ترجمة : أ. نوره الدوسري
مقدمة
يُعد علاج إزالة التحسس وإعادة المعالجة بحركات العين، المعروف اختصارًا بـ EMDR، أحد الأساليب العلاجية الحديثة في مجال الصحة النفسية، والذي يركّز على مساعدة الأفراد على معالجة الذكريات المؤلمة الناتجة عن التجارب الصادمة. يهدف هذا النوع من العلاج إلى تخفيف الأثر الانفعالي والنفسي لتلك الذكريات، بحيث لا تعود تسيطر على مشاعر الفرد أو سلوكياته في الحاضر. وقد اكتسب علاج EMDR شهرة واسعة عالميًا، خاصة في علاج اضطراب ما بعد الصدمة، مع توسّع استخدامه ليشمل العديد من الاضطرابات النفسية الأخرى.
ما هو علاج EMDR؟
علاج EMDR هو أسلوب علاجي نفسي يعتمد على تحفيز جانبي الدماغ، غالبًا من خلال حركات العين المتتابعة، أثناء استحضار الذكريات الصادمة. لا يطلب هذا العلاج من الفرد الخوض في تفاصيل مؤلمة بشكل مطوّل، بل يركّز على كيفية معالجة الدماغ لتلك الذكريات وإعادة تنظيمها بطريقة صحية. الهدف الأساسي هو تقليل الشحنة الانفعالية المرتبطة بالحدث الصادم، ومساعدة الفرد على استعادة شعوره بالأمان والسيطرة.
الفئة المستفيدة من علاج EMDR
يمكن أن يستفيد من علاج EMDR الأطفال، والمراهقون، والبالغون على حد سواء، شريطة أن يتم تقديمه من قِبل مختصين مدرَّبين. كما يمكن تكييف هذا العلاج ليتناسب مع الأطفال، مع مراعاة مستوى النمو والقدرات المعرفية والانفعالية لديهم. ويُستخدم EMDR مع الأفراد الذين مرّوا بتجارب صادمة واحدة أو متكررة أثّرت في صحتهم النفسية.
لماذا يُستخدم علاج EMDR؟
يعتمد علاج EMDR على فكرة أن الدماغ يمتلك قدرة فطرية على الشفاء النفسي، إلا أن الصدمات قد تعيق هذه القدرة. عند حدوث تجربة صادمة، قد لا تتم معالجة الذاكرة بشكل طبيعي، فتبقى “عالقة” في الدماغ مع المشاعر والأحاسيس المرتبطة بها. يساهم EMDR في إعادة تفعيل هذه الذكريات ضمن بيئة علاجية آمنة، مما يسمح للدماغ بإعادة معالجتها بطريقة تكيفية.
نموذج المعالجة التكيفية للمعلومات
يقوم علاج EMDR على نموذج يُعرف بالمعالجة التكيفية للمعلومات، والذي يفترض أن الذكريات الطبيعية تُخزَّن في الدماغ بشكل مترابط ومنظّم، بينما تُخزَّن الذكريات الصادمة بشكل منفصل وغير مكتمل. هذا الخلل في التخزين يؤدي إلى استمرار المشاعر السلبية، مثل الخوف أو القلق، عند التعرّض لمثيرات تذكّر بالحدث الصادم. يساعد EMDR على إعادة ربط هذه الذكريات بشبكات الذاكرة الصحية، مما يقلل من حدّة الاستجابة الانفعالية.
المحفزات وتأثيرها النفسي
قد تؤدي بعض الأصوات، أو الروائح، أو المشاهد إلى استدعاء الذكريات الصادمة بشكل مفاجئ، وهو ما يُعرف بالمحفزات. عند حدوث ذلك، قد يشعر الفرد وكأن الحدث الصادم يحدث من جديد. يعمل علاج EMDR على تقليل حساسية الفرد تجاه هذه المحفزات، بحيث لا تعود تُحدث استجابات انفعالية مفرطة.
إعادة المعالجة والشفاء النفسي
من خلال تحفيز جانبي الدماغ أثناء استحضار الحدث الصادم، يساعد EMDR على “إعادة معالجة” التجربة، بحيث تصبح جزءًا من الماضي دون أن تفرض نفسها على الحاضر. بعد العلاج، يتمكن الفرد من تذكّر الحدث دون الشعور بالألم النفسي الشديد الذي كان يرافقه سابقًا.
الاضطرابات التي يعالجها EMDR
يُستخدم علاج EMDR بشكل أساسي في علاج اضطراب ما بعد الصدمة، كما أثبت فعاليته في التعامل مع:
- اضطرابات القلق بمختلف أنواعها
- الاكتئاب
- اضطرابات التفكك
- اضطرابات الأكل
- اضطراب الوسواس القهري
- بعض اضطرابات الشخصية
- اضطرابات التكيّف الناتجة عن الصدمات
مدى انتشار علاج EMDR
يُستخدم علاج EMDR على نطاق واسع في العديد من دول العالم، وقد تم اعتماده من قِبل منظمات صحية دولية، مثل منظمة الصحة العالمية، كأحد الأساليب الفعّالة في علاج الصدمات النفسية. كما تعتمد عليه جهات صحية رسمية في علاج الأفراد المتأثرين بالتجارب الصادمة.
مراحل علاج EMDR
يتكوّن علاج EMDR من ثماني مراحل تُنفَّذ عبر عدة جلسات علاجية، وقد تمتد مدة العلاج من أسابيع إلى عدة أشهر بحسب شدة الصدمة وتعقيدها.
جمع التاريخ المرضي والتقييم
في هذه المرحلة، يقوم المختص بجمع معلومات شاملة عن الفرد وتجاربه السابقة، وتحديد الذكريات أو الأحداث التي سيتم العمل عليها خلال العلاج.
التهيئة وبناء الأمان النفسي
يتم شرح آلية العلاج للفرد، وتزويده باستراتيجيات تساعده على الشعور بالأمان والسيطرة الانفعالية أثناء الجلسات.
تحديد الذكريات والمعتقدات السلبية
يُساعد المختص الفرد على تحديد الذكريات الصادمة المرتبطة بمعتقدات سلبية عن الذات، مثل الشعور بالعجز أو الذنب.
إزالة التحسس وإعادة المعالجة
تُعد هذه المرحلة جوهر العلاج، حيث يتم استحضار الحدث الصادم مع تحفيز جانبي الدماغ، مما يساعد على تقليل الشحنة الانفعالية المرتبطة بها.
ترسيخ المعتقدات الإيجابية
بعد خفوت الأثر السلبي للذكرى، يتم العمل على ترسيخ معتقدات إيجابية بديلة تعزز الثقة بالنفس والشعور بالأمان.
فحص الاستجابات الجسدية
يتم التركيز على الاستجابات الجسدية المرتبطة بالذكرى، والتأكد من زوال التوتر أو الانزعاج الجسدي.
الإغلاق والاستقرار الانفعالي
يُنهى كل لقاء علاجي بطريقة تضمن شعور الفرد بالاستقرار، مع تقديم إرشادات للتعامل مع أي مشاعر قد تظهر بين الجلسات.
إعادة التقييم والمتابعة
تُراجع النتائج ويتم تقييم مدى التقدّم، مع تحديد الحاجة إلى جلسات إضافية أو تعديل الأهداف العلاجية.
فوائد علاج EMDR
يمتاز علاج EMDR بعدة جوانب إيجابية، من أبرزها سرعة ظهور النتائج مقارنة ببعض الأساليب العلاجية الأخرى، وتقليل الحاجة إلى استحضار تفاصيل مؤلمة بشكل متكرر، إضافة إلى تقليل الضغط النفسي المصاحب للعلاج.
القيود والتحديات
على الرغم من فعاليته، إلا أن علاج EMDR لا يُعد مناسبًا لجميع الاضطرابات النفسية، خاصة تلك الناتجة عن أسباب عضوية أو وراثية. كما لا تزال الآلية الدقيقة لعمله محل دراسة علمية.
السلامة والآثار الجانبية
يُعتبر علاج EMDR آمنًا بشكل عام، وقد تظهر لدى بعض الأفراد مشاعر مؤقتة من الانزعاج بين الجلسات، والتي يمكن التعامل معها بدعم المختص.
الخلاصة
يُعد علاج EMDR من الأساليب العلاجية الفعّالة في معالجة الصدمات النفسية، حيث يركّز على تمكين الدماغ من إعادة معالجة الذكريات المؤلمة بطريقة صحية. ومع تزايد الأبحاث الداعمة لفعاليته، أصبح EMDR خيارًا مهمًا في مجال الصحة النفسية، خاصة للأفراد الذين عانوا من تجارب صادمة أثّرت في جودة حياتهم.
المرجع
EMDR Therapy
https://my.clevelandclinic.org/health/treatments/22641-emdr-therapy





