ترجمة : أ. نوره الدوسري
تتأثر التجربة الإنسانية بشكل عميق بعواطفنا. فالعواطف قد تكون عابرة في بعض الأحيان، وقد تكون ساحقة في أحيان أخرى، لكنها دائمًا تشكّل الطريقة التي ننظر بها إلى العالم ونتفاعل معه. ومع ذلك، وعلى الرغم من أن العواطف تشكل جوهر هويتنا، يجد الكثير من الناس صعوبة في التعبير عن مشاعرهم بدقة. غالبًا ما تُستخدم كلمات عامة مثل “مضغوط” أو “منزعج” أو “بخير” كعبارات شاملة لمجموعة أوسع وأكثر تعقيدًا من المشاعر.
تشير الأبحاث الحديثة في علم النفس وعلم الأعصاب إلى أن القدرة على تسمية العواطف بدقة لا تُعد مجرد مهمة عقلية، بل هي أداة أساسية لتنظيم الذات العاطفي وبناء القدرة على التكيف النفسي (Barrett, 2017). عندما نتمكن من تسمية عواطفنا بشكل دقيق، وهي مهارة تُعرف باسم “تفصيل العاطفة” أو Emotion Granularity، فإن ذلك يغير الطريقة التي نتعامل بها مع التحديات، مما يجعلنا أكثر مرونة وقدرة على التكيف، وأكثر ذكاءً عاطفيًا، وأقوى نفسيًا.
ما معنى تسمية العواطف؟
تسمية العواطف تعني التعرف على مشاعرنا وتحديدها بدقة باستخدام كلمات واضحة. بدلًا من استخدام مصطلحات عامة مثل “غاضب” أو “حزين”، يستطيع الشخص الذي يتمتع بقدرة عالية على تفصيل العاطفة التمييز بين مشاعر دقيقة مثل “انزعاج”، “إحباط”، أو “استياء”، مع ملاحظة الفروقات الدقيقة بين هذه الأحاسيس. هذه العملية تتجاوز مجرد الكلمات؛ إذ تعيد تشكيل استجابات العقل والجسم تجاه العاطفة. تسمية العواطف بشكل دقيق تساعد على إعادة تأطير التجارب وتمكيننا من معالجتها بفهم أعمق.
توضح عالمة العاطفة الرائدة ليزا فلدمن باريت (2017) أن العواطف ليست ردود فعل ثابتة، بل تجارب تتشكل من خلال اللغة والثقافة. يستخدم الدماغ تصنيفات لفهم الأحاسيس الجسدية والأحداث الخارجية. عندما نسمّي عواطفنا بوضوح، فإننا نوفر للدماغ إطارًا أفضل لفهمها وإدارتها. وتشير الأبحاث إلى أن الأشخاص الماهرين في تسمية مشاعرهم يظهر لديهم نشاط أكبر في القشرة الجبهية الأمامية (Prefrontal Cortex)، المسؤولة عن اتخاذ القرار والتحكم العاطفي، ونشاط أقل في اللوزة الدماغية (Amygdala)، وهي الجزء المرتبط بالتوتر والخوف (Lieberman et al., 2007). هذه العملية تمكن الأفراد من التعامل مع العواطف بإحساس بالسيطرة، بدلًا من الانغماس في شعور الفوضى أو الانفعالات المفرطة.
كيفية عمل تسمية العواطف في الحياة اليومية
لتوضيح كيفية عمل تسمية العواطف، يمكن تخيل شخصين يواجهان ضغط العمل. أحدهما يقول ببساطة إنه “مضغوط” ويتصرف بشكل انفعالي، ربما بالانسحاب أو الشعور بالإرهاق. بينما الآخر يقوم بتسمية مشاعره بدقة: “أشعر بعدم التقدير لجهودي، وهذا يجعلني أشعر بالإحباط وليس مجرد الضغط”. هذه الوضوح العاطفي يمكنه من التعامل مع الموقف بشكل أكثر فعالية، ربما عن طريق التحدث مع المدير بدلًا من الاكتفاء بالصمت أو التذمر الداخلي. من خلال فهم أعمق لمشاعرهم، يستطيع الأفراد إيجاد حلول أفضل واتخاذ إجراءات أكثر وعيًا.
تدعم الأبحاث هذا الأمر. فقد أظهرت دراسة لـ Kashdan وزملائه (2015) أن الأشخاص الذين يملكون قدرة على تسمية مشاعرهم يستخدمون استراتيجيات تكيف أقل ضررًا، مثل التفكير المتكرر السلبي أو اللجوء إلى المواد المخدرة، ويكونون أكثر ميلًا لاستخدام أساليب تكيف صحية، مثل حل المشكلات أو إعادة تأطير المواقف. يساعد التمييز بين المشاعر الأفراد على تجاوز ردود الفعل الانفعالية الفورية وبناء القدرة على التكيف النفسي (David, 2016). بدلاً من الشعور بالعجز أو التصرف باندفاع، يمكن للأشخاص الواعين عاطفيًا اختيار استجابات أكثر تفكيرًا وبناءة.
العلاقة بين تسمية العواطف والقدرة على التكيف
غالبًا ما يُنظر إلى القدرة على التكيف النفسي على أنها صفة ثابتة يمتلكها بعض الأشخاص دون الآخرين. لكن الأبحاث الحديثة تشير إلى أنها مهارة يمكن تطويرها. تلعب تسمية العواطف دورًا مهمًا في بناء هذه المهارة.
عندما يقوم الأشخاص بتسمية مشاعرهم بدقة، فإنهم يخلقون نوعًا من الحماية ضد التوتر. تظهر الدراسات أن كبت المشاعر يزيد من مستوى التوتر، في حين أن التعبير عنها، حتى من خلال مجرد تسميتها، يمكن أن يقلل من التوتر الجسدي (Pennebaker, 1997). من خلال تسمية مشاعرهم، يصبح الأفراد أكثر وعيًا بها، مما يساعد على تقليل تأثيرها. ببساطة، تسمية العواطف تمنح الأفراد شعورًا بالملكية تجاه مشاعرهم بدلًا من أن تتحكم هذه المشاعر بهم. هذا الوعي الذاتي يمكنهم من تجاوز ردود الفعل الأولية والتعامل مع المواقف بشكل أكثر هدوءًا.
تفصيل العاطفة وحل المشكلات
تلعب قدرة الشخص على التمييز بين المشاعر المتشابهة، أي تفصيل العاطفة، دورًا رئيسيًا في حل المشكلات. أظهرت أبحاث Tugade وFredrickson (2004) أن الأفراد المرنين نفسيًا أفضل في التعرف على مشاعرهم واستخدام هذا الفهم للتكيف بفعالية. بدلاً من النظر إلى التحدي كتجربة شاملة ومرهقة، يقومون بتقسيمه إلى مشاعر محددة يمكن معالجتها. هذا يتيح لهم تطوير استراتيجيات عملية للتعامل مع التوتر وتجاوز العقبات.
الفوائد الاجتماعية لتسمية العواطف
على نطاق أوسع، يمكن أن يؤدي مجتمع يتمتع أفراده بقدرة عالية على تسمية مشاعرهم بدقة إلى مستوى صحي أفضل بشكل عام. عندما يُبسط التعبير عن العواطف أو يُكبت، يمكن أن تنشأ بيئات مزدهرة فيها التوتر والقلق والصراع. القدرة على تسمية العواطف بدقة لا تساعد الأفراد فقط، بل يمكن أن تسهم في تحسين صحة المجتمع بأكمله. فالأفراد الأكثر وعيًا عاطفيًا قادرون على تكوين علاقات صحية، وزيادة التفاهم المتبادل، وخلق بيئات تعطي الأولوية للصحة العاطفية.
العلاقات وتسمية العواطف
إلى جانب الفوائد الفردية، تساهم تسمية العواطف في تحسين العلاقات. غالبًا ما تحدث سوء الفهم بسبب عدم قدرة الأشخاص على شرح مشاعرهم بدقة. عندما يلتزم الناس بمصطلحات عامة مثل “منزعج”، يمكن أن يؤدي ذلك إلى سوء الفهم. أما عندما يتمكنون من التعبير عن أنفسهم بشكل أكثر وضوحًا، فإن ذلك يعزز الروابط مع الآخرين. أظهرت دراسة Nook وزملائه (2018) أن الأشخاص الذين يعبرون عن مشاعرهم بتفصيل يظهرون مستوى أعلى من التعاطف والذكاء الاجتماعي. على سبيل المثال، قول “أشعر بالإرهاق لأنني أتعامل مع مهام كثيرة في نفس الوقت” يدعو الآخرين لتقديم الدعم والفهم بشكل أفضل. هذا النوع من التواصل الواضح يبني الثقة ويجعل العلاقات أكثر أمانًا عاطفيًا، سواء على المستوى الشخصي أو المهني.
كيفية ممارسة تسمية العواطف
الأبحاث العلمية واضحة، لكن القوة الحقيقية لتسمية العواطف تكمن في الممارسة اليومية. بناء القدرة على تفصيل العاطفة ليس معناه الإفراط في التفكير بالمشاعر، بل تطوير وعي أكبر ونية أعمق في كيفية تجربة هذه المشاعر.
إحدى الطرق الفعالة هي تدوين المشاعر. على عكس التدوين التقليدي الذي يركز غالبًا على الأحداث، يركز التدوين المرتكز على العواطف على الغوص في التفاصيل الدقيقة لمشاعر الشخص. بدلًا من كتابة “كان اليوم صعبًا”، يمكن كتابة: “شعرت بالتجاهل أثناء الاجتماع، وهذا جعلني أشعر بالإحباط والشك في نفسي”. مع مرور الوقت، تقوي هذه الممارسة قدرة الدماغ على التمييز بين المشاعر المختلفة وتساعد الأشخاص على تنظيمها بفعالية أكبر.
أداة أخرى مفيدة هي استخدام عجلات العواطف أو القواميس العاطفية. على سبيل المثال، توفر عجلة العواطف لبلوتشيك (2001) إطارًا واضحًا لمساعدة الأشخاص على التعرف على مشاعرهم والتعبير عنها. المشاركة المنتظمة في استخدام هذه الأدوات تعزز الوعي العاطفي وتجعل من السهل بناء سرد داخلي أكثر تكيفًا. التعرف على مجموعة واسعة من المشاعر وفروقها الدقيقة يمنح الأفراد القدرة على التعبير عن ما يشعرون به بطريقة تؤدي إلى الفهم، والمعالجة، والتوازن العاطفي.
حدود تسمية العواطف
رغم قوة تسمية العواطف، من المهم أن نكون على دراية بحدودها. الإفراط في تحليل كل شعور يمكن أن يؤدي أحيانًا إلى الانفصال العاطفي، إذ قد يركز الشخص على التصنيفات بدلًا من تجربة المشاعر نفسها (Feldman & Russell, 1998). كما تلعب العوامل الثقافية دورًا في التعبير العاطفي؛ فبعض الثقافات قد تشجع على عدم تسمية المشاعر مباشرة والاكتفاء بالإشارات غير اللفظية. لذلك، يجب تكييف ممارسة تسمية العواطف لتتناسب مع السياق الثقافي لضمان فعاليتها (Mesquita, 2001).
الخلاصة
في جوهرها، القدرة على تسمية العواطف بوضوح ليست مجرد مهارة عقلية، بل هي جزء أساسي من تطوير الوعي الذاتي وتمكين الفرد. يمكن لهذه الممارسة تحويل السلوك الانفعالي والمندفع إلى استجابات مدروسة وواعية. كما تساعد في إزالة الارتباك، وتحويل الاضطراب العاطفي إلى قدرة على التكيف، وخلق مجتمع أكثر صحة وترابطًا.
في عالم غالبًا ما يقلل من التعبير عن المشاعر أو يختصر العواطف إلى تسميات بسيطة، فإن تنمية القدرة على تفصيل العاطفة توفر بديلاً يمكّن الأفراد من تنظيم مشاعرهم بشكل أفضل، وتقوية العلاقات الاجتماعية، وتعزيز المرونة النفسية.
المرجع
How Labeling Emotions Improves Resilience and Mental Strength





