ترجمة: أ. نوره الدوسري
أهمية المساعدة المهنية في التعافي من اضطرابات الأكل
لا ينبغي التقليل من دور المساعدة المهنية في التعافي من اضطرابات الأكل، إذ إن السلوكيات الغذائية غير المنتظمة لا تختفي من تلقاء نفسها غالبًا، بل قد تتفاقم مع مرور الوقت، مما يؤدي إلى مشكلات صحية جسدية ونفسية وعاطفية متعددة.
ومع ذلك، قد يكون من الممكن في بعض الحالات التعامل مع هذه الاضطرابات بشكل ذاتي، من خلال استخدام تقنيات علاجية مصممة خصيصًا للمساعدة الذاتية في اضطرابات الأكل.
ما المقصود بالعلاج الذاتي؟
العلاج الذاتي هو شكل من أشكال التدخل العلاجي يهدف إلى مساعدة الفرد على العمل نحو التعافي من اضطرابات الأكل بنفسه. ويشمل ذلك عدة جوانب، من بينها:
تنفيذ تمارين موجودة في كتب المساعدة الذاتية أو البرامج الإلكترونية.
ممارسة تقنيات علاجية مختلفة في المنزل.
إدخال تغييرات صحية على نمط الحياة اليومية.
وغالبًا ما يتطلب العلاج الذاتي الجمع بين هذه الجوانب الثلاثة بدرجات متفاوتة.
ومن أكثر أشكال العلاج الذاتي شيوعًا البرامج التي تعتمد على العلاج المعرفي السلوكي (CBT)، حيث تُعد هذه البرامج من أكثر الأساليب التي تم اختبارها علميًا في الحد من السلوكيات المرتبطة باضطرابات الأكل. كما أن طبيعة العلاج المعرفي السلوكي القائمة على وحدات أو مراحل محددة مسبقًا تجعل من السهل على الفرد اتباعها بشكل مستقل، دون الحاجة المستمرة إلى العمل مع مختص نفسي.
ومع ذلك، توجد أنواع متعددة من العلاج الذاتي واستراتيجيات تغيير نمط الحياة التي يمكن أن تدعم التعافي على المدى الطويل، مثل: الأكل الواعي أو الحدسي، تدوين الطعام، كتابة اليوميات، حضور مجموعات الدعم، والعمل باستخدام العبارات الإيجابية التحفيزية، وغيرها من الوسائل التي تعزز عملية الشفاء في المنزل.
كيفية علاج اضطرابات الأكل من خلال العلاج الذاتي
في كثير من الحالات، يُمارس العلاج الذاتي عبر اتباع دليل تدريبي أو تطبيق إلكتروني أو برنامج منظم للمساعدة الذاتية.
وتتضمن أفضل برامج المساعدة الذاتية عادةً أوراق عمل أو وحدات تدريبية أو تمارين تساعد على:
تحديد العلامات التحذيرية المبكرة وأعراض اضطرابات الأكل.
فهم العوامل التي تسهم في استمرار اضطرابات الأكل.
التعرف على الأفكار والسلوكيات غير المفيدة المرتبطة بالطعام والأكل.
تحليل المعتقدات الجوهرية السلبية أو الحوار الداخلي السلبي الذي يجعل الأفراد أكثر عرضة للإصابة باضطرابات الأكل.
ممارسة مهارات جديدة أو استراتيجيات للتكيف مع الضغوط.
مواجهة المواقف المخيفة، بما في ذلك تناول الأطعمة التي يُخشى تناولها.
وضع خطة للوقاية من الانتكاس.
كما يمكن دعم العلاج الذاتي من خلال إدخال تغييرات منزلية تعزز الصحة النفسية، مثل تبني استراتيجيات تساعد على تعزيز القبول الذاتي، واحترام الحدود الشخصية، وبناء تقدير الذات.
ومن الأساليب المفيدة أيضًا إزالة المحفزات المحتملة من البيئة المنزلية، وإجراء حوارات مع أفراد الأسرة حول الموضوعات الحساسة التي ينبغي تجنبها. كما يمكن أن يساعد حضور مجموعات الدعم على تعزيز الالتزام بالتغييرات الإيجابية والاستمرار في مسار التعافي.
أنواع العلاج الذاتي
يُعد العلاج الذاتي الموجَّه من أكثر أنواع العلاج الذاتي استخدامًا، حيث يعمل الفرد من خلال دليل أو كتيب تدريبي أو برنامج إلكتروني مخصص لاضطرابات الأكل.
وبينما يركز العلاج الذاتي الخالص على التغلب على اضطرابات الأكل دون تدخل خارجي، توجد عدة أشكال أخرى من العلاج الذاتي، من بينها:
1. العلاج بالقراءة (Bibliotherapy)
ويتضمن التحدث مع مختص نفسي للحصول على توصيات بشأن كتب أو مصادر قراءة محددة يمكن أن تكون مفيدة.
2. العلاج الذاتي الإلكتروني
وهو شكل من أشكال العلاج الذاتي يعتمد على جلسات منظمة تتم بالكامل عبر الإنترنت.
3. مجموعات المساعدة الذاتية
وهي مجموعات دعم أو علاج تتكون من أفراد يخوضون تجربة العلاج الذاتي، ويمكن اعتبار هذه المجموعات بمثابة فريق دعم علاجي يساعد على تعزيز الالتزام بخطة التعافي.
4. مجموعات التفعيل
وهي مجموعات من الأفراد الذين يتبعون برامج العلاج الذاتي ويجتمعون أحيانًا للمشاركة في أنشطة جماعية تهدف إلى تعزيز المشاركة الاجتماعية وبناء علاقات إيجابية.
ومن طرق ممارسة العلاج الذاتي أيضًا تطبيق تقنيات علاجية في المنزل، سواء كانت هذه التقنيات مكتسبة من جلسات علاجية سابقة أو من مصادر خارجية.
كما يُعد إدخال تغييرات أساسية في نمط الحياة والبيئة المنزلية عنصرًا رئيسيًا في العلاج الذاتي، بغض النظر عن البرنامج المتبع.
ما الذي يمكن توقعه عند اتباع العلاج الذاتي لاضطرابات الأكل؟
يتطلب اتباع برامج العلاج الذاتي جهدًا ملحوظًا، إذ تساعد هذه البرامج الفرد على أن يصبح بمثابة معالج لنفسه، مما يستلزم تعلم العديد من التقنيات والأساليب العلاجية المتعلقة باضطرابات الأكل.
وتتضمن بعض كتب المساعدة الذاتية واجبات أو أنشطة منزلية تساعد على ممارسة المهارات الجديدة والتغلب على الأنماط السلوكية غير الصحية القديمة. كما من الطبيعي أن يتساءل الفرد عما إذا كان يطبق الأساليب بشكل صحيح.
وتشمل بعض برامج العلاج الذاتي لقاءات دورية مع مختصين أو مجموعات دعم، بهدف تقديم التوجيه وتعزيز الالتزام بخطة التعافي.
ويرتكز العلاج الذاتي على الاستمرارية والالتزام والمثابرة، إذ قد يكون تطبيق التقنيات العلاجية في المنزل تحديًا كبيرًا، خاصة في الأيام التي يشعر فيها الفرد بالإرهاق أو التوتر أو التأثر بالمحفزات النفسية. ولهذا السبب، من المهم أيضًا إدخال تغييرات صحية في نمط الحياة والبيئة المنزلية والاستمرار في تطبيق الاستراتيجيات المكتسبة.
تقييم العلاج الذاتي كوسيلة فعالة لعلاج اضطرابات الأكل
لا توجد طريقة علاجية واحدة تناسب جميع الأفراد، إذ قد يكون العلاج الذاتي مفيدًا لبعض الحالات دون غيرها، وذلك اعتمادًا على التاريخ الطبي للفرد وشدة الأعراض وعوامل أخرى.
فوائد العلاج الذاتي
من أبرز فوائد العلاج الذاتي سهولة الوصول إليه، إذ يمكن استخدامه عندما تكون العلاجات التقليدية مكلفة أو غير متاحة.
كما يساعد العلاج الذاتي الموجَّه على تعلم مهارات جديدة واستراتيجيات للتكيف مع الضغوط، مما يسهم في التعافي من اضطرابات الأكل وتحقيق قدر أكبر من التوازن النفسي.
ويمكن أن يكون تعلم تقنيات العلاج الذاتي خطوة تمهيدية للاستعداد للعلاجات الأكثر كثافة في حال عدم كفاية العلاج الذاتي وحده للحفاظ على التعافي.
حدود العلاج الذاتي
يوصى بالعلاج الذاتي في الحالات الخفيفة أو المتوسطة من اضطرابات الأكل، ويرجع ذلك إلى أن هذا الأسلوب يتطلب قدرًا كبيرًا من الانضباط الذاتي.
حتى الأفراد الأكثر قوة قد يشعرون بالإرهاق أو يمرون بأيام صعبة تدفعهم إلى التوقف عن الالتزام بالخطة العلاجية. أما الأفراد الذين يعانون من أعراض شديدة فقد يواجهون صعوبة في بدء أي روتين جديد.
كما أن التعافي من اضطرابات الأكل ذاتيًا يتطلب رؤية صحيحة وإدراكًا دقيقًا للمشكلة، إذ يمكن أن يقع الفرد في فخ الإنكار أو التفسير الذاتي غير الموضوعي، مما يؤدي إلى عدم إدراك خطورة المشكلة.
ولهذا السبب، تُعد برامج العلاج الذاتي الخالص أكثر عرضة لهذه التحديات، ولذلك تشجع العديد من هذه البرامج على التواصل الدوري مع مختصين أو المشاركة في مجموعات دعم، بهدف وضع الأفكار والسلوكيات في سياقها الصحيح وتعزيز الالتزام بخطة التعافي.
من هم الأشخاص المناسبون للعلاج الذاتي في اضطرابات الأكل؟
أظهرت الدراسات أن العلاج المعرفي السلوكي الموجَّه ذاتيًا يمكن أن يساعد في الحد من نوبات الشره المرضي وأنماط الأكل غير المنتظمة لدى الأشخاص الذين يعانون من الشره العصبي واضطراب الأكل القهري.
لكن النتائج أقل وضوحًا فيما يتعلق بفقدان الشهية العصبي، حيث لا يُعد العلاج المعرفي السلوكي أكثر فعالية من غيره من الأساليب العلاجية في هذه الحالات.
كما أن التغلب على فقدان الشهية العصبي دون تدخل متخصص قد يكون أمرًا صعبًا وخطيرًا، وقد يتطلب استخدام تقنيات إضافية أو تدخلًا مهنيًا متخصصًا.
فعالية العلاج الذاتي في التعافي من اضطرابات الأكل
يُعد مفهوم العلاج الذاتي واسعًا ومتعدد الأشكال، إذ يصعب قياس بعض جوانبه علميًا، مثل التغييرات في نمط الحياة أو الممارسات العلاجية المنزلية.
ولهذا السبب، ركزت معظم الدراسات العلمية على العلاج الذاتي القائم على العلاج المعرفي السلوكي.
وقد أظهرت هذه الدراسات نتائج واعدة، حيث تبين أن العلاج الذاتي قد يكون فعالًا جزئيًا في العديد من الحالات، خاصة في علاج الشره العصبي واضطراب الأكل القهري.
وأشارت بعض الدراسات الحديثة إلى أن النسخ المطورة من العلاج الذاتي القائم على العلاج المعرفي السلوكي ساعدت على تقليل نوبات الشره بشكل كبير خلال فترة قصيرة، مع تحقيق نسبة ملحوظة من التعافي الكامل لدى المشاركين الذين أكملوا البرامج العلاجية.
ومع ذلك، فإن العلاج الذاتي، كغيره من الأساليب العلاجية، ليس حلًا مثاليًا أو مضمون النتائج دائمًا. لذلك، ينبغي تقييم فوائده وحدوده بعناية قبل البدء به.
وفي حال استمرار الأفكار والسلوكيات غير الصحية بعد عدة أسابيع من العلاج الذاتي، فقد يكون من الضروري طلب المساعدة المهنية المتخصصة.
خاتمة
يمثل العلاج الذاتي أحد الخيارات الداعمة في التعامل مع اضطرابات الأكل، خاصة في الحالات الخفيفة والمتوسطة، إذ يساعد على تطوير الوعي الذاتي واكتساب مهارات التكيف وتغيير أنماط التفكير والسلوك.
ومع ذلك، لا يمكن الاعتماد عليه كبديل كامل عن التدخل المهني في جميع الحالات، خصوصًا في الحالات الشديدة أو المعقدة. لذلك، فإن الجمع بين العلاج الذاتي والمساعدة المتخصصة عند الحاجة يُعد النهج الأكثر أمانًا وفعالية لتحقيق التعافي المستدام من اضطرابات الأكل.
المرجع
Self-help and eating disorder treatment
https://withinhealth.com/learn/articles/self-help-and-eating-disorder-treatment





