؤدي صعوبات التواصل الاجتماعي إلى العزلة والرفض الاجتماعي، كما أن صعوبة التعبير عن المشاعر تجعل من الصعب على الأطفال إيصال ما يشعرون به للآخرين. بالإضافة إلى ذلك، فإن الحاجة الشديدة إلى الروتين والانزعاج من التغيرات قد ترفع مستوى الضغط النفسي لديهم.
أما في اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه، فإن الاندفاعية وفرط النشاط قد يعرّضان الأطفال للنقد المستمر والعقاب، سواء في المنزل أو المدرسة، مما يؤدي إلى تراكم مشاعر الفشل وانخفاض تقدير الذات. كما أن الصعوبات الأكاديمية والاجتماعية المتكررة تزيد من احتمالية الشعور بالإحباط واليأس.
وفي اضطرابات التعلم المحددة، تظهر فجوة واضحة بين القدرة الفكرية والأداء الأكاديمي، مما يولّد شعورًا بالعجز لدى الأطفال، خاصة مع تكرار التجارب المدرسية السلبية، الأمر الذي قد يدفعهم إلى الانسحاب وفقدان الدافعية.
مظاهر الاكتئاب لدى الأطفال المشخّصين باضطرابات نمائية
غالبًا ما تظهر أعراض الاكتئاب لدى هؤلاء الأطفال بطريقة تختلف عن النمط التقليدي. فقد يلاحظ المختصون انسحابًا مفاجئًا بعد فترات من التفاعل المقبول، أو زيادة في السلوكيات العدوانية أو التدميرية، أو رفض الأنشطة المفضلة سابقًا دون سبب واضح. كما قد تتفاقم اضطرابات النوم أو الشهية، وتظهر نوبات بكاء أو صمت طويل غير مبرر. هذه التغيرات السلوكية يجب ألا تُفسر فقط في إطار الاضطراب النمائي، بل ينبغي النظر إليها كمؤشرات محتملة لاضطراب اكتئابي مصاحب.
التحديات في التشخيص
يمثل تشخيص الاكتئاب لدى الأطفال المشخّصين باضطرابات نمائية تحديًا حقيقيًا. فتشابه الأعراض بين الاكتئاب وبعض خصائص الاضطراب النمائي، مثل الانسحاب الاجتماعي أو التقلبات الانفعالية، قد يؤدي إلى إغفال الاكتئاب. كما أن ضعف المهارات اللفظية أو التعبيرية لدى بعض الأطفال يصعّب عليهم وصف مشاعرهم بدقة. يضاف إلى ذلك أن أدوات التقييم التقليدية قد لا تكون ملائمة لهذه الفئة، مما يستدعي تقييمًا سياقيًا دقيقًا يعتمد على الملاحظة السريرية والتاريخ النمائي والتعاون مع الأسرة والمدرسة.
استراتيجيات التدخل العلاجي المتكامل
يتطلب التعامل مع الاكتئاب في هذا السياق تدخلًا متعدد المستويات. يُعد العلاج السلوكي المعرفي من الأساليب الفعّالة، مع تعديل استراتيجياته لتناسب مستوى الفهم والخصائص السلوكية للأطفال. كما يُعد التدخل الأسري عنصرًا محوريًا، من خلال تدريب الأسر على ملاحظة العلامات المبكرة وتقديم دعم نفسي وسلوكي مناسب.
يلعب الدعم المدرسي دورًا مهمًا عبر توفير بيئة آمنة ومشجعة، ووضع خطط دعم فردية تراعي الجوانب النفسية إلى جانب الجوانب الأكاديمية. وفي الحالات المتوسطة إلى الشديدة، قد يُوصى بالعلاج الدوائي تحت إشراف طبي دقيق، مع مراعاة التداخلات الدوائية المحتملة إذا كان الأطفال يتلقون علاجات أخرى مرتبطة بالاضطراب النمائي.
الوقاية والوعي المجتمعي
تُعد الوقاية والوعي عنصرين أساسيين في التعامل مع هذه الحالة المركبة. فالسلوك “الهادئ فجأة” أو “المتمرد بشكل غير معتاد” قد يكون علامة على معاناة نفسية داخلية. إن إدماج الدعم النفسي والاجتماعي ضمن خطط التدخل النمائي، وتثقيف المعلمين والمربين، يسهمان في تقليل الوصمة المرتبطة بالصحة النفسية ويساعدان في الاكتشاف المبكر.
الخاتمة
إن الاكتئاب لدى الأطفال المشخّصين باضطرابات نمائية ليس حالة عابرة، بل هو تقاطع معقد بين جوانب نمائية ونفسية واجتماعية. ويتطلب هذا التقاطع فهمًا عميقًا وتقييمًا دقيقًا وتدخلًا متكاملًا يجمع بين الدعم العاطفي، والعلاج السلوكي، والتكييف التربوي، والمتابعة الطبية عند الحاجة. إن توفير بيئة واعية وداعمة يفتح أمام الأطفال فرصًا حقيقية للنمو والتعافي، ويؤكد أن كل الأطفال يستحقون أن يُفهموا ويُحتضنوا في رحلتهم نحو الصحة النفسية.
المراجع (APA 7)
American Psychiatric Association. (2022). Diagnostic and statistical manual of mental disorders (5th ed., text rev.; DSM-5-TR). Author.
Leyfer, O. T., Folstein, S. E., Bacalman, S., Davis, N. O., Dinh, E., Morgan, J., & Lainhart, J. E. (2006). Comorbid psychiatric disorders in children with autism. Journal of Autism and Developmental Disorders, 36(7), 849–861. https://doi.org/10.1007/s10803-006-0123-0
Matson, J. L., & Cervantes, P. E. (2014). Comorbid psychopathology with autism spectrum disorder in children. Research in Developmental Disabilities, 35(9), 2313–2319. https://doi.org/10.1016/j.ridd.2014.05.021
National Institute of Mental Health. (2022). Depression in children and teens. U.S. Department of Health and Human Services.





