الأبعاد السبعة لخدمات تحليل السلوك التطبيقي

تأثير الأجهزة الرقمية على صحة الأطفال

 

ترجمة : أ. نوره الدوسري

 

مقدمة

أصبحت الأجهزة الرقمية مثل الهواتف الذكية، والأجهزة اللوحية، والتلفاز، والحواسيب جزءًا أساسيًا من حياة الأطفال اليومية. فهي تُستخدم للترفيه، والتعلّم، والتواصل، وحتى لتهدئة الأطفال في كثير من الأحيان. لكن مع هذا الانتشار الواسع، بدأت تظهر تساؤلات مهمة:
هل يؤثر الاستخدام الطويل لهذه الأجهزة على صحة الأطفال؟
وهل زاد هذا التأثير خلال فترات الإغلاق المنزلي التي رافقت انتشار وباء كورونا؟

للإجابة عن هذه الأسئلة، قام الباحثون بمراجعة عدد كبير من الدراسات العلمية التي تناولت تأثير استخدام الأجهزة الرقمية على صحة الأطفال من عمر سنتين إلى اثنتي عشرة سنة، من الجوانب الجسدية والنفسية والسلوكية، مع التركيز أيضًا على ما حدث خلال فترة التعليم عن بُعد.

لماذا يُعد الأطفال أكثر تأثرًا بالأجهزة الرقمية؟

الأطفال في مرحلة النمو الجسدي والعقلي، وأي سلوك يومي متكرر قد يترك أثرًا طويل المدى على صحتهم. الاستخدام المفرط للأجهزة الرقمية غالبًا ما يعني:

  • قلة الحركة والنشاط البدني

  • الجلوس لفترات طويلة

  • قلة النوم أو اضطرابه

  • التعرض المستمر للضوء الصادر من الأجهزة الرقمية

  • تقليل التفاعل الاجتماعي الحقيقي

كل هذه العوامل قد تؤثر سلبًا على صحة الطفل الجسدية والنفسية.

أولًا: تأثير الأجهزة الرقمية على الحركة والوزن

أظهرت الدراسات أن الأطفال الذين يقضون وقتًا طويلًا أمام الأجهزة الرقمية:

  • يمارسون نشاطًا بدنيًا أقل

  • يقضون وقتًا أطول في الجلوس

  • تقل مشاركتهم في اللعب الخارجي أو الأنشطة الرياضية

هذا النمط يؤدي إلى زيادة احتمالية زيادة الوزن والسمنة، خاصة عندما يترافق استخدام الأجهزة الرقمية مع تناول وجبات غير صحية، مثل الوجبات السريعة أو الحلويات أثناء مشاهدة التلفاز.

كما وُجد أن وجود أجهزة رقمية داخل غرفة نوم الطفل يزيد من وقت استخدامها، ويقلل من فرص الحركة والنشاط اليومي.

ثانيًا: النوم واضطراباته

النوم الجيد ضروري لنمو الطفل وتطوره العقلي والعاطفي. إلا أن الدراسات أوضحت أن:

  • الأطفال الذين يستخدمون الأجهزة الرقمية قبل النوم ينامون ساعات أقل

  • يتأخر وقت النوم لديهم

  • يستيقظون أثناء الليل أكثر

  • يشعرون بالتعب والنعاس خلال النهار

السبب في ذلك يعود إلى الضوء المنبعث من الأجهزة الرقمية، والذي يؤثر على إفراز هرمون النوم الطبيعي في الجسم.
في المقابل، الأطفال الذين اعتادوا القراءة أو الأنشطة الهادئة قبل النوم كانت جودة نومهم أفضل.

 

ثالثًا: السلوك والصحة النفسية

من أكثر الجوانب التي تناولتها الدراسات هو تأثير الأجهزة الرقمية على سلوك الأطفال. وقد تبين أن الاستخدام المفرط يرتبط بـ:

  • زيادة العصبية ونوبات الغضب

  • ضعف القدرة على ضبط النفس

  • تشتت الانتباه

  • زيادة السلوك العدواني

  • صعوبات في التفاعل الاجتماعي

كما وُجد أن الأطفال الذين يستخدمون أكثر من جهاز في الوقت نفسه، مثل مشاهدة التلفاز مع استخدام الهاتف، يعانون من مشاكل أكبر في التركيز والتنظيم السلوكي.

المحتوى الذي يتعرض له الطفل يلعب دورًا مهمًا أيضًا. فالمحتوى العنيف أو غير المناسب للعمر يرتبط بمشاكل سلوكية أكبر مقارنة بالمحتوى التعليمي أو الهادف.

رابعًا: التأثير على التعلم والقدرات العقلية

تشير نتائج الأبحاث إلى أن الإفراط في استخدام الأجهزة الرقمية قد يؤثر سلبًا على:

  • التحصيل الدراسي

  • الانتباه داخل الصف

  • الدافعية للتعلم

  • تطور اللغة والقدرة على التعبير

كما لوحظ أن الأطفال الذين يقضون وقتًا طويلًا أمام الأجهزة الرقمية يقل لديهم الحديث مع أنفسهم أثناء اللعب، وهو سلوك مهم لتطور التفكير والتنظيم الذاتي.

في المقابل، الأنشطة التقليدية مثل الكتابة اليدوية، والرسم، واللعب الحر، تساعد على تطوير المهارات العقلية والحركية بشكل أفضل من الاعتماد الكامل على الأجهزة الرقمية.

خامسًا: المهارات الحركية والوضعية الجسدية

الاستخدام الطويل للأجهزة الرقمية، خاصة الأجهزة اللوحية والهواتف، يؤثر على:

  • دقة حركة اليدين

  • التناسق بين العين واليد

  • الجلسة الصحيحة للجسم

الأطفال الذين يستخدمون الأجهزة الرقمية بكثرة أظهروا ضعفًا في بعض المهارات الحركية الدقيقة مقارنة بأقرانهم الذين يمارسون أنشطة يدوية ولعبًا تقليديًا.

سادسًا: صحة العين

من النتائج المهمة التي أظهرتها الدراسات، خاصة بعد فترات التعليم عن بُعد، زيادة مشاكل العين لدى الأطفال، مثل:

  • إجهاد العين

  • جفاف العين

  • ضعف النظر

  • زيادة حالات قصر النظر

وقد تبين أن القراءة أو الدراسة من خلال الهواتف والأجهزة اللوحية لها تأثير أكبر على العين مقارنة بمشاهدة التلفاز من مسافة أبعد.

سابعًا: تأثير فترات الإغلاق والتعليم عن بُعد

خلال فترات الإغلاق المنزلي:

  • زاد وقت استخدام الأطفال للأجهزة الرقمية بمعدل ساعة إضافية يوميًا

  • زاد الاستخدام في ساعات الليل

  • قل النشاط البدني بشكل ملحوظ

  • ظهرت مشاكل أكثر في النوم والمزاج

كما أظهرت الدراسات أن البنات تأثرن بزيادة وقت الشاشة أكثر من الأولاد في بعض الجوانب النفسية.

دور الأسرة في تشكيل عادات الطفل الرقمية

من أهم النتائج أن سلوك الوالدين الرقمي يؤثر بشكل مباشر على سلوك الأطفال.
فالآباء الذين يستخدمون الأجهزة الرقمية بكثرة، غالبًا ما يكون أطفالهم أكثر استخدامًا لها.

كما أن مشاركة الأسرة في استخدام الأجهزة مع الأطفال تقل مع التقدم في العمر، مما يزيد من الاستخدام الفردي غير المراقب.

هل للأجهزة الرقمية فوائد؟

نعم، الاستخدام المعتدل والموجه يمكن أن يكون له فوائد، مثل:

  • تسهيل الوصول للمعلومة

  • دعم التعلم عند الحاجة

  • تعزيز التواصل الاجتماعي في بعض الحالات

لكن المشكلة ليست في وجود الأجهزة، بل في الإفراط في استخدامها دون تنظيم أو توجيه.

 

الخلاصة

تشير الأدلة العلمية إلى أن الاستخدام الطويل وغير المنظم للأجهزة الرقمية يؤثر سلبًا على صحة الأطفال الجسدية والنفسية والسلوكية، خاصة في:

  • النشاط البدني

  • النوم

  • السلوك

  • التعلم

  • صحة العين

وقد زادت هذه التأثيرات خلال فترات الإغلاق والتعليم عن بُعد، لكنها ما زالت مستمرة حتى بعد العودة للحياة الطبيعية.

توصيات عملية للأهل والمجتمع

  • تحديد وقت يومي واضح لاستخدام الأجهزة الرقمية

  • منع استخدام الأجهزة قبل النوم

  • تشجيع اللعب الحر والأنشطة البدنية

  • عدم وضع أجهزة رقمية في غرفة نوم الطفل

  • اختيار محتوى مناسب لعمر الطفل

  • أن يكون الوالدان قدوة في استخدام الأجهزة

  • تعزيز الأنشطة غير الرقمية داخل المنزل والمدرسة

الهدف ليس منع التكنولوجيا، بل استخدامها بحكمة، بحيث تدعم نمو الطفل بدل أن تعيقه، وتساهم في بناء جيل صحي جسديًا ونفسيًا في عالم رقمي متسارع.

 

المرجع

The Impact of Digital Devices on Children’s Health: A Systematic Literature Review

https://pmc.ncbi.nlm.nih.gov/articles/PMC11587142/