ترجمة: أ. سما خالد
المقدمة
تواجه الأسر التي لديها أطفال مشخّصون باضطرابات نمائية عصبية مجموعة معقدة من التحديات اليومية. إذ تتداخل احتياجات التعليم والتدخلات السلوكية مع الضغوط النفسية والاجتماعية على الأطفال والأهل معًا. في بعض الحالات، تظهر سلوكيات شديدة مثل العدوانية، التهيّج المزمن، الانفجارات الانفعالية المفاجئة، والسلوكيات القهرية المتكررة، والتي قد تعيق قدرة الأطفال على الاستفادة من التدخلات التعليمية والعلاجية. هذه السلوكيات ليست مجرد مشاكل تصرفية، بل تعكس غالبًا صعوبات في تنظيم الانفعال، القدرة على التواصل، والتكيف مع البيئة.
في مثل هذه الحالات، قد يُستخدم الريسبيريدون (Risperidone)، وهو دواء من مضادات الذهان غير التقليدية، كجزء من خطة علاجية متكاملة لإدارة السلوكيات المصاحبة للاضطرابات النمائية. ومع ذلك، يبقى التركيز الأساسي على التدخلات غير الدوائية مثل برامج تغيير السلوك، وتدريب المهارات الاجتماعية، والتوجيه الأسري، لضمان تطوير مهارات الأطفال بشكل شامل ومستدام.
آلية عمل الريسبيريدون
الريسبيريدون ينتمي إلى فئة مضادات الذهان غير التقليدية (Atypical Antipsychotics)، ويعمل على تعديل نشاط نواقل عصبية رئيسية، أهمها الدوبامين والسيروتونين، في مناطق الدماغ المرتبطة بالتحفيز والانفعال والسلوك الاجتماعي. هذا التأثير العصبي يسهم في تقليل الاستثارة المرتبطة بالسلوكيات العدوانية والانفعالية، ويعزز قدرة الأطفال على تنظيم سلوكهم اليومي، مما يسهل التفاعل مع بيئتهم التعليمية والاجتماعية.
يمتاز الريسبيريدون بتأثيره المتوازن الذي يقلل من حدة السلوكيات دون التسبب بتثبيط معرفي كبير، وهو ما يجعله مناسبًا للأطفال المشخّصين باضطرابات نمائية، لا سيما أولئك الذين يعانون من تهيّج شديد أو صعوبة في التكيف مع التغيرات البيئية.
المؤشرات الدوائية في السياق النمائي
لا يُستخدم الريسبيريدون لعلاج الاضطراب النمائي ذاته، بل لإدارة الأعراض المصاحبة التي تعيق الحياة اليومية للأطفال. وتشمل هذه المؤشرات:
- التهيّج المزمن والتقلبات الانفعالية المستمرة.
- العدوانية الجسدية أو اللفظية تجاه الآخرين.
- نوبات الغضب المتكررة والمقاومة الشديدة للتدخلات العلاجية.
- الانسحاب المفاجئ من النشاطات التعليمية أو اللعب الجماعي.
- السلوكيات القهرية المتكررة التي تؤثر على التعلم أو التفاعل الاجتماعي.
تُشير الأدلة إلى أن التدخل الدوائي يصبح مبررًا عندما تكون السلوكيات شديدة، ومستمرة، ولا تستجيب بشكل كافٍ للبرامج السلوكية أو التربوية وحدها. في هذه الحالات، يساعد الريسبيريدون على تحسين قدرة الأطفال على الاستفادة من التدخلات التعليمية والعلاجية، من خلال تقليل السلوكيات المعيقة.
الفعالية العلمية للريسبيريدون
أظهرت الدراسات السريرية فعالية الريسبيريدون في تقليل السلوكيات المصاحبة للاضطرابات النمائية، وخصوصًا في الأطفال المشخّصين باضطراب طيف التوحد. تشير مراجعات منهجية إلى أن الريسبيريدون يقلل بشكل ملحوظ من التهيّج، العدوانية، السلوكيات التكرارية، والنوبات الانفعالية خلال الأسابيع الأولى من العلاج.
كما أظهرت بعض الدراسات تحسنًا في قابلية الأطفال للاندماج في الأنشطة التعليمية والاجتماعية، مما يعزز أثر البرامج السلوكية والتعليمية. ومع ذلك، تبقى التحسينات محدودة في الجوانب الأساسية للاضطراب مثل المهارات الاجتماعية أو التواصل اللغوي، مما يؤكد أهمية التكامل بين العلاج الدوائي والتدخلات غير الدوائية لتحقيق نتائج مستدامة.
الجرعات وطرق المراقبة
يبدأ استخدام الريسبيريدون عادةً بجرعات منخفضة تُعدّل تدريجيًا وفق وزن الأطفال، شدة الأعراض، واستجابتهم الفردية. غالبًا ما يبدأ العلاج بجرعة 0.25–0.5 ملغ يوميًا للأطفال الأصغر سنًا أو من يعانون من أعراض خفيفة، مع زيادات تدريجية حسب الحاجة.
المراقبة المستمرة جزء أساسي من خطة العلاج، وتشمل:
- قياس الوزن وتقييم مؤشر كتلة الجسم بانتظام.
- مراقبة ضغط الدم ومؤشرات التمثيل الغذائي مثل مستويات السكر والدهون.
- فحوصات وظائف الكبد والكلى، والفحوصات الهرمونية عند الحاجة.
- متابعة السلوك اليومي وتقييم التغيرات في التهيّج أو العدوانية.
يهدف هذا النهج إلى تحقيق أقصى استفادة من الدواء مع تقليل المخاطر المحتملة، وضمان التوازن بين الفوائد والآثار الجانبية.
الآثار الجانبية والتحديات
على الرغم من فعاليته، قد يصاحب استخدام الريسبيريدون مجموعة من الآثار الجانبية، منها:
- شائعة: النعاس، زيادة الوزن، الدوخة، الإمساك، وتغيرات الشهية.
- نادرة لكن خطيرة: اضطرابات الحركة مثل التشنجات اللاإرادية، متلازمة الذهان الخبيث، تغيرات مزاجية حادة، ارتفاع مستويات السكر أو الدهون.
لذلك، يعتمد الأطباء على مبدأ “أقل جرعة فعالة”، مع تقييم دوري لضمان سلامة الأطفال، وتعديل الخطة العلاجية وفق الحاجة.
الاعتبارات النفسية للأهالي
يشعر العديد من الأهالي بالقلق تجاه إدخال دواء نفسي لأطفالهم، خصوصًا عند احتمالية حدوث آثار جانبية. وهنا يأتي دور التثقيف النفسي للأسر، الذي يوضح:
- أهداف استخدام الدواء وآلية عمله.
- التوقعات الواقعية للتحسن السلوكي.
- آليات المراقبة المستمرة والتقارير اليومية للسلوكيات.
كما يساهم إشراك الأهالي في مراقبة السلوكيات اليومية للأطفال في اتخاذ قرارات علاجية دقيقة، وتقليل شعورهم بالذنب أو القلق المرتبط باستخدام الدواء.
التكامل مع التدخلات السلوكية والتعليمية
لا يمكن فصل العلاج الدوائي عن برامج تغيير السلوك، التدريب على المهارات الاجتماعية، وتحفيز التعلم. فالريسبيريدون يعزز قدرة الأطفال على الاستجابة لهذه البرامج، ولكنه لا يغني عنها. يوصي المختصون بدمجه مع جلسات تحليل السلوك التطبيقي، وتمارين المهارات اليومية، وبرامج التعليم المخصص لضمان استدامة التحسن في السلوكيات، وتحقيق نمو شامل ومتوازن.
الخاتمة
يُعتبر الريسبيريدون خيارًا دوائيًا فعّالًا لإدارة السلوكيات المصاحبة للاضطرابات النمائية، خاصة حالات التهيّج الشديد والعدوانية لدى الأطفال المشخّصين بطيف التوحد. ويعتمد نجاح استخدامه على التقييم الدقيق، اختيار الجرعات المناسبة، المراقبة المستمرة، والتكامل مع التدخلات السلوكية والتعليمية. إن تبني خطة علاجية متكاملة يدعم التفاعل اليومي للأطفال، ويزيد من فعالية البرامج السلوكية والتعليمية، ويخفف الضغوط النفسية على الأهالي، مما يخلق بيئة أكثر استقرارًا ونموًا متوازنًا للأطفال المشخّصين.
المراجع (APA 7)
American Psychiatric Association. (2022). Diagnostic and statistical manual of mental disorders (5th ed., text rev.; DSM-5-TR). Washington, DC: Author.
Harris, K. M., & Handleman, J. S. (2000). Effectiveness of risperidone in reducing behavioral symptoms in children with autism. Journal of the American Academy of Child & Adolescent Psychiatry, 39(4), 512–519. https://doi.org/10.1097/00004583-200004000-00013
McCracken, J. T., McGough, J., Shah, B., Cronin, P., Hong, D., Aman, M. G., … & Research Units on Pediatric Psychopharmacology Autism Network. (2002). Risperidone in children with autism and serious behavioral problems. New England Journal of Medicine, 347(5), 314–321. https://doi.org/10.1056/NEJMoa013171
Posey, D. J., Kem, D. L., Swiezy, N. B., Sweeten, T. L., Wiegand, R. E., & McDougle, C. J. (2004). A pilot study of risperidone in adults with autistic disorder. Journal of Clinical Psychopharmacology, 24(1), 63–66. https://doi.org/10.1097/01.jcp.0000113127.10309.57





