ترجمة : أ. نوره الدوسري
يمر الأطفال في عمر السنتين بمرحلة نمائية غنية بالتغيرات العاطفية والاجتماعية، حيث تتطور لديهم القدرة على التعبير عن المشاعر، وفهم الآخرين، والتفاعل مع البيئة المحيطة. وغالبًا ما يجد الأهل صعوبة في فهم التقلبات المزاجية والسلوكية التي تظهر في هذه المرحلة، إذ قد ينتقل الطفل من حالة الفرح والود إلى الغضب أو الحزن في لحظات قصيرة ودون أسباب واضحة. إلا أن هذه التغيرات تعد جزءًا طبيعيًا من عملية النمو، وتعكس محاولات الطفل لفهم ذاته والسيطرة على مشاعره وسلوكياته والتفاعل مع العالم من حوله.
أولًا: النمو العاطفي لدى الأطفال بعمر السنتين
يواجه الطفل في هذه المرحلة تحديًا كبيرًا يتمثل في محاولة التحكم في مشاعره ودوافعه وسلوكياته، وهو أمر يفوق قدراته الحالية. لذلك تظهر الانفعالات بشكل مفاجئ وقوي، مثل البكاء أو الصراخ أو الضرب أو العض، وهي وسائل بدائية للتعبير عن الغضب والإحباط وعدم القدرة على تحقيق الرغبات.
1. تقلب المشاعر واختبار الحدود
يميل الطفل في عمر السنتين إلى استكشاف العالم من حوله، ويظهر رغبة قوية في الاستقلالية وخوض التجارب الجديدة. ويقضي جزءًا كبيرًا من وقته في اختبار الحدود، سواء حدود نفسه أو حدود الآخرين أو حدود البيئة. إلا أن الطفل في هذه المرحلة لا يمتلك بعد المهارات اللازمة للقيام بكل ما يرغب فيه بطريقة آمنة، مما يجعله بحاجة إلى حماية وتوجيه من الأهل.
وعندما يتجاوز الطفل هذه الحدود ويتم منعه أو إيقافه، فإنه غالبًا ما يستجيب بالغضب أو الإحباط، وقد تظهر نوبات غضب حادة أو سلوكيات عدوانية مثل الضرب أو العض أو الركل. ويرجع ذلك إلى محدودية قدرته على تنظيم مشاعره، حيث تتفجر الانفعالات فجأة دون قدرة على السيطرة عليها.
هذه السلوكيات لا تعني بالضرورة وجود مشكلة نفسية، بل تعد جزءًا طبيعيًا من النمو في هذه المرحلة العمرية، إذ يسعى الطفل من خلالها إلى التعبير عن مشاعره والتعامل مع الواقع الذي يواجهه.
2. مراحل النمو العاطفي في عمر السنتين
من أبرز مظاهر النمو العاطفي لدى الطفل في هذا العمر:
التعبير عن العاطفة بشكل واضح، مثل إظهار الحب والحنان تجاه الوالدين أو الآخرين.
القدرة على التعبير عن مجموعة واسعة من المشاعر، مثل الفرح، الحزن، الغضب، الخوف، والغيرة.
الاعتراض على التغييرات الكبيرة في الروتين اليومي، مثل تغيير مواعيد النوم أو الانتقال إلى مكان جديد.
إظهار ردود فعل قوية تجاه المواقف التي يشعر فيها بالإحباط أو عدم الفهم.
تعكس هذه المظاهر تطورًا تدريجيًا في الوعي العاطفي لدى الطفل، رغم استمرار محدودية قدرته على ضبط الانفعالات.
3. اختلاف سلوك الطفل مع الآخرين
يتساءل بعض الأهل عن سبب تصرف الطفل بشكل أفضل مع المربية أو الأقارب مقارنة بتصرفه مع والديه. ويعود ذلك إلى أن الطفل يشعر بدرجة أعلى من الأمان والثقة مع الوالدين، مما يدفعه إلى اختبار الحدود معهم أكثر من غيرهم. فهو يدرك ضمنيًا أن الوالدين سيحمونه ويساعدونه عند الحاجة، ولذلك يكون أكثر جرأة في سلوكياته معهم.
أما مع الآخرين، فإن الطفل قد لا يشعر بنفس مستوى الثقة، فيميل إلى الالتزام بالسلوك المقبول وعدم اختبار الحدود بشكل كبير.
4. قلق الانفصال وكيفية التعامل معه
يعد قلق الانفصال من الظواهر الشائعة لدى الأطفال في هذه المرحلة، وغالبًا ما يبدأ في نهاية السنة الأولى ويستمر لفترة من الزمن. فعندما يستعد الوالدان لترك الطفل مع شخص آخر، قد يظهر الطفل ردود فعل متنوعة مثل الغضب، البكاء، التعلق الشديد، أو حتى الانسحاب والصمت.
في هذه المواقف، من المهم أن يتجنب الأهل المبالغة في ردود الفعل أو استخدام العقاب والتوبيخ، لأن ذلك قد يزيد من توتر الطفل. ويُفضل طمأنة الطفل بأن الوالدين سيعودان، وتعزيز السلوك الإيجابي عند العودة من خلال الثناء على صبره وقدرته على التكيف.
ومع مرور الوقت، يصبح الانفصال أسهل تدريجيًا، خاصة عند اقتراب الطفل من عمر الثلاث سنوات.
5. تعزيز الثقة بالنفس والسلوك الإيجابي
تزداد قدرة الطفل على الاستقلالية والسلوك المنظم كلما شعر بالأمان والثقة. ويمكن للأهل دعم هذا النمو من خلال:
وضع حدود واضحة ومعقولة تسمح للطفل بالاستكشاف دون تعريضه للخطر.
الثناء على السلوكيات الإيجابية، مثل اللعب التعاوني، أو محاولة الاعتماد على النفس في تناول الطعام أو ارتداء الملابس.
تعزيز الإنجازات الصغيرة، مما يساعد الطفل على تكوين صورة إيجابية عن ذاته.
مع ارتفاع مستوى تقدير الذات لدى الطفل، تبدأ السلوكيات السلبية في التراجع تدريجيًا، حيث يتعلم الطفل أن السلوك المقبول يؤدي إلى استجابات إيجابية من الآخرين.
6. متى يجب استشارة المختصين؟
على الرغم من أن التقلبات العاطفية طبيعية في هذه المرحلة، إلا أن بعض المؤشرات قد تستدعي استشارة طبيب الأطفال أو المختص النفسي، مثل:
ظهور سلوكيات انسحابية أو خمول شديد.
الحزن المستمر لفترات طويلة.
المطالب المفرطة وعدم الرضا المستمر.
ضعف التفاعل مع الآخرين بشكل ملحوظ.
قد تشير هذه المؤشرات إلى ضغوط نفسية أو عوامل بيولوجية تحتاج إلى تقييم متخصص.
ثانيًا: النمو الاجتماعي لدى الأطفال بعمر السنتين
يتسم النمو الاجتماعي في هذه المرحلة بظهور السلوكيات الذاتية والتركيز على الاحتياجات الشخصية، حيث يبدو الطفل أكثر اهتمامًا بنفسه مقارنة بالآخرين. وقد يرفض مشاركة الألعاب أو التفاعل مع الأطفال الآخرين، حتى في حالات اللعب المتوازي.
1. السلوك الاجتماعي في عمر السنتين
قد يلاحظ الأهل أن الطفل يرفض المشاركة أو يتصرف بأنانية، وهو أمر طبيعي في هذه المرحلة، إذ لم تتطور لديه بعد مهارات المشاركة والتعاون بشكل كامل. كما أن التفاعل مع الأطفال الآخرين غالبًا ما يكون محدودًا، وقد يقتصر على محاولة الحصول على لعبة أو جذب الانتباه.
وعلى الرغم من أن هذه السلوكيات قد تسبب الإزعاج للأهل، فإنها تعكس مرحلة طبيعية من النمو الاجتماعي، حيث يمر معظم الأطفال بنفس الأنماط السلوكية.
2. تعلم التعاطف
في الوقت نفسه، يبدأ الطفل في تطوير القدرة على التعاطف مع الآخرين، وإن كانت هذه القدرة لا تزال في مراحلها الأولى. ويمكن للأهل دعم هذا التطور من خلال الحديث عن مشاعر الآخرين، مثل:
“الطفلة حزينة لأنها فقدت لعبتها، هل يمكنك مساعدتها؟”
يساعد هذا النوع من الحوار الطفل على فهم مشاعر الآخرين، حتى وإن لم يتمكن دائمًا من التحكم في سلوكه. ومع الممارسة المستمرة، تتحسن قدرة الطفل على التعاطف تدريجيًا.
3. هل الطفل مدلل؟
قد يشعر بعض الأهل بالقلق من أن سلوك الطفل يشير إلى الدلال المفرط أو فقدان السيطرة. إلا أن معظم هذه المخاوف تكون غير مبررة، حيث تعد السلوكيات العدوانية أو النشطة جزءًا طبيعيًا من النمو، تمامًا كما هو الحال مع الأطفال الهادئين أو الخجولين.
4. التقليد واللعب التخيلي
رغم تركيز الطفل على ذاته، فإنه يقضي جزءًا كبيرًا من وقته في تقليد الآخرين، وهو ما يظهر بوضوح في اللعب التخيلي. فقد يقلد الطفل طريقة حديث الوالدين أو أسلوبهم في التعامل، مثل وضع الدمية للنوم أو استخدام نفس الكلمات والنبرة التي يسمعها في المنزل.
يساعد اللعب التخيلي الطفل على فهم أدوار الآخرين وتجربة مشاعرهم، كما يعزز قدرته على التفاعل الاجتماعي في المستقبل. ويبرز هذا النوع من اللعب أهمية أن يكون الأهل نموذجًا إيجابيًا، لأن الطفل غالبًا ما يقلد سلوكياتهم أكثر مما يستجيب لتعليماتهم المباشرة.
5. دور اللعب الجماعي
يساعد اللعب الجماعي الطفل على تعلم مهارات التفاعل الاجتماعي، مثل المشاركة والتعاون واحترام الآخرين. ومن المفيد تنظيم مجموعات لعب صغيرة تضم طفلين أو ثلاثة أطفال، مع إشراف بسيط من الأهل لضمان السلامة.
ومن المهم أن يُتاح للأطفال توجيه اللعب بأنفسهم قدر الإمكان، لأن ذلك يساعدهم على تعلم كيفية التفاعل مع أقرانهم بشكل طبيعي، دون تدخل مباشر من الكبار.
خلاصة
يمثل عمر السنتين مرحلة مفصلية في النمو العاطفي والاجتماعي للطفل، حيث تتشكل ملامح الشخصية الأولى وتتطور القدرة على التعبير عن المشاعر والتفاعل مع الآخرين. وعلى الرغم من التحديات التي يواجهها الأهل في التعامل مع التقلبات السلوكية والانفعالية، فإن هذه المرحلة تعد جزءًا طبيعيًا من النمو، وتتطلب الصبر والتوجيه والدعم المستمر.
إن فهم طبيعة النمو في هذه المرحلة يساعد الأهل والمختصين على التعامل مع الطفل بطريقة أكثر وعيًا، ويعزز بناء شخصية متوازنة وقادرة على التفاعل الإيجابي مع الذات والآخرين في المراحل اللاحقة من الحياة.
المرجع
Emotional Development: 2 Year Olds
Social Development: 2 Year Olds





