ترجمة: أ. سما خالد
المقدمة
يُعد الوسواس القهري (Obsessive Compulsive Disorder – OCD) من الاضطرابات النفسية المعقدة التي تبدأ أحيانًا في مرحلة الطفولة، وقد تتداخل في أعراضها مع اضطرابات نمائية أخرى مثل اضطراب طيف التوحد واضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه. غالبًا ما يتم تجاهل الوسواس القهري في الأطفال نتيجة تشابه مظاهره السلوكية مع بعض السلوكيات النمائية أو بسبب تفسيرها على أنها مجرد طقوس طفولية عابرة. غير أن فهم العلاقة بين الوسواس القهري والاضطرابات النمائية، والتدخل المبكر المناسب، قد يُحدث فرقًا جذريًا في مسار نمو الأطفال.
ما هو الوسواس القهري عند الأطفال؟
يتسم الوسواس القهري بوجود أفكار متكررة ومزعجة (وساوس) تُثير القلق، يليها سلوك قهري (طقوسي) يهدف إلى تقليل هذا القلق. عند الأطفال، قد لا يكون التعبير اللفظي عن الأفكار الوسواسية واضحًا، لكن يمكن ملاحظة أنماط سلوك متكررة مثل التحقق المتكرر، الغسل الزائد، الترتيب القهري، أو تكرار عبارات معينة.
غالبًا ما يدرك الأطفال الأكبر سنًا عدم منطقية هذه الأفعال، بينما قد يظهر الأطفال الأصغر سنًا سلوكًا قهريًا دون وعي كافٍ بسبب محدودية النضج المعرفي.
الفرق بين الوسواس القهري والسلوك النمائي المتكرر
من الطبيعي أن يُظهر الأطفال سلوكيات متكررة، خاصة في سن ما قبل المدرسة، مثل ترتيب الألعاب أو طلب روتين محدد قبل النوم. لكن الفرق الجوهري يكمن في أن السلوكيات الوسواسية ترتبط بقلق داخلي، وتُمارس لتقليل التوتر وليس لمجرد المتعة أو الراحة. بينما يُعد التكرار الطبيعي جزءًا من التنظيم الذاتي أو التطور المعرفي، فإن الوسواس القهري يعكس حالة من الانزعاج النفسي ويفرض على الطفل سلوكيات تؤثر على جودة حياته.
علاقة الوسواس القهري بالاضطرابات النمائية
تشير الأبحاث الحديثة إلى وجود تداخل في الخصائص السلوكية والعصبية بين الوسواس القهري واضطرابات نمائية مثل اضطراب طيف التوحد. كلا الاضطرابين قد يتضمن سلوكيات متكررة، لكن الدوافع والوظائف تختلف. في الوسواس القهري، تكون الدوافع داخلية وقهرية ومرتبطة بالقلق، بينما تكون في اضطراب طيف التوحد نمطية وذات طابع ذاتي التنظيم. كما يُلاحظ وجود أعراض وسواسية لدى بعض الأطفال مشخصين باضطراب فرط الحركة، خصوصًا في شكل أفكار اجترارية أو طقوس تنظيمية.
التشخيص والتمييز السريري
تشخيص الوسواس القهري عند الأطفال يتطلب تقييمًا نفسيًا دقيقًا يشمل مقابلات مع الطفل والأسرة، وملاحظة السلوك، واستخدام مقاييس معيارية. ومن التحديات التشخيصية:
- عدم قدرة الطفل على التعبير عن الأفكار الوسواسية لفظيًا.
- الخلط بين الطقوس النمائية والسلوك القهري.
- تداخل الوسواس القهري مع أعراض التوحد أو اضطراب القلق العام.
يعتمد الأخصائيون على التكرار، وشدة القلق المرتبط بالسلوك، وتأثيره على الأداء اليومي للطفل للتمييز بين الحالات المختلفة.
التفسير العصبي والفسيولوجي
تشير دراسات التصوير الدماغي إلى وجود نشاط غير طبيعي في مناطق الدماغ المرتبطة بالتحكم التنفيذي، خاصة في القشرة الجبهية الحزامية والنوى القاعدية، وهي ذات المناطق المتأثرة في اضطرابات نمائية أخرى. كما تلعب النواقل العصبية مثل السيروتونين والدوبامين دورًا أساسيًا في الوسواس القهري، مما يفسر فعالية بعض الأدوية المثبطة لإعادة امتصاص السيروتونين (SSRIs) في علاجه.
التدخل المبكر واستراتيجيات العلاج
أثبتت البحوث أن التدخل المبكر هو المفتاح لتقليل حدة الوسواس القهري وتحسين التكيف النفسي والاجتماعي للأطفال. يشمل العلاج عادة:
- العلاج المعرفي السلوكي (CBT): ويُعد الخط الأول، ويركز على تقنية التعرض ومنع الاستجابة (ERP).
- العلاج الدوائي: باستخدام مثبطات إعادة امتصاص السيروتونين، خاصة في الحالات المتوسطة إلى الشديدة.
- تدريب الأسرة: لتمكين الأسر من التعامل مع السلوك القهري دون تعزيزه.
- التدخلات المدرسية: عبر توفير بيئة داعمة وتكييفات مرنة.
دمج العلاج السلوكي التحليلي (ABA)
رغم أن ABA يُستخدم غالبًا مع الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد، إلا أن استراتيجياته يمكن أن تدعم التدخل مع الأطفال مشخصين بالوسواس القهري، خاصة عند تواجد أعراض نمائية مرافقة. من خلال تحليل الوظيفة السلوكية، يمكن فهم دوافع السلوك القهري، وتصميم تدخلات تقلل من التكرار وتزيد من السلوكيات التكيفية.
على سبيل المثال، إذا كان الطفل يقوم بتكرار غسل اليدين بشكل قهري، يمكن تدريب الطفل على بدائل وظيفية أو استخدام جداول بصرية لتقليل عدد مرات الغسل تدريجيًا مع التعزيز الإيجابي.
دور الأسرة والمعلمين
يتطلب نجاح العلاج شراكة قوية مع الأسرة والمدرسة. يجب تدريب الأسرة على كيفية التعامل مع الطقوس دون تعزيزها، والتفريق بين الدعم والتواطؤ السلوكي. كما ينبغي للمعلمين أن يكونوا على دراية بالوسواس القهري، حتى لا يتم تفسير السلوك على أنه تمرد أو كسل، بل يُفهم في سياقه النفسي.
خاتمة
الوسواس القهري عند الأطفال لا ينبغي أن يُنظر إليه كاضطراب معزول، بل يجب فهمه ضمن شبكة من العوامل النفسية والعصبية والسلوكية، خاصة عند تداخله مع اضطرابات نمائية. التشخيص الدقيق والتدخل المبكر المتكامل، مع تعاون الأسر والمختصين، يفتح المجال أمام تحسن نوعي في حياة الأطفال. فهم السلوك هو الخطوة الأولى نحو التغيير، وتقديم الدعم المناسب يصنع الفارق الحقيقي.
المرجع:
المراجع: American Psychiatric Association. (2013). Diagnostic and Statistical Manual of Mental Disorders (5th ed.).
Storch, E. A., et al. (2012). Pediatric obsessive-compulsive disorder: A review of the cognitive-behavioral treatment literature. Child and Adolescent Psychiatric Clinics, 21(3), 593–608.
March, J. S., & Mulle, K. (1998). OCD in children and adolescents: A cognitive-behavioral treatment manual. Guilford Press.





